لقد ترددت كثيرا قبل أن يقر عزمي على كتابة هذه السطور. و يعود سبب هذا التردد إلى عاملين أساسيين: العامل الأول، هو كون الرجل (الملتحق بالاتحاد الاشتراكي من حزب الحركة الشعبية خلال ما عُرف بحملة الانفتاح سنة 2005) لم يكن يمثل التحاقه بالحزب، بالنسبة لي ولكثير من المناضلين الاتحاديين بمكناس، أية قيمة مضافة، على الأقل فيما يخص جانب ترسيخ القيم الاتحادية وتجذير التنظيمات الحزبية؛ وذلك لافتقاره للقيم النضالية الأصيلة وللثقافة التنظيمية والمؤسساتية.

ولهذه الاعتبارات، فقد بدت لي فكرة الكتابة عن “اشباعتو” لفضح (إعلاميا، أقصد؛ أما تنظيميا ومؤسساتيا، فقد قمنا بواجبنا، كما سيتبين من الفقرات الموالية) بعض الممارسات التي عمل على إدخالها إلى الاتحاد الاشتراكي، بدت لي هذه الفكرة (فكرة الكتابة) غير مغرية، بل وتافهة ولا تستحق أن يُنتبه إليها، خاصة بعد أن شد الرحال إلى وجهة أخرى؛ مما قد يجعل البعض يعتبر هذه الكتابة وفي هذه الظروف بالذات مجرد تصفية حساب. أضف إلى ذلك أنني مقتنع بأن المعني بالأمر لا يستحق أن يكون موضع اهتمام ولا موضوع مقال.

أما العامل الثاني الذي جعلني أتردد قبل الإقدام على كتابة هذه السطور، فهو الخوف من أن تعتبر الكتابة عن “اشباعتو”، بعد رحيله عن الاتحاد الاشتراكي، من النوع الذي تنطبق عليه مقولة:”إلى طاحت البقرة كيكثرو الجناوا”(خاصة، وقد تصدى له بعض الإخوان بالفضح والكشف عن حقيقته وتعريتها) أو من النوع الذي ينطبق عليه المثل”البْكا مور الميت خْسارة” أو ما يمكن أن نلخصه بعبارة “حتى غاب أيوب عاد ْصبح كله عيوب”… !!

ومما زاد من حدة التردد الذي أشرت إليه، كوني قد كتبت مقالات نقدية وانتقادية، لاذعة في كثير من الأحيان، في حق قياديين اتحاديين بارزين، كان لهم وزنهم التنظيمي والسياسي والفكري…داخل حزب قوات الشعبية؛ وكان لهم دور أساسي في الحياة الحزبية والوطنية، سجله لهم التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز؛ وقد صعب علي أن أضع “اشباعتو”، من خلال الكتابة عنه، في صف هؤلاء الذين تربوا في أحضان الاتحاد وخبروا محنه وذاقوا نصيبهم (الوافر أحيانا) منها؛ رغم أن منهم من، للأسف الشديد، سيجعل من هذا الرصيد النضالي مصدر ريع حزبي، فيصبح، في المحصلة، لا يختلف كثيرا عن “اشباعتو” في المسعى وفي المبتغى. ولا أستبعد أن يكون “اشباعتو” قد وجد الدعم والمساندة عند هؤلاء بالجهاز التنفيذي للحزب (أقصد المكتب السياسي السابق).

لا أحتاج أن أذكر بنموذج معين من هذا الصنف الذي انقلب على حزبه بـ180 درجة حين شعر بنهاية الاستفادة من الريع الحزبي، خاصة بعد المؤتمر الوطني التاسع. ولا شك أن المناضلين المتتبعين لا يعدمون نموذجا أو نموذجين على الأقل. وسأكتفي، هنا، بالإشارة إلى مقالين عامين (“فصل المقال فيما بين الانتهازي والمناضل من اتصال وانفصال”و”معضلة الريع في العمل السياسي والنقابي والجمعوي”) يتناولان ظاهرتي الريع والانتهازية، مع الإشارة إلى أنني كتبت، أيضا، مقالات اسمية تتحدث عن أشخاص بعينهم، بعد أن أصبحوا من الذين “يسبون الملة بعد أن أكلوا الغلة”.

وبعد أن حسمت أمر التردد وقررت أن أكتب عن “اشباعتو”، أود أن أشير إلى أن هذا الأخير لا يهمني إلا من حيث هو شخصية عامة؛ فقد تقلد مسؤوليات تنظيمية وتمثيلية مهمة باسم الاتحاد (كاتب جهوي للحزب وعضو مكتبه السياسي؛ رئيس الجهة وبرلماني باسم الحزب؛ وزير سابق باسم الحركة الشعبية). أما كشخص فلا يهمني في شيء ولا أعرف عنه إلا القليل القليل ولا أريد أن أعرف المزيد.

من المعروف عن “اشباعتو” أنه يتعامل، داخل التنظيم الحزبي، من جهة، بعقلية رجل السلطة (عقلية “القايد”؛ إذ السلطة تسكنه ويسعى إليها بكل الوسائل)؛ وليس أي رجل سلطة، بل السلطة من عهد “إدريس البصري”؛ كما أنه لا يفكر، من جهة أخرى، إلا بعقلية القطيع وعقلية الشيخ والمريد. لذلك، تجده لا يعير للتنظيم وللمؤسسات الحزبية الأهمية المطلوبة. وكمثال على ما نقول، نشير إلى أن المجلس الجهوي لحزب الاتحاد الاشتراكي لجهة مكناس تافلالت لم ينعقد منذ يوليوز 2007 (والمجلس الجهوي اليتيم الذي انعقد في هذا التاريخ، أملته ظروف المؤتمر الجهوي الأول، في سنة 2006، وظروف التحضير للانتخابات التشريعية لسنة 2007).

ورغم المهام التي كان يتحملها “اشباعتو” باسم الاتحاد الاشتراكي، فإن مصلحة الحزب لم تكن أبدا هي التي تحركه؛ بل ما كان يحركه هو مصلحته الشخصية فقط. وحتى لا نتهم بالتحامل على الرجل بعد أن شد الرحال إلى جهة أخرى وإلى حزب آخر، نورد تقريرا عن استحقاق 2 أكتوبر 2009 (وهو تقرير من بين عدة تقارير رفعت إلى المكتب السياسي حول ممارسات “اشباعتو”)، رفعناه إلى المكتب السياسي بنفس التاريخ، نفضح فيه، تنظيميا ومؤسساتيا، انتهازية هذا الكائن الانتخابي الدخيل على حزب الشهداء والمناضلين؛ وهذا نص التقرير بكل أمانة:

“وبعد، ها قد انتهت كل العمليات الانتخابية لسنة 2009 بما لها وما عليها. ومن باب المسئولية، فقد حرصنا أن نوافيكم بتقرير أو أكثر عن كل عملية. وآخر علمية، كما تعلمون، تتعلق بتجديد ثلث مجلس المستشارين؛ وقبلها عشنا مسلسل انتخاب رؤساء الجهات. وإذ نسجل، بهذا الصدد، الإنجاز الذي حققه لنفسه الأخ سعيد اشباعتو ، عضو المكتب السياسي والكاتب الجهوي للحزب، بإعادة انتخابه على رأس الجهة، نهنئه على ذلك، ونذكر أخوتكم بأننا كنا قد أشرنا في ختام التقرير الذي رفعناه إليكم حول انتخابات أعضاء مجلس جهة مكناس- تافيلالت، وقبل أن يتم تكوين مكتب الجهة، بأن كل المؤشرات تدل على أن السيد سعيد اشباعتو يسعى إلى تغييب صوت الاتحاد في انتخابات غرفة المستشارين لصالح جهة أو جهات معينة مقابل حفاظه على رئاسة الجهة. وقلنا في نفس التقرير:”إننا لسنا ضد طموح اشباعتو في الحفاظ على رئاسة الجهة؛ بل بالعكس، نحن حريصون على أن يتبوأ حزبنا في شخص اشباعتو أو غيره المكانة اللائقة به. لكن نرفض التنكر لقيم الحزب ونرفض تهميش التنظيمات الحزبية ونرفض التحالفات المشبوهة ونرفض التعامل المصلحي الذي لا يقيم وزنا للمبادئ وللقيم النضالية والأخلاقية…”.

وقد بينت الأحداث أن استنتاجنا كان صائبا؛ ذلك أن الأخ سعيد اشباعتو الذي هو في نفس الوقت كاتبا جهويا للحزب وعضوا في مكتبه السياسي، لم تكن له الشجاعة ليختار لون حزبه في ترشحه لرئاسة جهة مكناس- تافيلالت، بل اختار لذلك اللون الأبيض.

ثم هل كان من الضروري أن يبحث على نوع من الإجماع مقابل التفريط في حضور الحزب في انتخابات تجديد ثلث غرفة المستشارين، وهي، كما نعلم، محطة انتخابية ذات أهمية سياسية خاصة ! ألم يكن كافيا أن يتحالف مع حزب أو حزبين(وحتى ثلاثة) ليضمن الحصول على عدد الأصوات التي تؤهله لرئاسة الجهة، ويبقي على حظوظ الحزب في التنافس على مقاعد الغرفة الثانية؟

إن الثمن الذي تطلبه شبه الإجماع الذي حصل عليه سعيد اشباعتو كان باهظا جدا من الناحية السياسية. لقد حرم الاتحاد من فرصة التنافس على الوصول إلى غرفة المستشارين، خصوصا وأن عدد المقاعد الشاغرة يغري بذلك. إن الصفقة التي عقدها مع بعض الجهات لن يستفيد منها إلا اشباعتو كشخص وأعداء الاتحاد بالطبع. أما الحزب فقد خسر الكثير.

ليكن في علمكم أن عدد المقاعد الشاغرة بالجهة فيما يخص فئة المستشارين الجماعيين هي أربعة(4)، وأن الاتحاد بالجهة مرتب خامسا، بفارق 3 مقاعد فقط عن الرابع، وثمانية (8) مقاعد عن الثالث، بحيث نتوفر على عدد 312 مستشارا والحركة الشعبية لها 315 مستشارا والتجمع الوطني للأحرار 320 مستشارا. وكان بإمكاننا أن نستقطب بعض الأصوات من بعض الأحزاب مثل التقدم والاشتراكية (85 مستشارا) وجبهة القوى الديمقراطية ( 52 مستشارا) وتحالف اليسار (38 مستشارا) ونربح مقعدا بمجلس المستشارين ولو بأكبر بقية. وقد كان بإمكاننا أيضا أن نتفاوض مع حزب العدالة والتنمية (139 مستشارا) قبل أن يقدم على وضع ترشيحه.

وتجدر الإشارة إلى إن هذا الحزب مارس حقه في الترشيح رغم حظوظه الضئيلة، بينما حزبنا أحجم عن ذلك رغم حظوظه الوفيرة. فأقل ما سيربحه العدالة والتنمية هو الحفاظ على مستشاريه، أو على الأقل معرفة عدد المنضبطين منهم. أما نحن فقد وفرنا للمستعدين منهم (المؤلفة قلوبهم) شروط ولوج سوق النخاسة.

ويظهر أنكم أطلقتم يد السيد سعيد اشباعتو في الجهة ليتصرف فيها، بشكل فردي، كيف يشاء، ذلك أنه كلما عبرنا عن رفضنا “لقرار” ما، إلا ويواجهنا بأن له الموافقة من المكتب السياسي. وها قد وقع بلاغا مشتركا مع “البام”(لماذا “البام” وحده بينما التحالف الذي عقده يضم أحزابا أخرى؟) باسم المستشارين الاتحاديين دون استشارتهم ودون الرجوع إلى الأجهزة الحزبية ولو من باب “شاورو ولا تعمل بريو”. وقد طبلت وزمرت وكالة المغرب العربي للأنباء لهذا البلاغ المشترك الذي صنع “الحدث” على مستوى الجهة.

وبعد البلاغ المشترك مع “البام” وبعد حرمان الحزب من الترشح للغرفة الثانية، ما هو التوجيه “السياسي” الذي أعطي لـ 312 مستشارا اتحاديا؟ هل تلقوا الإشارة (أو الأمر) للتصويت لجهة أو جهات معينة أم أنهم تركوا فريسة لتجار الانتخابات يخطبون ودهم ويتسابقون على شراء أصوات المستعدين منهم لبيع ذمتهم؟

خلاصة عامة: لقد عشنا على مستوى مكناس والإقليم مسلسلا “هليوديا” ابتدأ بحبك سيناريو وكيل لائحة الحزب بمكناس في انتخابات 12 يونيو، مرورا بانسحاب “أبطال” هذه المهزلة ومخرجها (الذي ليس سوى اشباعتو) وتواريهم عن الأنظار خلال الإعداد للانتخابات المهنية وخوض أطوارها، لتليه عملية التمييع والتنكر لمبادئ الحزب في انتخاب أعضاء المجلس الإقليمي وانتخاب أعضاء المجلس الجهوي، و”يتوج” كل هذا بحرمان الحزب من الترشيح لمجلس المستشارين، وحرمان مستشارينا من حقهم في التنافس فيما بينهم للظفر بشرف تمثيل الاتحاد في معركة سياسية ذات أهمية، من جهة، والتنافس مع باقي مكونات المشهد السياسي للظفر بمقعد نيابي بمجلس المستشارين، من جهة ثانية” (مكناس في 2 أكتوبر 2009).
نعتقد أن هذا التقرير يعفينا من الكثير من الكلام على “اشباعتو” الذي قلنا عنه في مقدمة هذا المقال بأنه لا يستحق أن يكون موضع اهتمام أو موضوع كتابة. وسيلاحظ القارئ أننا كشفناه للقيادة الحزبية مبكرا؛ لكنه كان يستغل وضعه بالمكتب السياسي السابق، ليعيث فسادا في الحزب وتنظيماته بالجهة، مستغلا نفوذه كرئيس جهة. وهو المنصب الذي كان يساوم به المكتب السياسي السابق؛ وكثيرا ما كان يهدد بالاستقالة حين يشعر بتهديد وضعه الاعتباري داخل الحزب.

فمن أجل التحكم في التنظيمات المحلية وضمان تبعيتها وولائها له، كان يعتمد على أسلوب القطيع والتآمر. لقد كان يتآمر على الأشخاص الذين لا يضمن ولاءهم لإبعادهم عن التنظيم. وإذا لم يستطع إبعادهم بالديمقراطية الشكلية التي كان يعتمد فيها على التجييش (دون أن يظهر في الصورة)، فإنه يلجأ إلى نصب المحاكمات “التنظيمية” التي تنتهي بالطرد، كما حصل، مثلا، مع الكاتب الإقليمي لخنيفرة في سنة 2009، إذا لم تخني الذاكرة؛ ومنذ ذلك الحين واخنيفرة بدون كتابة إقليمية. ورغم الدينامية التي عرفها الحزب بعد المؤتمر الوطني التاسع، فإن إقليم اخنيفرة بقي من الأقاليم القليلة التي لم تعقد مؤتمراتها.

وليس لا من المستبعد ولا من المستغرب، أن يرحِّل “اشباعتو” معه “شعبه” إلى حيث رحل سياسيا (وهذا لا ينسحب على إقليم ميدلت فقط، بل على كل أقاليم الجهة القديمة)؛ ذلك أن الرجل لم يكن يهمه من التنظيم سوى صناعة الأتباع والأقزام وكل أنواع الإماعات. وكان رحيله متوقعا حين خسر، مع القيادة الحالية للاتحاد، رئاسة إحدى اللجان البرلمانية؛ وهو لا يقبل أن يكون بدون سلطة. وقد زاد من حدة هذا التوقع تفتيت جهة مكناس

– تافيلالت وإلحاق إقليم ميدلت بجهة جديدة، لن يراهن فيها على الحزب للظفر برئاسة الجهة.
لن نغالط أنفسنا ونغالط الغير، فنغامر بالقول بأن رحيله سيكون دون تأثير؛ لكنه غمة تنظيمية وانزاحت. ويبقى الرهان على المناضلين الحقيقيين لبناء تنظيمات المستقبل بالاستفادة من درس”اشباعتو” وزبنائه. وإذا كنا قد خسرنا المعركة معه، فإننا لم نخسر الحرب. والتاريخ بيننا !!!