-1-

 كثر الكلام في الخطاب العربي المعاصر، عن “العقل” والعقلنة”، والسلوك العقلاني، و”التعقل”  و” التعقيل”

 ماذا نعني، بالعقل؟ الحق أن تعريف العقل من أشد الأمور عسرا، ومما لا شك فيه أن مفهوم العقل مركب ومتشعب، متعدد الوجوه، والمضامين، (ذكاء ومعرفة، ونوازع، ومشاعر،  وإدراك بالحواس، واستنباطات  رياضية…).

 يميز الفلاسفة الإنسان بأنه “حيوان ـ عاقل”، وهذا الجانب، يتمثل:

 1 ـ في أن الإنسان يستخلص خبرته الحسية، في تصورات يكون كل تصور منها، دالا على نوع من أنواع الأشياء، ويطلق على هذه التصورات اسم “المعاني الكلية”.

2 ـ ربط التصورات الذهنية، في قضايا تدخلها بعضها في بعض أو تفصلها بعضها عن بعض … 

3 _استدلال قضايا جديدة من قضايا معلومة، وفقا لقوانين الفكر الثلاثة: قانون الذاتية الذي بمقتضاه، يظل الشيء المعني محتفظا، بذاتيته، وإن تعددت السياقات التي يرد فيها…

 ثم قانون عدم التناقض الذي بمقتضاه لا يجتمع النقيضان في لحظة واحدة.

 القانون الثالث هو الذي بمقتضاه أن الشيء أما يتصف بصفة أو بنقيضها…(1)

إن مجموع هذه المقولات، والقوانين، هي التي تميز الإنسان بأنه من الكائنات الحية العاقلة.

ويقول الفيلسوف كانط  بهذا الصدد، بأن قوام العقل مبادئ أولية ومقولات فطرية..

 إن نعت الإنسان بأنه كائن عاقل، بمعنى أن إدراكه للعالم من حوله، لا يقتصر على مجرد انطباع حواسه بألوان وأصوات. وما إليها، بل هو إدراك لابد له، من شيء أخر، وراء هذه المحسوسات لينظمها، ويرتبها، ويصل بينها، بحيث تصبح معرفة علمية معقولة.(2)

ويرى أبو نصر الفارابي، بأن نفس الحيوان الناطق، تشتمل على أربع قوى: القوة الناطقة، والقوة النزوعية، والقوة المتخيلة، والقوة الحساسة .

 فالقوة الناطقة هي التي بها يجوز للإنسان العلوم والصناعة وبها يميز بين الجميل، والقبيح، من الأفعال، والأخلاق، وبها يدرك النافع، والضار…

 والناطقة منها نظرية، وعملية.

– النزوعية أي طلب الإنسان الشيء أو رفضه..

– والمتخيلة تحفظ رسوم المحسوسات، وتركب بعضها إلى بعض أو تفصلها عن بعض.

 أما القوة الحساسة فهي التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس،ويشرح الفارابي معنى العقل فيقول: أن اسم العقل يقال على أشياء كثيرة. الأول قول الجمهور عن الإنسان بأنه عاقل والثانية ما يردده المتكلمون حين يقولون، هذا ما يوحيه  العقل أو ينفيه العقل.

أما ما يعنيه الجمهور بالعاقل، من كان فاضلا جيد الروية في استنباط ما ينبغي، أن يؤثر  من خير أو يتجنب من شر.

 أما العقل الذي يذكره ارسطو، في كتابه البرهان، إنما يعني به قوة النفس، التي بها يحصل للإنسان اليقين بالمقدمات الكلية الصادقة، الضرورية، لا عن قياس أو فكر، بل بالفطرة والطبع  وتلك المقدمات هي مبادئ العلوم النظرية..

 ثم جعل العقل على أربعة أنحاء: عقل بالقوة، وعقل بالفعل، وعقل مستفاد، وعقل فعال.(3)

ويرى ابن حزم أن العقل مخلوق محدث، وهو قوة من قوى النفس ولا مناص من ربط العقل بالمعقول، والمعقول باللامعقول، في كل قضية. ومن ثم فإن كل الحكم على العقل هو أيضا حكم على اللامعقول، فلا فهم بدون حكم، ولا حكم بدون تمييز، والتمييز هو تحديد الفرق، داخل وخارج المسألة. فالصفات، والتمييز من صفات العالم المعقول.

 العقل ينتج معقولات  أي أفكارا، مستندا إلى مبادئ سرمدية وفطرية، تتصف بالكلية وتسلم بها العقول وتحكم كل الأشياء ، ولهذا عرفت المبادئ بأنها الحقائق البينة، والضرورية التي تؤلف فكرنا العقلي..(4).

و يرى ابن القيم بأن العقل آلة العلم، وميزانه الذي به يعرف صحيحه، من سقيمه، وراجحه، من مرجوحه، والمرآة التي يعرف بها الحسن والقبيح، والعقل مربي العلم، وسائسه..

وللعقل عند ابن القيم معان ثلاث:

–         العقل بمعنى الضبط والإمساك والحفظ

–         القوة الغريزية التي بها يمارس الإنسان التفكير وسائر العمليات الذهنية.

–   العقل بمعنى القدرة العقلية المكتسبة، وسماه “العقل المكتسب ” وهو عبارة عن مجموعة  القدرات تؤدى وظائفها بالجانب الذهني، والفكري في حياة الإنسان.. لها جانب غريزي فطري، بواسطته يكون الإنسان، مستعدا لعقل ما حوله، من المعارف، والصور والموجودات..

فإذا نمت هذه القدرات ازداد وهجها وفعاليتها بفعل ما تلقاه الإنسان، من معارف، وعلوم وما يحصله، من خبرات وتجارب في حياته.(5)

أما ابن رشد فقد ربط بين العقل أو التعقل، ومعرفة السبب، أي إدراك الموجودات بأسبابها ويقول بهذا الصدد بأنه من رفع الأسباب، فقد رفع العقل.(6)

وشدد ابن خلدون على محدودية العقل، وحاجيته الملحة إلى مصادر للمعرفة أعلى منه…

 ويصف محمد عابد  الجابري العقل بأنه جملة المبادئ، والقواعد التي تقدمها الثقافة للمنتمين كأساس لأكتساب المعرفة ..

و يرى طه عبد الرحمن بأن العقل المجرد، عبارة عن الفعل الذي يطلع على وجه من وجوه شيء  ما معتقدا في صدق هذا الفعل مستندا في هذا التصديق إلى دليل معين..

وقوة العقل المجرد تسمى لبا(لب كل شيء خلاصته) فالعقل إذن لا يعدو آن يكون فعلا  ، من الأفعال أو سلوكا من السلوكات  التي يطلع بها الإنسان، على الأشياء في نفسه وفي أفقه مثله في ذلك، مثل البصر للمبصرات، فالبصر ليس جوهر، مستقلا بنفسه وإنما هو فعل معلول، للعين، وكذلك العقل فهو فعل معلول لذات حقيقية ألا وهي القلب. (7)

 إن أهمية ماهية العقل تتجلى في وظيفتها: (الشعور والإحساس، والظن، والتعقل، والأبصار، والإدراك، واليقين.. )

فالعقل عند المسلمين وجمهور العقلاء كما يقول  ابن تيمية إنما هو صفة، وقد اتخذ العقل بمعنى (فعل القلب) 

*   صورة الربط بمعنى أن العقل هو إدراك القلب للعلاقة بين معلومتين.

*    صورة الكف بمعنى أن العقل يمنع صاحبه، من الوقوع فريسة الشهوات، والأهواء.

*    صورة الضبط بمعنى إمساك القلب لما يصل إليه حتى لا ينفلت منه. (8)

فالعقل عند بعض علماء المسلمين غريزة بمعنى أنه قوة او ملكة أكثر من اعتبارها ذاتا أو جوهرا.

 فوقع بينهم تأرجح بين هذين المعنيين، فتارة، يحملون العقل على معنى الفعل المحصل للعلم، وتارة يجمعون بين هذين المعنيين  المتعارضين على اعتبار انهما المعنيان اللذان يتقاسمان مدلول العقل.

إن اجتماع معنيين أحدهما أصيل، والآخر دخيل في تحديد لفظ . ” العقل” ظاهرة، من الظواهر الثقافية التي أتصف بها الفكر الإسلامي العربي. . إذ يجري على أكثر المصطلحات والمقولات العربية. (9)

وقد حصل اجتهاد، من لدن بعض مفكري الإسلام مثل المتكلمين والأصوليين لمحو   أثاره، وذلك بالتوسل بآليات منهجية، خاصة مثل “إدخال تمييزات جديدة” وحذف بعض السمات الدلالية، كما رأينا في لفظ العقل، فبدل  أن يوظف بوصف ” الموجود المستقل” أخذا بالمعنى الأجنبي، فإنه وصف ب”القوة الغريزية” هذه القوة التي لا تستقل بنفسها استقلال “الجوهر” وفي هذا الوصف بعدم الاستقلال، يقوم تقريب المعنى الأجنبي للعقل من المعنى المتداول وعلى الرغم من خصوبة، وثراء التفاعلات بين المعاني اللغوية الأصلية، والمعاني الاصطلاحية الأجنبية بأساليب التقريب التداولي، التجديدية، التي تنطوي عليها هذه التفاعلات، بين المعاني اللغوية الأصلية، والمعاني الاصطلاحية الأجنبية فإن المتفلسفة، وعلى رأسهم ابن رشد، لم يقبلوا  بأساليب التقريب التداولي، التجديدية، آلة تنطوي عليها هذه التفاعلات، وأبوا إلا أن يحافظوا على المعنى الأجنبي على وجهه الأتم إلى جانب  المعنى الأصلي، قائلين بمبدأ ازدواجية الحقيقة (ثنائية الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية) (10)

يميز باسكال (Blaise Pascal) بين نوعين من العقول:

ـ العقل الهندسي ويقول بأن له مبادئ ملموسة، ولكنها بعيدة عن الإستعمال العادي ولكنها متى تم الالتفات إليها، فإن المبادئ تكون واضحة كاملة. ولابد أن يكون العقل زائفا إن كان لا يقدر على البرهنة، ابتداء من المبادئ الكبيرة إلى حد أنه من المستحيل أن يعقلها.

 ـ أما العقل اللطيف (l’esprit de finesse) فإن المبادئ موجودة في الاستعمال العادي وماثلة أمام أعين جميع الناس، ولابد أن يرى كل المبادئ، وأن يكون مستقيم العقل حتى لا تبرهن برهنة زائفة ابتداء من مبادئ معلومة.

يضع ” القلب le cœur ” في مقابل العقل  la raison)) ومعرفة الحقيقة عن طريق الاستنباط (l’intuition) الأمر الذي قد يعجز التعقل(raisonnement). (11)

-2-

يرى ديكارت بأنه تم أفكاره فطرية Idées innées ويقول بصددها “يكفي أن أوجه انتباهي، كي أدرك . ما لا نهاية له، من الخصائص المتعلقة بالإعداد والأشكال، والحركات، وأشياء أخرى متشابهة  تظهر حقيقتها بينة…، أي أنني أدرك أشياء كانت من قبل في عقلي.. (12)

وقد وردت كلمة فطرة في فتاوي ابن تيمية في أكثر من موضع بصيغ مختلفة، منها صحيح الفطرة، والفطرة السليمة النقية وفطرة الله، والحال الفطري، ومقتضى الفطرة، وعلوم الفطرة، والعلم الفطري، والفطرة العقلية، والفطرة البديهية، و المعرفة الفطرية…(13)

 وجملة القول أن الإنسان تفرد في هذا الكون بطبيعته، وتركيبه وفي وظيفته، وغاية وجوده، وفي مآله ومصير.

 ويرى جوليان هكسلي بأن أول خصائص الإنسان الفذة ، وأعظمها وضوحا قدرته على التفكير التصوري.

 ويضيف بأن ارتقاء الإنسان الحيواني إلى درجة، كائن مفكر شاعر بوجوده، هو خطوة أعظم، من أن تتم، عن طريق التطور المادي ودون قصد ابتداعي، لقد  بلغنا، من التقدم، درجة تكفي، لأن نوقن، بأن الله قد منح الإنسان قبسا من نور. (14)

فالنفس مستعدة  بالفطرة لأن يفيض عليها نور العقل الفطري المستفادة من العقل الفعال المفيض لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية ..

ويقرر الأمام الغزالي بهذا الخصوص أن العقل، قليل الغناء، لا يكاد يتوصل إلا إلى كليات الشيء، دون جزئياته، نحو أن نعلم جملة حسن اعتقاد الحق و قول الصدق وتعاطي الجميل و استعمال المعد له، وملازمة العفة، ونحو ذلك، من غير أن نعرف ذلك الشيء ..

والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء ، شيء، وما الذي، هو معدلة في شيء، شيء. وعلى الجملة فالعقل لا يهتدى إلا بتفاصيل الشرعيات.. والشرع تارة يأتي بتقريرما استقر عليه العقل، وتارة بتنبيه العاقل، و ازهار الدليل حتى يتنبه لحقائق المعرفة ..

فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة، والأقوال المستقيمة، والدال على مصالح الدنيا و الآخرة، ومن عدل فيه فقد ضل سواء السبيل.. (15) 

فغاية الإمام الغزالي الوصول إلى الحقيقة، فالعلم يجب أن يوصل إلى حقائق يقينية، خالصة..

وتعرف  الحقيقة، بأنها مطابقة الفكر للأشياء .. و،تأسيسا على ذلك فإن الحقيقة هي تطابق الشيء والعقل.

 وتنقسم الحقيقة إلى نوعين، بحسب نظرنا إلى الفكر أو إلى  الشيء .. 

ـ الحقيقة المنطقية، وتعرف، بانها تطابق الفكر مع الشيء :  (فإذا  تطابقت رواية حادث، مع الواقع/ كانت حقيقية).

ـ الحقيقة الوجودية وتعرف بأنها تطابق الشيء مع الفكر المعياري الذي يحكم عليها أي تطابق الشيء مع العقل (مع معايير العقل)

 وتعنى الحقيقة  في اليونانية الكشف عن ما هو مستور  أو مختفي محجوب…

 ويميز “هيدجر، بين الحقيقة الوجودية، أي الحقيقة كما تنكشف، للشعور..

 وهناك  الحقيقة المادية Vérité matérielle، والحقيقة الصورية Vérité Formelle    فالحقيقة المادية تطابق الفكر أو القول مع الموضوع أما الحقيقة الصورية، فهي تطابق الفكر مع نفسه أي خلوه، من التناقض (ربط المقدمات بالنتائج).

ونقيض الحقيقة الخطأ (l’erreur) أي عدم التطابق بين الفكر، والأشياء..

من أسباب الخطأ عدم استقصاء الأوجه المختلفة للظاهرة أو الحادث أو المسألة.

 ويرى أمبينوزا أن الخطأ يتجلى في عدم المعرفة الذي تشمله  الأفكار غير المتطابقة، أي المشهورة، والمختلطة …

أما الفيلسوف جون ديوى (1859-1952) فيرى بأن الإنسان يفكر إبتغاء أن يعيش، ويقول بأن الإنسان، لا يفكر إلا إذا كانت لديه.مشكلة، يحاول التغلب عليها ، فالحاجة إلى حل مشكلة، هي العامل المرشد، دائما في عملية التفكير.. فالأفكار هي أدوات تنجز بها، بعض النتائج، المرقوب فيها، إنها تساعدنا، على أن نعمل  شيءا أو نفعل على وجه أفضل ..(16)

ـ إن الفكرة تتحدد، بوظيفتها، وفائدتها، مما يساعد على تكوين الحكم، وعلى الاستنتاج، بواسطة، استباق حل ممكن .

أما بالنسبة إلى الشعور، فالحقيقة، هي عدم التناقض، في الفكر المنطقي (التصوري) .

 وبالنسبة إلى العقل، فالحقيقة، هي الإقناع الذي توحي به الأفكار….(17)

الفيلسوف كارل يسبير (K.Jaspers) يميز بين الحقيقة الفلسفية والحقيقية العلمية، ويقول بأن الحقيقة الفلسفية مطلقة والحقيقة العلمية نسبية، لأنها مرتبطة بمناهج وفروض.

 إن العقل بوصفه ملكة الإدراك المنطقي وأداة المعرفة التي توصل إلى الحقيقة بمعنى كشف المحجوب وإزالة الغطاء فالعقل إذن يقوم بالربط بين الأفكار، وفقا لمبادئ كلية ومن هنا يمكن أن نحدد العقلنة بأنها قوانين الفكر الضرورية الكلية، مما يترتب عنه الانسجام بين الحقيقة الموضوعية، والأفكار الذاتية، الأمر الذي يحيل إلى نظام الأشياء، ويطرح مسألة الثابت والمتحول

 وقد ميز الفيلسوف لالاند في هذا السياق (André la lande)، بين العقل المتكون  (raison constituée ) و العقل المكون (raison constituante)

الأول متغير، أما العقل المكون: فيكون من حقائق مكتسبة ومقولات، وتصورات كرسها الاستعمال: قيم مقبولة بالاشتراك قواعد فكر، قواعد سلوك، وقواعد للحكم الجمالي العقل المتكون  يضع نفسه في خدمة الغايات الفردية. أما العقل المكون فيحول دون النزوع الأناني.. (18)

أما ابن رشد فقد أوكل للعقل بصفة عامة ثلاث مهمات: وظيفة علمية يقوم بها العقل النظري. ووظيفة  ميتافيزيقية يقوم بها العقل المستفاد (بعض الفلاسفة والعلماء) ووظيفة عملية يقوم بها العقل العملي، وموضوعها الحياة المدنية، وهو عقل مدني، ومشترك بين جميع الناس، اشتراك، متفاوتا. (19)

 ويرى ابن رشد بأن كمال الإنسان المدني هو نتيجة لكماله العقلي، وأن تظافر الكمالات (الوظائف) لخدمة الكمال الأعلى هو التدبير العقلي السليم.

 ولعل أهم وظيفة للعقل أنه جعل الإنسان، يعرف ذاته عندما يدرك العالم، ويفقد وجوده عندما يتوقف أو يعجز عن إدراك العالم أو الكون..

 فالعقل أداة للإنتاج المعرفة التي تكشف الحقائق، وتوصل إلى اليقين المستمد من نور الحقائق السرمدية . (idées éternelles)

-3-

أهتم علماء الإسلام  بمسألة العقل من زوايا مختلفة، ومناهج متباينة وقد أقروا، بأن العقل ما هو إلى غريزة، وليس كما يقول الفلاسفة جوهرا، مدرك للأشياء، بحقيقتها.

 ويقول الفارابي بأن فعل العقل العناية بالحيوان الناطق والتماس تبلغه، اقصى مراتب الكمال..

و يتولا العقل الغريزي عند علماء الإسلام السلطتين التدبرية و التدبيرية ويقوم بوظيفة التعقل والإدراك، والتمييز بين الأمور، ويقول ابن تيمنة بأن سبب خطأ الفلاسفة يعود إلى لفظ العقل” الذي هو في اللغة العربية مصدر عقل، يعقل عقلا، ومنه عقال البعير أي حبسه حتى لا يشرد، وعقلت الكلام حبسته في صدرك، وحصلته في قلبك..

والعقل إذن هو الغريزة التي يعقل بها الإنسان، بمعنى الضبط والإمساك، والحفظ: “ضبط ما وصل إلى القلب وأمسكه، حتى لا ينفلت منه”.

ومن هذا المعنى ترتبت مستويات الإدراك الخمسة، وهي الشعور والفهم والمعرفة، والعلم  والعقل .

وليست السلطة الإدراكية، و التدبيرية للعقل مطلقة، مثلما يرى الفلاسفة  الإغريق..

 ضمن هذا السياق يرى رضوان السيد بأنه ترتبت على مقدمات التعريف، نظرية في المعرفة (عند الحارث المحاسبي) ورؤية في علائق العقل بالنص، من جهة، والعقيدة، والتشريع من جهة أخرى.

ففي فصل مسألة في العقل يقول المحاسبي: “الحجة حجتان، عيان ظاهر وخبر قاهر، والعقل مضمن بالدليل، والدليل مضمن بالعقل، والعقل هو المستدل والعيان، والخبر هما علة، والاستدلال وأصله. ومحال كون الفرع مع عدم الأصل ، والاستدلال مع عدم الدليل فالعيان شاهد يدل على غيب ، والخبر يدل على صدق، فمن تناول الفرع قبل أحكام الأصل سفه و ُسفه..

 هناك إذن مصدران للمعرفة عند المحاسبي: (العيان المدرك بالحواس والخبر المنزل من الله، والعقل هو الذي يوازن ويقايس ويتوصل إلى طريق التفكر والإعتبار، إلى الحكم الصحيح الناجم عن هذا الاعتبار.

 والعقل من طريق التفكر والاعتبار هو الذي يضم الكونين، في سياق  واحد تتناول الناحيتين، ناحية التصرفات الدنيوية وناحية التشريعات الإلهية”. (20)

 ويقول الإمام الغزالي: بالعقول تنال سعادة الدنيا والآخرة وأما شرف العلم والعقل فمدرك بضرورة العقل والشرع والحس..

ويرى الأستاذ العقاد، بان من مزايا القرآن الكريم الكثيرة مزية واضحة هي مزية التنويه بالعقل، والتعويل عليه في  أمر العقيدة، وأمر التبعة والتكليف.

وتأتي الإشارة إلى العقل في كل موضع جازمة باللفظ والدلالة وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي، الذي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله و يلام فيها المنكر على إهمال عقله، وقبول الحجر عليه، والإشارة إلى العقل تشمل كل معانيه، التي شرحها أصحاب العلوم الحديثة، كما تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها، وخصائصها فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع، ولا في العقل المدرك ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح ..

ويعم الخطاب القرآني في كل ما يتسع له الذهن الإنساني،مما يمكن أنيحيط به العقل الوازع والعقلالمدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة بين الحكم على  المعاني والأشياء..(21)

فالعقل في مدلوله العام ملكه يناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع عن المحظور، والمنكر ومن خصائص العقل ملكة الإدراك، التي يناط بها الفهم،والتصور ورغم كونها لازمة لأدراك الوازع الأخلاقي، وأسبابه، وعواقبه تستقل بإدراك الأمور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهي أو الحسنات والسيئات.

ومن خصائص العقل التأمل فيما يدركه ويقبله على وجوهه ويستخرج منه بواطنه، وأسراره، و يبني عليها نتائجه، وأحكامه وهذه الخصائص في جملتها، تجمعها ملكة الحكم و تتصل  به ملكة الحكمة.

و أعلى خصائص العقل الإنساني الرشد و هو مقابل تمام التكوين في العقل الرشيد ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع و العقل المدرك  و العقل الحكيم لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف  و عليها مز يد من النضج و التمام التمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص و لا اختلال.. (22)

و فريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من وظائف بجميع خصائصها و مدلولاتها.

فهو يخاطب العقل الوازع و العقل المدرك و العقل الحكيم و العقل الرشيد..(23).

العقل المدرك هو الذي يقوم به الفهم و الوعي و هما اعم و أعمق من مجرد الإدراك و اللب هو العقل المدرك  الفاهم لأنه معدن الإدراك و الفهم في ذهن الإنسان.

أما العقل الذي يفكر و يستخلص من تفكيره أي زبدة الرأي و الرواية ( فهو الفكر و النظر و التدبر و الاعتبار و الذكر  و العلم…) و سائر هذه الكلمات التي تتفق في المدلول ، و لكنها لا تستفاد من كلمة واحدة تغني عن سائر الكلمات الأخرى.(24)

إن طريق الوصول إلى الحق ليس واحدا، وإنما طرق شتى، لاحد لها لان الحق هو نفسه، ليس ثابتا،بل أصله أن يتغير، ويتجدد وما كان متجددا، فلا بد ان يكون الطريق الموصل إليه متعدد..

ومن هذا المنطلق فإن الحوار يسهم في توسيع  العقل وتعميق مداركه،باعتباره بمنزلة نظر، من جانبين اثنين..

فمعلوم أن العقل يتقلب، بتقلب النظر، في الأشياء، وأنه على قدر تقلبه، يكون توسعه،وتعمقه،ومن ثم فإن العقل الذي لا يتقلب ليس بالعقل الحي على الإطلاق.(25)

وإذا كان الحوار هو حياة العقل ،فلا بد من التمرس،على آداب الحوار والممارسة الحوارية..

أن الذي يخل بآداب الحوار يميت في نفسه العقلانية النافعة فيحرم نفسه، من إمكانية تصحيح آرائه،وتوسيع مداركه، فيضيق نطاق علقه، ويتسع،نطاق هواه، وحينئذ، لا ينفعه علمه بل يضره. إنه يميت في نفسه و في غيره روح الجماعة الصالحة القائمة على الشوري بين أفرادها.(26)

ومن يمت هذه الروح يسد المسالك التي تنقل اليه المقومات التي تقوم الأفعال،وتهذب الإخلاق.

إننا نحتاج إلى الروح العقلانية النافعة،والروح الجماعية الصالحة اللتين تورثهاالممارسة الحوارية الحاصلة على شرائطها المعلومة.

يجب إذن أن نضع خطة دقيقة،وشاملة،توفر للمجتمع،تكوينا،متينا في منهجيات الحوار وأخلاقياته.(27)  و علينا أن نتعود على التفكير الشامل أي النظر الشامل، بجميع القضايا أو الفضائل..، لا ن التفكير الشامل هو الذي يحيط بكل العناصر الروحية، والاجتماعية والاقتصادية، والسياسية  فلا بد، لتحقيق، المثل الأعلى من الانسجام،الكامل لمجموع تلك العناصر. (28)

إن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق وإن التنويه بالعقل على اختلاف خصائصه، لم يأت،في القران الكريم عرضا، ولا تردد فيه من قبل التكرار المعاد، بل كان هذا التنويه نتيجة، منتظرة، يستلزمها لباب هذا الدين وجوهره…الذي يخاطب الإنسان العاقل، حرا طليقا من كل سلطان يحول بينه وبين الفهم القويم والتفكير السليم..

ويطلب ، من العقل،أن يبلغ،وسعه من الحكمة والرشاد.. (29)

وصفوة القول فإن الإسلام يأمر العقل باستقلال النظر لان من لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال..

فالعقل في شريعة الإسلام عقل يبتغي الحقيقة، حيث كانت، ولا يحجم عن المعرفة، حيث أصابها، ولا يقيم ،فوقه أو بين يديه بابا مغلقا،دون قبس، من نور، يريه، ما لم يكن رآه أو يزيده بصيرة  بما رآه(30).

-4-

إن النظر العقلي لا يكون بغير منطق وبالتالي فكل مجال يمارس فيه العقل يحتاج إلى منطق والمنطق علم يجمع بين الأصول والقواعد التي يستعان بها على تصحيح النظر و التمييز وقد سماه الفارابي “بمعيار العقل و عبر عنه إبن سينا” بالعلم الالي” وسماه الغزالي” بمعيار العلم” وعبر عنه السهرودي ب” ضابط الفكر” وذكره الشيرازي باسم “القسطاس-الميزان- الإدراكي وهو أيضا فن التفكير وعلم قوانين الاستدلال(31). فهو جملة من الآليات الاصطناعية،التي تفيد في الترتيب، والتركيب والتنظير(32).

المنطق من حيث هوعلم ، باعتباره بحثا في القواعد الكلية النظرية في التفكير الصحيح،ومن حيث أن المنطق يستعمل القوانين المذكورة يعتبر فنا.

ويرى ابن رشد بأن أتم أنواع النظر العقلي هو المسمى بالبرهان.. فالصواب عنده هو ما يفضي به العقل والنظر العقلي والبرهان العقلي… لان الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد عليه.(33)

إن المتفلسفة اللاتين في القرن الثالث عشر الميلادي اشتهروا بخروجهم على الفلسفة اللاهوتية للكنسية، وقد استندوا في ذلك إلى بعض مقولات ابن رشد..

وقد اعتمدوا على ضربين من المبادئ: مبادئ مادية تصادم الفلسفة اللاهوتية المقررة، وتخالف ما تقرر في المجتمع المسيحي، من معتقدات دينية،منها القول بوحدة العقل والقول بقدم العالم وإنكار العناية الإلهية، وإنكار الحرية، وإنكار خلود النفس و إنكار المعجزات ..

ومبادئ منهجية تفضي إلى القول بتكافؤ الحقيقتين،الدينية والحقيقة العلمية.

وواضح أن القول بهذا التكافؤ،أن العمل، بإحدى الحقيقتين يغني عن العمل، بالأخرى، فصار الرشديون اللاتين إلى الاستغناء بالفلسفة الأرسطية عن اللاهوت المسيحي..

إن روح الرشدية” اللاتينية” التي تنبني على الفصل التام بين الدين والفلسفة استمر إلى غاية القرن السابع عشر،ممهدة على التدريج لظاهرة التحلل من الدين التي انتشرت بين أصحاب عصر التنوير وتواصل تأثيرها، وانتقل الى المحدثين.

فلا عجب إذن أن ينصب ابن رشد إماما للعقلانيين والحداثيين..(34)

ويرى ابن رشد بأن الفلسفة باعتبارها،مرادفة للعقل هي نظر في الأسباب وأن الطبيعة هي نظام من الأسباب، والقول بأن الطبيعة قادرة على الفعل والتأثير،دليل على ان هناك سببية سارية فيها، وأن ظواهرها لم تعد  مستغلقة، بل صارت قابلة للفهم، والتعديل، والتوقع والتدخل.(35)

فالحركة انتقال من القوة إلى العقل أو من المادة إلى الصورة، ومن العدم إلى الوجود.

والنفس عبارة عن مجموعة من الأفعال والوظائف البيولوجية والسلوكية،والإدراكية ويوجد العقل على رأس وظائف النفس الذي يعتبر الكمال الحقيقي للنفس البشرية أي الفعل الذي يميز الإنسان عن غيره من الحيوانات..

ويحظى البرهان عند ابن رشد بمكانة كبيرة،باعتباره أهم آلية  للعقل لأنه يفضي الى المعرفة اليقينية..(36)

وتعتبر نظرية البرهان أحد لوازم نظر العقل المعرفية، وللمعرفة مصدرين أحدهما أصلي، والآخر فرعي، أما الأصلي فهو الفكر الطبيعي الذي هو فكر فطري صحيح لا غنى للإنسان عنه، وأما المصدر الفرعي فهو البرهان المنطقي الذي هو بمثابة القالب الصناعي ننزله على هذا الفكر، لنجعله علما موضوعيا.(37)

وشروط النظر العقلي الإحاطة بعلم النظر، وحس إراد البرهان وإجراء القياس لان الأفكار تتحدد بوظيفتها، و فائدتها..، وبالنسبة إلى العقل فالحقيقة هي الإقناع الذي توحي به الأفكار..، إن إدراك الحقيقة، يقوم أساسا على التمييز أي القدرة على الإدراك والتعقل..

 والأقيسة البرهانية، تقوم على مبدأ أولي من مبادئ العقل أي على مبدأ يقيني بذاته، نستخلص منه، سلسلة من الأقيسة..

والعقول البرهانية أو الفلاسفة وحدهم هم قادرون بفضل استعدادهم الخاص )بفضل التربية،والمران( على اكتشاف البراهين ومتابعتها خلال تلافيفها، وتعقيداتها..،وتتكون الفلسفة من هذه الشبكة من البراهين ..

وهؤلاء البرهانيون وحدهم الذين يستطيعون،إدراك المعنى الباطني للنصوص الدينية، التي لها باطن وظاهر. (38)

وميز ابن رشد بين ثلاث فئات من الاستدلالات:

-الأدلة البرهانية العقلية.

-الأدلة الجدلية الكلامية.

-الأدلة الخطابية.

وعلماء الكلام عند ابن رشد يتوسطون، فئة الفلاسفة أصحاب الاستدلالات البرهانية، والعامة أي عامة الناس، أصحاب الاستدلالات الخطابية،اذ هم أصحاب الاستدلالات الجدلية.

العامة يأخذون النصوص بمعناها الحرفي، دون ان يلحظوا أي تناقض بينها وبين العقل،أما علماء الكلام، في استطاعتهم إدراك المتناقضات، إلا أنهم عاجزون عن إدراك الحل البرهاني.

فهم لا يتفقون فيما بينهم نظرا لعدم اعتمادهم على مقياس ثابث هو البرهان..

 يقول ابن رشد في فصل المقال إن طباع الناس متفاضلة في التصديق، فمنهم، من يصدق بالبرهان ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية،تصديق صاحب البرهان بالبرهان إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك ومنهم من يصدق بالأقوال الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية(39).

 فوسيلة ابن رشد للتوفيق بين الشريعة والفلسفة،كانت التأويل المجازي وسيلة يلجأ اليها المفكر عندما يجد تعارضا بين نص ديني وحقيقة عقلية،فيحاول أن يفسر النص أو يؤوله بحيث يتفق هذا المعنى الذي أعطاه له والحقيقة العقلية التي سبق التوصل إليها.

يقول ابن رشد بهذا الصدد “معنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة  المجازية، من غير أن يختل في ذلك بعادة لسان العرب، في التجوز من تسمية الشيء بشبيهة أو سببه أو لاحقة أو مقارنه او غير ذلك، من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازى.(40) والسبب في أن الشرع انقسم إلى ظاهر وباطن أن الظاهر هو تلك الأمثال الضرورية لتلك المعاني، و الباطن هو تلك المعاني، التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان.(41)

فما من منطوق به في الشرع حسب ابن رشد مخالف في ظاهره لما أدى اليه البرهان…

والسبب في ورود الشرع، فيه الظاهر، والباطن، هو اختلاف نظر الناس، وتباين قرائحهم، في التصديق،أما سبب ورود الظواهر المتعارضة هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها. (42) تتفق الفلسفة والدين في نظر ابن رشد، من حيث الموضوع،فكلاهما يبحث في الله والكون والحياة، ولكنهما يختلفان، من حيث منهج المعرفة، ويرى غوتي Gauthier بأن الفلسفة الإسلامية ذات طبيعة مختلفة تماما عن العقيدة فالعقيدة ذات طبيعة خيالية وبرجماتية،أما الفلسفة فهي وحدها تمثل الحقيقة النظرية التي تمثل العقيدة التعبير الرمزي لها.(43)

الفلسفة لذة عقلية،وهي كذلك كانت مطلبا، يستمد القوة من قوة الأشواق العقلية،وقوة المساعي السياسية،وقوة الإيمان بالدين..

وكان أفلاطون يميز بين موجودات الحس  والموجودات “المعقولة التي تتمثل للعقل، ولا تتمثل للإحساس، فكل ما يقع عليه الحس فهو في رأي أفلاطون وهم باطل أو محاكاة للحقيقة الخفية أو محاولة لإبراز معنى من المعاني المستورة…

هذه الحقائق المعنوية التي تسمى المثل وتعرف عند المناطقة بالكليات وتقابلها الجزئيات.

والعقل المجرد الذي يدرك الحقائق ارفع قدرا من الفهم الذي يدرك المعلومات الملابسة للأجساد.(44)

إن موضوع الفلسفة هو” الوجود” ومسائله،الأبدية، وهذه شيء ومعارف الناس عن الموجودات المتعددة شيء آخر.  فمسائل الوجود الأبدية باقية، بعد مسائل العلم القديم ومسائل العلم الحديث على السواء، ولا يزال الفلاسفة اليوم، حيث كان فلاسفة الأمس في هذا الموضوع المتجدد. وهم يرجعون الى كثير من حلول الفلسفة القديمة للاستشارة، والقياس عليها(45).

والخلاصة أن الانسان يرتقى ويتميز عن الحيوان،كلما ارتفع بعقله حتى يكون له وعي مميز بالاستقلال عن جميع العوارض الأخرى…

وهذا الارتقاء مضطرد، و لا فجوة فيه، من مصدر التعميم او التخصيص:الارتقاء في الفردية هو الاقتراب من الوحدانية أو من نور محدود الى نور ليس له انتهاء،وهو غاية الغايات. ولابد في مسائل الأبدية، من وفقة في النهاية  ينتهى عندها سبح العقول، لان الإحاطة إنما تكون إحاطة بالمحدود، الذي يقبل إقامة الحدود، والتفريقات، أما السرمدي الذي لا أول له، ولا آخر فلن يقاس على شيء،ولن يقاس شيء عليه(46).

إن العقيدة الدينية هي أقرب الفلسفات إلى المعقول، وليس قصارى الأمر فيها،أنه أمر تصديق،وإيمان. و إذا كان لا بد من وقفة، في تفسير للوجود. فإن وقفة المؤمن أصلح، من وقفات الفلاسفة في النهاية. لان كل ما هو محدود فقط يحيط به القياس أما “الباري” السرمدي الذي لا يحده زمان، ولا مكان، وليس كمثله شيء، وهنا يحسن الوقوف، ليس لان الأمر، عقيدة وكفى..، بل لأنه منطق سليم، ولأنه نهاية شوط، العقول.. (47)

و مما لا شك فيه أن المنهج القويم للعقلانية النافعة هو الذي يقوم على التصور الصحيح و القوة الدافعة في ضمير الانسان ووجدانه تدفعه الى رفع قواعد العمران الحضاري فكرا، و عقيدة و ثقافة و علما و علاقات، و معاملات و سلوكا أخلاقيا..

فلا عقل  و لا تعقل بدون منهج يوازن بين مصادر المعرفة و يحول دون الوقوع في الفوضى العقلية  (l’anarchie mentale).

لقد أدت العقلانية الحديثة  (rationalisme) الى تنميط  العقل و تحويل الافكار الى مذاهب متصارعة، و قولبة العالم في صيغ جاهزة تقضي على التنوع و التعدد و الاختلاف، الأمر الذي سيؤدي حتما الى الارتكاس نحو التحضر الهمجي بفعل  النزعة الالية و التقنوية.

و إذا كانت المعرفة الانسانية هي علاقة بين الشيء الموجود و العقل العارف فإن العقل غير منوط بفهم كل صلة بين الانسان و هذا الكون الذي نشأ منه..، فالوجود أعم و أشمل مما هو معروف و الإنسان خلق ليكون جزءا حيا يتصل به بصلات كثيرة  و العقل صلة واحدة بين تلك الصلات..، فإذا استطاع أن تمتد صلته بالوجود من كل طريق و الى كل غاية فقد باء بأصدق معرفة و ظفر من الكون بأوفى نصيب..

الهوامش

1-د/زكي نجيب محمود –من زاوية فلسفية/دار الشروق ط 1-1979 ص 97

2-نفس المرجع-ص 98

3-د/ عبد الرحمن بدوي-الموسوعة الفلسفية-ج II ص 108 -109

4-المرجع السابق-ص 157

5- د/ سعيد هلاوي-العقل والتفكير السليم عند ابن القيم ط1 طوب بريس –الرباط-2009-ص10

6-تهافت التهافت/ ط3 دار المعارف-1983 ص 521

7-د/ طه عبد الرحمن العمل الديني وتجديد العقل/ ط2 -1997 المركز الثقافي العربي-ص17-18

8- المرجع السابق ص 19

9- المرجع السابق ص19

10- المرجع السابق ص 20

11-عبد الرحمن بدوي الموسوعة الفلسفية –ج II ص355

12-د/ عبد الرحمن بدوي/مدخل جديد إلى الفلسفة/ ط2 -1979/ ص 161.

13-صالح بن طاهر مشوش /علم العمران الخلدوني واثر الرؤية التوحيدية في صياغته 2012-انظر هامش ص 162.

14-سيد قطب الإسلام مشكلات الحضارة /ط 13-2005 / ص43-47

15-د/بهي الدين زيان-الغزالي ولمحات عن الحياة الفكرية الإسلامية سلسلة قادة الفكر في الشرق والغرب رقم 10 مكتبة نهضة مصر ص 72.

16-د/ عبد الرحمن بدوي-مدخل جديد الى الفلسفة ص147-148

17-المرجع السابق،ص150

18-المرجع السابق،ص155

19-د/محمد المصباحي—فلسفة ابن رشد-سيرة أعلام 1 مركز دراسا الوحدة العربية-ط1-2011 /ص 22

20-رضوان السيد/ منهاج المحاسبي في رسالته العقل وفهم القران في العلوم الإسلامية أزمة منهج أم أزمة تنزيل نشر الرابطة المحمدية سلسة ندوات علمية-المملكة المغربية دار أبي رقراق-2011 ص 14.

21-عباس محمود العقاد/ التفكير فريضة إسلامية-دار الهلال ص 5-6.

22-المرجع السابق ص6

23-المرجع السابق،ص7

24-المرجع السابق،ص 11

25د/ طه عبد الرحمن حوارات من أجل المستقبل الشبكة العربية للأبحاث والنشر ط1 -2011 ص 7-8.

26- الرجع السابق ص 10.

27-المرجع السابق ص 10

28- علال الفاسي-النقد الذاتي ص26.

29-العقاد-مرجع سبق ذكره ص 17

30- العقاد المصدر السابق،ص 35.

31-مصطفى طبا طبائي-المفكرون المسلمون في مواجهة المنطق اليوناني ترجمه من الفارسية  عبد الرحيم ملازى البلوشي/دا ابن حزم/ ط1/1999/ص-7

32-د/ طه عبد الرحمن-حوارات من اجل المستقبل-ص63

33-مصطفى طبا طبائي-مرجع سبق ذكره-ص27

34- د/ طه عبد الرحمن-حوارات من أجل المستقبل ص122

35محمد المصباحي فلسفة ابن رشد ص 15

36-المرجع السابق ص 19

37-حوارات من أجل المستقبل-مصدر سبق ذكره ص 134

38-دا زينب محمود الخضيري /اثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى دار التنوير 2007-ص 127.

39-فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال دراسة وتحقيقه د/محمد عمارة دار السلام/ط1 2012-ص 47

40-فصل المقال..ص50

41-اثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى ص 131 .

42- فصل المقال ص51.

43-إثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى-ص 117.

44-عباس محمود العقاد/الشيخ الرئيس ابن سينا /سلسة اقرأ ط2 1967-ص37.

45-نفس المصدر ص113.

46- نفس المصدر ص117

47-نفس المصدر ص 119.