تطلق عبارة “الفتنة الكبرى”، في الاصطلاح العربي الحديث، على الصراعات السياسية/القبلية والمواجهات العسكرية التي أعقبت الثورة على الخليفة الراشدي عثمان بن عفان سنة 35 هجرية والتي استمرت إلى ما سمي بـ “عام الجماعة” عندما تنازل الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية بن أبي سفيان سنة 40 هـ عن حقه في الخلافة. وإذا كانت الصراعات المسلحة لم تنته بهذا التنازل، إذ استمرت الثورات على الأمويين إلى أن سقطت دولتهم سنة 120 هـ، فإن ما ميز عهدهم عن سابقه هو قيام جدل فكري حول قضايا سياسية بمفاهيم دينية (سمي فيما بعد بـ “علم الكلام”)، جدل عقلي لم يسبق له مثيل أدى في نهاية المطاف إلى كسر التطرف القبلي واللامعقول الموظف للدين، مما أفضى إلى قيام كتلة تاريخية بين الفئات والتيارات المختلفة المتواجدة على الساحة، كتلة كانت هي الجسر الذي مر عبره ذلك التحول التاريخي المتمثل في الانتقال من العهد الأموي إلى العصر العباسي، من منطق القبيلة والتكفير الإيديولوجي إلى منطق المعقول الديني والتفكير العقلاني. ويهمنا هنا أن نلقي بعض الضوء على دور “الثقافي” في هذا التحول.

خلال المدة الفاصلة بين قيام الثورة على عثمان وانتصار معاوية لم تطرح أية قضية فكرية تعكس الصراع أو تعبر عنه. كانت مآخذ الثوار على عثمان تتركز على كونه جعل مستشاريه وعماله من قبيلته، بني مروان وأبناء عمهم بني أمية، الذين تصرفوا بمنطق قبلي، فاستأثروا بالحكم وامتيازاته الخ. أما معاوية الذي كان عاملا على الشام والذي خرج على الخليفة الرابع علي بن أبي طالب فلم يرفع سوى شعار واحد : “الثأر لدم عثمان”! أما القضية الفكرية الأولى التي طرحت خلال هذه “الفتنة الكبرى” فقد جاءت على لسان جماعة قاتلت إلى جانب علي بن أبي طالب، ثم خرجت عليه (فسموا خوارج)، احتجاجا على قبوله اقتراح معاوية بـتعيين حكَمَين يمثل أحدهما عليا ويمثل الآخر معاوية لينظرا في الخلاف ويحكما لصاحب الحق. ومع أن هؤلاء الخوارج كانوا ممن أيد فكرة التحكيم بإلحاح فإنهم لما رأوا العملية قد انتهت لصالح معاوية، حمّلوا صاحبهم علي بن أبي طالب مسؤولية ذلك باعتبار أنه قبل أن يحكم البشر في أمر كان محسوما شرعا لصالحه، فهو الرجل الذي تمت له البيعة بدون منازع. ومن هنا رفعوا شعارهم الشهير “لا حكم إلا لله”.

“لا حكم إلا لله”، ذلك هو أول شعار إيديولوجي رفع زمن الفتنة الكبرى. وقد وصف علي بن أبي طالب هذا الشعار بأنه “كلمة حق أريد بها باطل”. قال ذلك لأنه كان يعرف أن الدافع الحقيقي الذي دفعهم إلى ذلك هو من قبيل منطق: “إذا مت ظمآن فلا نزل القطر”. لقد اكتشفوا أن حصر التحكيم في الاختيار بين معاوية وعلي معناه حصر الخلافة في قريش، وهم لم يكونوا من قريش، بل كان معظمهم “أعاريب” من وسط الجزيرة وشرقها.

أما معاوية الذي كان يعرف أنه اغتصب الحكم اغتصابا فقد رفع شعارا آخر دينيا –مظهريا على الأقل- يصدق عليه هو أيضا قول علي: “كلمة حق أريد بها باطل”. لقد خطب معاوية في جنده فقال: “وقد كان من قضاء الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض ولفت بيننا وبين أهل العراق فنحن من الله بمنظر”. وهكذا روج هو وأشياعه ومسايروه من “أهل السنة والجماعة” لفكرة أن ما حدث كان بقضاء الله وقدره. وأكثر من ذلك روجوا أحاديث تعفي معاوية ورجاله من العقاب يوم القيامة باعتبار أن ما أتوه من الكبائر كان بقضاء وقدر. وبالتالي فهم غير مدانين، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

كان من الطبيعي أن يثير هذا التبرير الذي يكرس اللامعقول ويتعارض مع المعقول الديني، ردود فعل من أكثر من جهة. وكان أبرز من تصدى لهذه الجبرية العمياء أولئك الذي أطلق عليهم خصومهم اسم “القدرية”، أي الذين قالوا بقدرة الإنسان على إتيان أفعاله، الشيء الذي يعني أنه غير مجبر، بل مخير. لقد استند هذا التيار العقلاني إلى النقل والعقل معا. فمن جهة احتجوا بآيات عديدة في القرآن تؤكد حرية الإنسان واختياره وقدرته على إتيان أفعاله. ومن جهة أخرى ناقشوا مناقشة عقلية فكرة الجبر ذاتها وما تفضي إليه من نتائج تتعارض مع العقل والنقل معا. من ذلك أن القول بأن كل ما يفعله الإنسان هو مجبر عليه، قول يلغي المسؤولية؟ والقرآن يحمل الإنسان مسؤولية أفعاله، وعلى أساس المسؤولية كان الوعد بالجنة لمن آمن وعمل صالحا، والوعيد بجهنم لمن كفر… ومن هنا أثيرت مسألة “الوعد والوعيد”: هل وعد الله ووعيده، كما هو منصوص عليه في القرآن، سيطبق في الآخرة ولا بد، أم أن الله حر مختار يعفو عمن يشاء ويعاقب من يشاء، وبالتالي يمكن أن يستثني منه من يشاء. لقد روج إيديولوجيو الحكام الأمويون لهذه الفكرة فكرة أنهم مستثنون من الوعيد الإلهي، فقالوا إنهم لن يدخلوا النهار في الآخرة!

أما الخوارج فقد كان رد فعلهم مركزا لا على فكرة الجبر ذاتها بل على سلوك الأمويين الذين “ارتكبوا كبائر”، من قتل وعسف بغير حق. فقالوا إن “مرتكب الكبير” كافر يجب قتله. ثم ما لبثوا أن عمموا هذا الحكم على كل من خالفهم. لقد كان موقفهم يتلخص في :”أنا وحدي مسلم ومن ليس معي كافر”. وهكذا أثير نقاش واسع حول حكم “مرتكب الكبيرة”، وحول حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر. هل الإيمان هو مجرد “القول” أي التصريح بالاعتقاد في “الله وكتبه ورسله واليوم الآخر” كما في القرآن، أم أنه لا بد، إضافة إلى ذلك، من العمل بما في الكتاب والسنة من أوامر ونواه؟

سنترك مسألة “الإيمان والكفر” وحكم مرتكب الكبيرة إلى المقال المقبل، لنركز هنا على ذلك الدور الرائد الذي قام به من سموا بـ “القدرية” في التأسيس لنوع من المعالجة العقلانية لهذه المسائل التي حصرتها إيديولوجيا “التكفير الخارجي”، وربيبتها “الجبر الأموي” في منطق “إما… وإما”، المنطق الذي يلغي العقل والجدل والتجاوز وجميع القيم الوسطى.

تجمع المصادر على أن أهم شخصية في صفوف القدريين الأوائل هو غيلان الدمشقي وتنسب إليه دورا أساسيا في نشر فكر تنويري واجه به إيديولوجيا الجبر الأموي وإيديولوجيا التكفير الخارجي. كما تبرز مصادرنا كونه استطاع أن يستقطب أتباعا كثيرين من مختلف الأوساط، بما في ذلك حاشية الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان الذي كان قد اختاره مؤدبا لولده سعيد. كما تبرز مصادرنا أن عمر بن عبد العزيز قد قربه واستمع إلى مواعظه واعتمد عليه في تنفيذ بعض إصلاحاته. على أن تواجده وسط حاشية بعض الملوك الأمويين لم يمنعه من نشر أفكاره التنويرية، بل لقد عرف كيف يبثها وسط هذه الحاشية نفسها ويستقطب فيها أنصارا ومؤيدين. أضف إلى ذلك أنه لم يقتصر على “الكلام” في الإيمان و”القدر” (حرية الإرادة)، بل تعدى ذلك إلى قضايا سياسية أساسية، وعلى رأسها قضية القضايا، قضية الخلافة.

كان الأمويون قد روجوا (من خلال حديث نبوي رواه معاوية) لفكرة أن “الإمامة في قريش”، وهو حديث يستبعد بكيفية مباشر المعارضين للأمويين من غير قريش وفي مقدمتهم الخوارج. أما غيلان الدمشقي، وكان مولى لبني مروان، فقد قال بالعكس من ذلك: إن الخلافة “تصلح في غير قريش، وإن كل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها، وإنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة”. وهذا موقف متميز ومتقدم جدا: فهو يعارض الأمويين الذين يحصرون الخلافة في قريش وحدها، ويخالف الشيعة الذين يجعلونها في علي وذريته فقط، ويختلف مع الخوارج باشتراطه “الإجماع”. ومعلوم أن الخوارج لا يعترفون بـ “الإجماع”، بل يضعون جميع مخالفيهم من المسلمين في “دار الكفر”. إن اشتراط الإجماع في اختيار الخليفة موقف متقدم جدا لأنه ينطلق من الاعتراف بالرأي المخالف، ويجعل مسألة الحكم من اختصاص الأمة وليس من احتكار “القبيلة” ولا من حق “الورثة” و”الأوصياء” وحدهم.

أما موقفه من إيديولوجيا الجبر الأموي فقد عبر عنه في عدة رسائل لم يصلنا منها سوى رسالة يعظ فيها عمر بن العزيز، وقد جاء فيها: “ولن تجد داعيا –يقصد الله- يقول : تعالوا إلى النار! إذن لا يتبعه أحد! لكن الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله. فهل وجدت يا عمر حكيما يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذب على ما قضى، أو يقضي ما يعذب عليه؟ أم هل وجدت رشيدا يدعو إلى الهدى ثم يُضٍلُّ عنه، أم هل وجدت رحيما يكلف العباد فوق الطاقة ويعذب على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلا يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل وجدت صادقا يحمل الناس على الكذب أو التكاذب بينهم”؟

أما اعتراضات غيلان على الاحتكار والاستغلال الذين عرف بهما رجال الدولة الأموية فلقد كانت من الجذرية إلى درجة التحريض على “الثورة”. وكمثال على ذلك ما تذكره مصادرنا من أنه عندما عرض عليه عمر بن عبد العزيز أن يسند منصبا إليه طلب أن يتولى وظيفة “بيع الخزائن ورد المظالم”! تولى غيلان هذه الوظيفة بالفعل. وتذكر المصادر أنه أخرج يوما “خزائن” بعض رجال أهل الدولة وهي مما وقعت مصادرته، فأخذ يهتف في الناس : “تعالوا إلى متاع الخونة، تعالوا إلى متاع الظلمة، تعالوا إلى متاع من خلف في الرسول أمته بغير سنته وسيرته، من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أيمة الهدى… وهذا متاعهم، والناس يموتون جوعا”. وتقول الرواية إن هشام بن عبد الملك، الذي لم يكن قد أصبح خليفة بعد، مر به وسمع ذلك فقال: “إن هذا يعيبني ويعيب آبائي، والله إن ظفرت به لأقطعن يديه ورجليه”. بالفعل كانت نهاية غيلان على يد هشام بن عبد الملك عندما صار خليفة. لقد قطع يديه ورجليه، لكن غيلان استمر في انتقاد الأمويين فأمر هشام بقطع لسانه، فمات”. مات غيلان الشخص، ولكن أفكاره بقيت حية تزداد انتشارا وعمقا… فجعلته من الخالدين حقا.

(أنظر التفاصيل والمصادر في كتابنا  “العقل السياسي العربي” الفصل التاسع فقرة5 )

*عن موقع ” منبر محمد الجابري “