تداولت بعض الجرائد الإلكترونية تصريحا لرئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، سعد الدين العثماني، يقول فيها إن «التطابق بين أمة الدين وأمة السياسة لم يعد ممكنا في زمننا هذا». مبررا ذلك، بأن «الرعية مختلفة الإيديولوجيات والعقائد، ولذلك وجب البحث عن نظام جديد للتسيير».
وقبل مناقشة أبعاد هذا التصريح، لابد أن نسجل أن التطابق بين أمة الدين وأمة السياسة، لم يحصل أبدا، في أي زمان أو مكان، حتى عندما كان نظام الكهنوت أو الكنيسة أو الفقهاء يسيطر على الدولة، فإن السياسة الواقعية هي التي تسود، ويلوي هذا النظام عنق التعاليم والإيديولوجيات الدينية لتطابق إكراهات تسيير الدول.
أما بالنسبة لما صرح به العثماني، فهو ليس جديدا، حيث يردد باستمرار أن حزبه ليس حزبا دينيا، وهو في ذلك يمارس منهج التقية، لأنه في تصريحه الأخير، يعود إلى أصله الإيديولوجي ويعترف أن «السياسة ليست سوى جزء صغير من الدين ،الذي يضم السياسة الدنيوية التي تعنى بتسيير أمور العباد في إطار إصلاح الراعي والرعية».
بغض النظر عن هذه التصريحات المتناقضة، فإن الواقع يكذب محاولات التهرب من الانتماء الأصولي لحزب العدالة والتنمية، الذي كما هو معروف، لدى كل تنظيمات الإخوان المسلمين، ليس سوى الجناح السياسي للتنظيم الأصلي الدعوي، حركة التوحيد والإصلاح.
كل المرجعيات الإيديولوجية لهذا الحزب، أصولية دينية، أغلب أطره أعضاء قياديون في الحركة الدعوية، مواقفه من مختلف القضايا، خاصة تلك التي تهم المرأة والثقافة والفن والحريات… أصولية خالصة، دعايته تقوم على رؤية متشددة لما يعتبره هوية إسلامية، مظهر ولباس أعضائه لا يختلف عن كل الجماعات الدينية، الإخوانية والسلفية وغيرها…
بالإضافة إلى كل ذلك، فأساليب استقطابه للناس تعتمد على خطاب ديني بحت، شبكاته الزبونية، تشتغل باسم الإحسان وجمع الزكوات والتبرعات باسم الدين الإسلامي… جزء غير يسير من ناخبيه هم من المستفيدين من هذه العمليات الإحسانية الدينية. ما هو الحزب الديني إذن، إذا لم يكن مثل العدالة والتنمية؟
المنطقية والانسجام في السياسة، تفرض على العثماني وأمثاله، الذين يحاولون تزيين واجهة حزبهم، إما أن يستقيلوا منه، أو يعلنوا حركة تصحيحية داخله، من أولوياتها فصل الحزب عن حركة التوحيد والإصلاح، غير ذلك ليس سوى دعاية لطمأنة الفاعلين والرأي العام، بعد أن تزايدت مظاهر رفض ومواجهة التشدد الديني من طرف فئات مؤثرة في المجتمع.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الثلاثاء 21 يوليوز 2015