انتهى شهر الفضائل المركزة. شهر التسامح وطلب المغفرة والاستعداد للتوبة. انسحب الشهر ساحبا معه الأمل فى أن نبدأ صفحة جديدة فى العلاقات بين الناس وبعضهم البعض ، وبين الناس و«الدولة». كان شهرا مثل غيره من الشهور. كلنا قضيناه ننتقد كلنا. وكلنا، فى النهاية، خرجنا منه كما خرجنا من الشهور الأسبق، ضحايا شعور بالنقص والذنب والعار ومشحونين بطاقة سلبية هائلة.

أنظر حولى. الناس فى كل الدول تمارس أنواعا شتى من الانتقاد المتبادل. نسمع عن الهند وعن روسيا والصين والبرازيل والولايات المتحدة وما يدور فيها جميعا من انتقادات واحتجاجات وتجاوزات. ولكن لم نسمع عن أنه فى أى من هذه الدول صار الانتقاد ثقافة عامة. أو أنه توسع إلى حد تسبب فى تدهور الصحة المعنوية للأمة، فتهدد السلام النفسى والاجتماعى.

عدت، بعد أن انسحب شهر الفضائل المركزة، أقرأ وأحلل ما تجمع لدى من قصاصات صحف وتعليقات بخط يدى على برامج كلام ومقتطفات من خطب الرسميين. قرأت وحللت واستشرت وحاورت، وانتهيت إلى أن نبرة الانتقادات المتبادلة خلال الشهر الكريم كانت أعنف وأشد قسوة وأسوأ أثرا من نبرات الشهور العادية، حين يتوزع الاهتمام العام على قضايا وأمور كثيرة ليس لفضائل شهر الصيام مكانة متقدمة فيها..

سمعت اعترافات من أمهات، جاء فيها أنهن وازواجهن، صاروا أقل تسامحا مع أطفالهم وأقل صبرا عليهم. صاروا شديدى الانتقاد حتى لأطفال رضع لا يفهمون ما يقال امامهم أو لهم ولكن يعرفون معنى النظرة الغاضبة فى عيون الأهل فينتقل إلى الأطفال توتر الكبار. بل وأعرف من أصدقاء أطباء أن الأطفال يمرضون بحلوقهم وآذانهم وجلد بشرتهم إن هم شعروا بنقص فى اهتمام الأهل وحنانهم وحبهم. بعضهم يمرض لمجرد غياب الأب فى رحلة أو مرض. قال طبيب إنه لاحظ زيادة فى عدد حالات «الانطواء» لدى أطفال لم يتجاوز عمرهم العامين. الانطواء، كما يفسره أصحاب هذا التخصص، هو تعبير عن شعور الأطفال بالتقصير تجاه الآباء والأمهات. قد يتصور الأطفال انهم ببكائهم أو بتشبثهم بعدم النوم أغضبوا الأهل فاختفى الأب وتوترت الأم.

سمعنا عن زيادة فى قسوة معلم المدرسة وفى انتقاداته لتصرفات التلاميذ واتهامه لهم بالكسل والجهل والغباء. كذلك الحال فى مجالات العمل كالمصانع ودور الحكومة والشركات، فالرؤساء ساءت معاملتهم لمرؤوسيهم وزادت انتقاداتهم لهم. من ناحية أخرى، صرنا نقرأ خلال شهر الفضائل المركزة هجوما، مستترا أحيانا وفاضحا فى أغلب الأحيان، يقوده إعلاميون من شتى المراتب على الجماهير، شارك فى الهجوم، وكأنه ضمن خطة مبرمجة ومدروسة، قادة سياسيون ورجال أمن وأسماء شهيرة فى عالم الفكر والثقافة والفنون. الكل ينتقد، والكل لم يفلت من الانتقاد. لم يعد يخلو خطاب أو خبر صحفى من انتقاد مبطن أو صريح. كادت صياغات الانتقاد تهيمن على فنون الكتابة الصحفية وتحرير خطب المسئولين. صار استخلاص القارئ أو المستمع للحقيقة من الخبر أو الخطاب مهمة صعبة وثقيلة، صعبة لأن الحقيقة والانتقاد تداخلا بشكل يكاد يكون عضويا، وثقيلة لأنها تنتهى فى الغالب بشعور مؤكد لدى القارئ أو المستمع بأنه هو نفسه متهم، فهو كسلان مثل بقية الشعب أو جاهل أو قاصر عن الفهم أو متواطئ مع عناصر إرهابية أو عميل لجهة أجنبية أو طرف كامن فى خلية نائمة فى مؤامرة دولية تحاك ضد الدولة.

يؤكد متخصصون انطباعى هذا حين يكتبون فى ابحاثهم ودراساتهم أن الاتهام المتكرر بالجهل والغباء والكسل وعدم النضج كثيرا ما يولد لدى الشخص أو الطبقة أو الشعب محل الانتقاد حالات قلق واكتئاب «وشعور بعدم الاكتمال»، تجتمع جميعها وأغلبها فى حالة مرضية شائعة، هى الشعور بالعجز.

يؤكدون أيضا أن نظرة الغضب التى مورست معنا من أهالينا أيام طفولتنا، كانت كافية لأن تتسبب فى حالات انطواء مؤقت أو لا مبالاة، وكثيرا ما عكست نفسها فى شكل رأس منكسة على الصدور أو عينين زائغتين فى اتجاهات بعيدة عن وجهة الأهل. أما الأخطر من هذه النظرة « الأبوية» فهى نظرة الازدراء أو الاحتقار التى تراها فى عيون بعض ضيوف برامج الكلام على شاشة التليفزيون. نراها عندما يتحدث «خبير» فى شأن يعتقد أنه يعلو على مستوى المشاهد، ونراها عندما تصر مذيعة أو مذيع على تلقين المشاهدين درسا فى الوطنية أو الفضيلة أو السلوك الحسن. نراها أيضا فى عيون رؤساء فى العمل وربات بيوت وضباط أمن وهم يراقبون عمل مرؤوسيهم أو جماهير يتعاملون معها.. هنا أيضا، يقول لى المتخصصون إن نظرة الاحتقار هذه التى أصبحت سمة تكاد لا تفارق وجوها كثيرة نقابلها كل يوم، تنتج غالبا «الشعور بالعار». فالمشاهد هدف نظرة الاحتقار ينتهى به الأمر طرفا متهما بالانحراف أو بارتكاب فعل شاذ، وأنه جزء من شعب لا طائل من ورائه ولا أمل فيه، وبالتالى هو والشعب الذى ينتمى إليه، وصمة فى جبين «الوطن»!، أيا كان معنى هذا الوطن وتعريفهم له.

من ناحية أخرى، ظهرت فى السنوات الأخيرة موجة من الانتقادات ضمن ما صار يعرف بالتسريبات، وهى فى الغالب تسجيلات صوتية أو مرئية الهدف منها تشويه صورة إنسان أو مجموعة من الناس. تدخل هذه الموجة فى سياق موجة عالمية أوسع هدفها اختراق الخصوصيات ونزع «أغلفة» المواطن وتمزيق أستاره. هنا فى هذه الحالة أيضا رغبة فى توجيه انتقاد، ولكن على أوسع نطاق ممكن، ولتحقيق هذه الرغبة يلجأ «الانتقاديون» لوسائل شتى من بينها فرض الرقابة والاختطاف والتعذيب وانتهاك حرمات المنازل والتنصت على المكالمات والرسائل الإلكترونية.

هنا أيضا يؤكد متخصصون ان ممارسة هذا النوع من الانتقاد عن طريق كشف المستور يؤدى بالضرورة إلى هيمنة الشعور، لدى الناس محل الانتقاد أو الاختراق أو التشويه، بـ«القذارة». إنه نفس الشعور الذى يهيمن لسنوات عديدة وربما لبقية العمر على ضحايا الاغتصاب الجنسى. المعروف عن النساء ضحايا الاغتصاب كراهيتهن للحياة وفقدان الأمل وأحيانا الرغبة فى إنهاء حياتهن، وغالب الأمر هو الانزواء والتعامل بسلبية مطلقة مع جميع عناصر الحياة المحيطة بهن.

لا أعرف على وجه الدقة ان كانت هذه من سمات أشخاص أعرف أنهم تعرضوا لاختراق الخصوصيات والتشهير بماضيهم وماضى عائلاتهم، ولكن أعرف بالتأكيد أن قليلين هم الذين يناقشون الأمر علنا مع أصدقائهم وعلى مسمع ومرأى من الناس، وبعضهم، إن لم يكن أكثرهم، اختفى من الصورة العامة كارها نفسه وأهله والمجتمع أو مهاجرا من « الوطن».

يتوقعون بكل أسف أن تستمر موجة الانتقادات المتبادلة بل وأن تتصاعد. لو صح ما يتوقعون فمعناه أن المشاعر السلبية لدى الجماهير عموما سوف تسود، وبالتالى سوف تهيمن على الناس وسلوكياتهم ونفسياتهم طاقة سلبية. فى هذه الحالة، وحسب رأى المتخصصين، يعم الشعور لدى الشعب بأنه غير مرغوب فيه وغير محبوب، وأنه محل اتهام بأن نقائصه الكثيرة مسئولة عن تردى الأوضاع الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهو بذلك يجد نفسه مضطرا لأن يستخدم أساليب دفاع بدائية ضد هذا الهجوم الوحشى، منها الإنكار الثابت والعنيد لحال التدهور من أساسه، والادعاء بأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان. ومنها التفاخر، وبشكل مبالغ فيه للغاية، بالعظمة الفائقة وبالتاريخ المجيد، منها أيضا التكبر على الآخرين والقاء اللوم عليهم. مضطر أيضا، هذا الشعب المتهم دائما، لأن ينطوى على نفسه فاقدا الثقة فى كل من حوله، وبخاصة فى السلطة والنخبة الحاكمتين وكذلك فى قيادات المعارضة بمعظم فصائلها وأشكالها.

بانتقاداتهم وازدرائهم للشعوب فرضوا عليها أن تتصرف تصرفات من انكسر بالعار، نقلوا إليها احساس كل فرد منهم بعاره، غرسوا فيها الشعور بالذنب. هكذا يتخفون بعارهم فى « العار العام».

    * عن التجديد العربي

   الاربعاء 22 يوليوز 2015