يمكن ألا يحالفني الحظ، وأن أفشل في تسمية الشعب بالتدقيق. ويمكن أن يسعفني فعلا الحظ السيء في أن أتحدث عن كيان لم يسبق أن ثبت وجوده في السياسة المغربية..
يمكن الحل ويمكن نقيضه، ذلك لأن الشعب غاب منذ مدة!
غاب في الملاعب،
وفي الحانات،
وفي الفصول الدراسية،
وفي الدرجات،
وفي المعامل والمصانع والضيعات الفلاحية..؟
لا!
لقد غاب في السياسة، وفجأة شعرنا أنه غادر الفضاء العمومي. جمع طبقاته الشعبية وغادرها بالامتناع أو التفكك : فلا العمال عمال مجموعون ..
بعد أن أصبحوا لا يجيدون الإضرابات اللهم .. الإضراب عن المشاركة في الانتخابات، مهنية كانت أو جماعية أو تشريعية..!
ولا الأجراء أجراء، ولا المهن الحرة مهن مجتمعة: ألف نقابة وألف حزب وألف جمعية مهنية..
الشعب الفقير تحديدا لا دور له في السياسة بعد أن أصبح موضوع الإحسان والنفقة الجارية، وبعد أن أعادته الديانة الحزبية الجديدة إلى الشأن العام من مربع الصدقات.. حينا ومن مثلث ترمله أو تيتمه حينا آخر!
*************
عندما خرج الشعب من السياسة خرج معه الفقراء ، ودخل مصطلح المواطنون إلى السياسة وبرامجها، كتقية لكي لا نسمي الشعب..باسمه.
وشيئا فشيئا أصبح الشعب عرضة للشعبوية أكثر مما هو موضوع للسياسة أو الثورات .. ذلك لأن مفهوم المواطن بدا أكبر وأكثر إنسانية، من مفهوم الفقير أو الشعب ..
حتى الثورات التي قامت في بعض الدول لم تعد الفقراء إلى مكانتهم في هندسة الدول وهندسة المجتمعات، والشعوب الثائرة بدورها اختفت من كل المؤلفات ومن دليل المجتمعات السعيد ة.. وإذا لم تتذكرهم منظمة “الفاو” في اليوم العالمي للجوع لن يتذكرهم أحد!
لم تعد هناك مياه في الصوت الذي رفعناه لنهتف باسم الشعب، ولم يعد الشعب يمتد من الساحات إلى غرف البرلمان أو مجالس الخلايا النائمة أو السهرانة بالقرب من قمر..
قفز الشعب من النافذة، بعد أن دخلت إلى الغرف حشود البلطجية
وقفز هاربا من السياسة بعد أن ترامت عليها أيادي اللصوص الذين يسرقون الأصوات من صناديق مملوءة بنسبة الخمس فقط !
فقدنا الشعب فنزل على الأرض .. صف مؤمنين بالعذاب الأخير
في كل انتخابات نفهم أن الشعب سيقود الثورة إلى حدود العتبة .. الانتخابية ولن يدخل الباب، التي أوصدتها رتاجات
الأموال ..
يورث الشعب اليوم، بأوراق ثبوتية من أهل الحل والعقد، ويكتب في سجل العائلة .. ولا أحد يعلن أنه سرق شعبا!
أكبر عمليات السطو لا أحد يراها، يا إلهي!
كيف نتعرف على الشعب اليوم، وكيف نتفرس ملامحه المضببة بين السطور وبين الشعارات، التي لم يعد يصدقها منذ قامت الثورات وتركته في غياهب الجب أو على قارعة الطريق عرضة للمساء والبراحين ..
ينادي المنادي: هذا الشعب يحتاج إلى الديموقراطية
فتختفي صناديق الاقتراع في سلال المأكولات (قفاف الله وموائده الرمضانية) أو في مخزن العائلات.. وتلوح في الأفق دكتاتورية هزلية بلا مذاق..
كما لو أن الشعب لم يكن له دور في .. ما كانه!
*************
هذا الشعب،
كم مات وكم مُتنا معه،
ومنذ كان الكَهَنَهْ
خَدَماً للسيف منذ المعبد الأوَّلِ
حتى آخر الثورات، كان الشعب يربي فصوله بين المقصلات.
ليتنا كنا آخرين سبقونا إلى الإيمان به،
وسبقونا إلى تعريف الحرية لنقول: كلما ذكرنا الشعب ذكرنا الذين يموتون حبا فيه، في شقوق الأرض لا في شقوق البلاغة.
فكل ما ابتعد قليلا عن القبيلة
ولم يصل إلى سدرة الأمة
شعب،
وعندما يكون بلا عقد اجتماعي يصبح فكرة .. ناس!
وفي علم الاجتماع كان المثقف العضوي يخلق الشعب العضوي،.. وكانت الاشتراكية تخلق الشعب الذي تحكم باسمه والديموقراطية تخلق روما في كل عقد من عقود الزمن،..
مع اختفاء الشعب ماذا سيفعل المثقفون العضويون وأنصار حكم الشعب للشعب باسم الشعب؟
غادر الشعب الحكم، وخرج إلى الهواء الطلق في التاريخ..
كم من الشعب يحكم بقية الشعب باسم الشعب: انظروا إلى أرقام الانتخابات لكي تعدوا الشعب فعلا..
لا شعب يمكن أن يوجد بدون فقراء.. ونحن نحاول هذه المعجزة: أن نحكم الشعب باسم الشعب لصالح الشعب.. بدون هذا الشعب أصلا!!
نحن نعيد إبداع الديموقراطية بدون الحاجة إلى أصلها المادي والنظري: الشعب (ديموس).
*************
الشعب هو الذي يمنح الكاريزما،
ويمنع لغة الخشب،
ويهز الجامدين عندما تكون الرهانات كبيرة للغاية! الشعب يعطي أيضا الافتخار للسياسة.. وعندما تصبح باردة وباهتة وغير مجدية فلأن الشعب أشاح عنها..
كيف نعيد ابتكار الشعب.. من جديد لكي يسهل علينا ابتكار الديموقراطية والسياسة معا؟

كُلُّ مَنْ يَرْحَلُ من نسيان إلى نسيان – شعب
كُلُّ مُنادٍ ومنادَى لا يناديه – شعب
كُلُّ ما هو شعب يحتلُّهُ الظلُّ والحسابات
كُلُّ مَنْ يطلُبُ منَّه صوتا عابرا أو قبلات
يسرق روحه… و يسرق ظله ويأكُلُ خبزه من جروحه، و كما قال الشاعر درويش وهو يتأمل الأبيض المتوسط من ثقب في القصيدة!
السياسيون لم يعودوا يبحثون عن الشعب حيث يوجد: بل يسعون في التنافس على الهوامش المنزلقة: ولم يعد يخجل أحد من دعاة الأخلاق السياسية والمناهضة القوية للتبرج من اللجوء الى المنحرفات (حتى لا أقول العاهرات أو القوادات مثلا!) وترقيتهن إلى درجة مواطنات، للضرورة الانتخابية.. من أجل التحكم في المسار الديموقراطي.
*************
السلطة السياسية التي يعد الشعب مصدرها وأصلها، قائمة اليوم ، .. في الفراغ، والشعب يراقب كيف يتم جمعهن وإعطاؤهن التوجيهات “الإيديولوجية” لكي يجمع الأصوات، التي ستساعدنا في النجاح في الانتقال الديموقراطي!
وتفعيل الدستور!!
وتوزيع الرأسمال اللامادي،
وربط المسؤولية بالمحاسبة،
و..رفع استغلال الإنسان لأخته الإنسانة، بعد أن تكون الديموقراطية قد فازت في الاقتراع الشريف!!
لهذا “يحشم الفقرا على عرضهم” ويغادرون سياسة المسخ
وتحشم الطبقة الوسطى والناس عموما ويدخلون سوق رأسهم بلغة الخواسر! ولا يحلمون بالعودة إلى السياسة: هل سيعود الفقراء إلى السياسة: نعم عندما تعود السياسة إليهم!