لم يكن في مقدور أكبر المحترفين للخيال أن يخمنوا ما سيفعله الرئيس البوليفي، هوغو موراليس، في الأسبوع الذي ودعناه من شهر يوليوز الجاري، وهو يقرر منح البابا فرانسوا، الذي زار بلاده هدية، قادرة على العصف بالخيال الهادئ للمسيحيين. فقد اختار السيد الرئيس البلاغة الثورية، المنحدرة من زواج الفكر الماركسي بالروح المسيحية، لكي يعبر له عن صورة أمريكا اللاتينية الحالية وروحها المسيحية الثورية، عندما وهبه منحوتة الأب اليعقوبي الشهيد لويس أبينال، الشاعر الفنان الذي اغتالته فيالق الموت اليمينية في سنة 1980، وهي منحوتة ليسوع المسيح مصلوبا على مطرقة ومنجل، شعار الشيوعية القديم المنحوتة المقدسة، أعادت إلى الخيال الكوني الرابطة الاستعارية بين النبي الذي حمل وزر البشرية في صلبه وتلك النظرية التي اقترضت من المسيح صليبه، ووضعته على ظهور كل مناضليها في العالم، في تبادل غير مسبوق بين ديانة الرب وديانة بلا ألوهة. 
فقد نجحت أمريكا اللاتينية، في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، في أن تخلق للعالم ما سماه المتتبعون لوضعها لاهوت التحرير، أو تلك التركيبة العجيبة التي أخرجت المسيح من رطوبة الكنائس إلى حرائق الصراع السياسي، من أجل الفقراء والمحرومين والمضطهدين، المنكسين تحت سياط الدكتاتوريات العسكرية، والأوليغارشيات الفاسدة والبؤس المعمم للكولونيالات الحارقة. وكانت تلك التركيبة، ما بين بساطة التجربة الروحية في مناهضة العنف وتعقد الصراع في أمريكا اللاتينية مع عز الحرب الباردة، وسيلة المنسيين في إعادة المسيح إلى معركة الفقراء، وترتيب مصالحة الغيفاريين والشيوعيين مع الناصري الذي لا يموت. 
توبع البابا الحالي بتهمة إحياء فكرة لاهوت التحرير، وهناك من اعتبره، شخصياً، الامتداد الحي لهذه النظرية الجريئة. وبذلك، عاد إلى الأذهان ذلك النقاش حول ماهية اللاهوت الذي يحرر البشرية، في وقت كان المطلوب من المسيحية أن ترابض قرب الروح و.. المنبر. 
وعندما أطلق الأب البيروفي، غوستافو غوتييريز، في 1968، صرخته النبوية، لم يكن يدرك أنها ستشد أطراف السماء بأطراف الأرض، ولن يتوقف صداها عن التردد إلى الآن، وأن أفيون الشعوب، لم يعد كذلك، بل أصبح أداة تحريرها. 
حاصل القرن الماضي، كان أن وجدت الثورات من كل صنف، في اللاهوت، تحريرا لها من نقاش الأطياف، ودخلت المجتمعات التي عرفته، في أول دورة ثورية، بعد انهيار جدار برلين واندمجت دول أمريكا اللاتينية في سلك الشعوب التي تبحث عن الانتقال الديمقراطي، وكان أن الغاضبين، كل الغاضبين، نجحوا في أن يدمجوا بلدانهم في أفق أوسع، هو أفق العالم بعد نهاية الحرب الباردة. 
المرة الثانية في الغضب اللاتينو-أمريكي تزامنت مع انطلاق الحرب ضد النزعة المالية في تدبير العالم، وميلاد النيوليبرالية وتوحشها في البنوك وفي البورصات، وعلى هوامش المدن، عبر إنتاج الفقر واستغلاله، وعبر إلغاء الشعوب وتعويضها بأوليغارشيات فجة. 
وكانت أمريكا اللاتينية حظ الغاضبين من ثورات الشعوب ضد المال، عبر ميلاد جيل الغضب الصاعد من بورتوأليغري، ونجحت قرية الهنود الواسعة في أن تخلق للعالم قبلة جديدة غير قبلة دافوس، التي اجتمعت فيها الدول، خدمة للمال والبنوك.. هذه القبلة أوصلت الغاضبين الجدد، من لولا داسيلفا إلى هوغو موراليس، مرورا بالرؤساء الآخرين إلى سدة الحكم.
ومرة أخرى، تداعت حشود الفقراء والطبقة الوسطى والنقابيون وعموم المناضلين الذين كادوا يفقدون تلك المسحة اللاهوتية في إيمانهم بالقدرة على تغيير العالم، وأوجدت بورتو أليغري النموذج المضاد في صناعة الدولة الجديدة، والثورة الجديدة التي تسبقها. وخرج الجيل الجديد من الحكام ومن المسيرين، وتم تحويل الدولة إلى ملك مفتوح للجميع. 
وما كان منتدى لمواجهة دافوس، عبر المنتدى الاجتماعي العالمي، تحول إلى ظاهرة سياسية ذات أبعاد كونية، بلغة صاحب مؤلف “كل شيء بدأ في بورتو أليغري”، بيرنار كاسين. وما كان تاريخاً للغضب الاجتماعي أصبح غضباً لصناعة الدول، وفي أمريكا اللاتينية، لم يتحول الغاضبون إلى مدبرين لقمع الغضب، كما سيحدث عندنا. 
كان السؤال، في أمريكا اللاتينية، هو كيف نغير المجتمع من دون أن نستولي على السلطة بوسائل السلطة؟ وكان الجواب هو الحفاظ على الغضب في صبغته الأولى المتحررة من بثور الدولة القامعة. ولعل العدوى انتقلت إلى أوروبا على هذا الشكل بالذات. 
الفوج الثالث من الغاضبين، في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، تعالت نبتته في حديقة الرأسمال المركزية، في أوروبا تحديداً، وخرج الغاضبون في إسبانيا وفي اليونان وفي “وول ستريت” ينددون بـالعجل الذي يثقل وجودهم بذهبه، وظل الغاضبون غاضبين، لا يجيدون من الدولة سوى وسيلتها في تغيير وضعها، لا في تغيير قدرهم وهدفهم.. وقد تغير المكان اللاهوتي هذه المرة. 
كان لاهوت التحرير يعتبر المكان اللاهوتي نقطة انطلاق خطاب التحرريين الدينيين حول الله في مواجهة الغاشمين، وهو، حصريا، الانطلاق من أوضاع المضطهدين والمحرومين والفقراء، بيد أنه لما عاد الفضاء اللاهوتي، في ما بعد الليبرالية المتوحشة، هو الدولة القمعية، كما تلخصها الصلاة الساخرة التي تقول أبانا الذي في المخابرات، كان ضرورياً إعادة تصويب الغضب وإعادة الفقراء والمحرومين إلى صلب اللاهوت الجديد، الذي يحدو اليسار الأوروبي الراديكالي بمسحة تبشيرية، تذكّرنا، ولو قليلاً، بنزعة الأب غوستافو غوتيريز الأولى. 
ومن بورتو أليغري، حملوا تباشير الديموقراطية التشاركية التي تلغم ديمقراطية التمثيل المحدودة، بدخول الجيوش المحرومة إلى مربع القرار، وإعادة صقل المشاركة، وغسلها بنفحات الشعب وعرقه. 
لنا العسكرياتيات القاتلة، قبل الثورة وبعدها. لنا الأوليغارشيات المالية. لنا البؤس والمخابرات والفساد. لنا اللاهوت، وليس لنا تحرير، وصرنا بفعل قدر معكوس في وضع غير مسبوق، فقد نجحت الثورات، وعوض أن نسوقها إلى حيث تكون الديمقراطية والرفاه، وجدنا أنفسنا نسأل ضد من كانت ثورتنا؟ أو من أجل ماذا ثرنا بالتحديد؟ أضد الدولة؟ أمن أجل تقوية الدولة، ضد الفوضى والنزوعات التفكيكية.. أو ترانا ثُرْنا من أجل نزع الطابع المقدس عن الدولة؟ لقد وجدنا أنفسنا وسط لاهوت بدون ثورات، وبدون فضاء لاهوتي نبدأ منه، بعد أن صارت المساجد كمائن لمن يفخخون المؤمنين باسم الله. وبدون غاضبين يجيدون إعادة تشكيل الدولة. وجدنا أنفسنا أمام غاصبين، ورثناهم مما تبقى من ما قبل لاهوت التحرير.
نشر بالعربي الجديد 21 يوليوز 2015

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الجمعة 24 يوليوز 2015