لا ريب أن ظاهرة ما نسميه اليوم الإسلام السياسي، ظاهرة كبيرة ومتعددة ومركبة، تشمل الكثير من الجماعات والأحزاب والحركات والمؤسسات والشخصيات والفعاليات الدينية والثقافية والاجتماعية. إن كل هذه المفردات والحقائق، تشكل ما نسميه بالإسلام السياسي.

ومن المؤكد على المستوى التاريخي والاجتماعي أن على ضفاف الجماعات الأم للإسلام السياسي، تشكلت جماعات راديكالية تتبنى الخيار الثوري أو العنفي وتسعى إلى تجاوز آليات العمل التي طرحتها جماعات الإسلام السياسي الأم.

فهذه الجماعات العنفية والراديكالية تشكلت استناداً إلى القناعات الفكرية والسياسية المركزية التالية:

1- إن جماعات الإسلام السياسي الأم، لم تعد قادرة وفق خياراتها أو نهجها في العمل العام من مواكبة حاجات المرحلة الجديدة. فجاءت الجماعات الراديكالية، على خلفية الفشل النسبي الذي تعاني منه جماعات الإسلام السياسي الأم. كما أن الجماعات الراديكالية ستقترب من كل الملفات وآليات العمل التي تبتعد عنها الجماعات الأم. فهي جماعات متجاوزة وناقدة لكل التجارب الحركية التي سبقتها ولم تتبنَّ لأي سبب من الأسباب المواجهة المسلحة المباشرة مع أنظمة الحكم.

2- إن المرجعية الأيدلوجية والفكرية والحركية للجماعات الراديكالية، تختلف في أشخاصها والكتب والدراسات التي تعتمد عليها المرجعية الأيدلوجية لجماعات الإسلام السياسي الأم.

وبكلمة موجزة نتمكن من القول: إن الجماعات الأم تتبنى كل المقولات الأيدلوجية التي تشكلت قبل عهد أبو الأعلى المودودي وسيد قطب.

أما الجماعات الراديكالية فتتخذ من مفهوم الحاكمية لدى المودودي ومفاهيم معالم في الطريق لسيد قطب بمثابة المرجعية الأيدلوجية والحركية.

وبالتالي فإن الجماعات الأم تتغذى من ثقافات وخيارات فكرية جميعها تشكلت وتبلورت قبل العهد القطبي ومحنهم في الساحة المصرية.

أما الجماعات الراديكالية فهي الجواب الحركي الإسلامي، الذي تشكل بعد محنة السجون في مصر وإعدام سيد قطب.

لهذا فإن الإسلام الراديكالي هو نتاج المحنة بكل صورها وأطوارها التي عاشتها جماعات الإسلام السياسي. لذلك نجد أن هذه الجماعات مشحونة بخيارات فكرية وسياسية وثورية أنتجتها المحنة وصعوباتها في مصر.

3- إن جماعات الإسلام الراديكالي تفرد حيزاً متميزاً وكبيراً لمفهوم الحكم والسلطة في الإسلام. وتعتبر هذه الجماعات أن الوصول إلى السلطة هو غايتها وهو الذي يوفر لها كل الإمكانيات والقدرات التي تمكنها من إنجاز أهدافها وغاياتها العامة.

فهي حركات وجماعات تتبنى الخيار الثوري أو العنفي للوصول إلى السلطة. ولذلك فإن هذه الجماعات تعمل على مواجهة السلطة منذ اللحظات الأولى لاكتمالها التنظيمي وصياغة مشروعها الأيدلوجي والحركي.

أما جماعات الإسلام السياسي الأم، فهي تقدم نفسها بوصفها جماعات إسلامية حضارية وذات مشروع حضاري يتجاوز السلطة السياسية بمعنى أن تأسيس حكم سياسي وفق نظريتهم ومتبنياتهم الأيدلوجية من أهدافهم الأساسية، إلا أنه ليس الهدف الذي يحصرون كل أنشطتهم وأهدافهم فيه. فإذا انسد أفق العمل السياسي فإن هذه الجماعات تنشط في الحقل الديني والدعوي أو الحقول الخدمية والتنموية.

وبالتالي فهي في سعة من أمرها، ولا تقدم نفسها بوصفها تتوسل الوسائل الثورية والعنفية. وعليه فإن الجماعات الراديكالية التي تشكلت على ضفاف الجماعات الأم، هي التي أنتجت ظاهرة العنف، وهي التي توسلت بوسيلة الاغتيالات للوصول إلى أهدافها.

ومنذ اللحظات الأولى لبروز ظاهرة العنف الديني، ترفعت الجماعات الأم عن الدخول في مماحكات أيدلوجية أو تنظيمية مع الجماعات الراديكالية.

ولكن على المستوى الواقعي فإن الجماعات الأم دفعت في الكثير من الحالات ثمن انزلاق الجماعات الراديكالية نحو العنف. وتعاملت السلطات السياسية مع العنف الراديكالي وكأنه مغطى حركياً وسياسياً من الجماعات الأم، لذلك فهي من أكثر الجماعات الإسلامية التي دفعت الأثمان السياسية والبشرية لممارسة العنف من قبل مجموعات أو جماعات محسوبة على التيارات الإسلامية الموجودة في الساحتين العربية والإسلامية.

ولعلنا بعد هذه التجربة المريرة. نتمكن من القول إن صمت الجماعات الأم على العنف الراديكالي شجعهم أي الراديكاليين والعنفيين على الاستمرار لتوريط الجماعات الأم، وكأنها هي بوابة انخراط هذه الجماعات في الخيار الثوري أو العنفي.

ولا بد في هذا السياق من ذكر أن طبيعة التعامل الخشن في المعتقلات والسجون مع الراديكاليين كان بمثابة الشرارة التي أوقدت لدى كل المجموعات الحركية الصغيرة شعلة الثورة أو ممارسة العنف. وكأنه في أحد جوانبه، هو ردة فعل عميقة على ما تتعرض إليه كوادر المجموعات الثورية الصغيرة من تعذيب وإعدام في المعتقلات والسجون.

وبالتالي فإننا نتمكن من القول: إن الجماعات الراديكالية بدأت تتغذى لتأكيد خيارها الثوري والعنفي من فضاءين أساسيين وهما:

فضاء المعتقلات السياسية وما تعرض إليه كوادرها من تعذيب وحشي يتجاوز كل الحدود والأعراف.

والفضاء الثاني من المقولات الأيدلوجية التي تبلورت بعد إعدام سيد قطب وهي مقولات في أغلبها كانت متأثرة بمحنة سيد قطب ومآلاتها الدرامية.

وهي مقولات أيدلوجية موغلة في البساطة التي توزع العالم إلى فسطاطين. وبالتالي فإن الغلبة مرهونة على الإعداد والاستعداد للمعركة الحاسمة، وإعداد الكوادر على أساس أن معركتنا مصيرية وحاسمة، وإن هذه الأنظمة لا ينفع معها إلا لغة الحسم الثوري.

لذلك في ظل هذه الأوضاع تشكلت قناعة راسخة لدى الجماعات الراديكالية أن العنف الثوري هو القادر وحدة لمنع التعديات الوحشية التي تجري في السجون، وهي القادرة على خلق توازن سياسي واجتماعي جديد، يمنع الأنظمة من التوحش في ممارسة القتل والعنف.

وبالتالي فإن العنف في تجربة الإسلام السياسي، تشكل وتبلور في سياق الصراع المحموم الذي كانت تعيشه هذه الجماعات مع حكوماتها وأنظمتها السياسية.

وإن انسداد أفق الحلول والمعالجات السياسية، هو الذي عجل بتبني الخيار العنفي.

بمعنى أن الأنظمة التي لا ترى وسيلة لمعالجة المشاكل السياسية إلا الحلول الأمنية، هي التي وفرت المناخ والأرضية المناسبة، لاندفاع هذه الجماعات صوب الخيار الراديكالي والعنفي.

وبالتالي فإن بروز ظاهرة العنف السياسي أو الديني في التجربة العربية المعاصرة، يعود إلى عوامل وأسباب مركبة، هي التي أفضت لبروز هذه الظاهرة الخطيرة.

وستبقى الحلول السياسية المعتدلة هي القادرة على وأد كل نزعات العنف في الفضاء الاجتماعي.

      * عن التجديد العربي

 نشر بها السبت 25 يوليوز 2015