أعاد الخطاب الملكي، بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لعيد العرش، عقارب الساعة إلى أصلها، في مسألة مصيرية، تتعلق بالتعامل مع موضوع الهوية، بالنسبة للمغاربة.
النسق الذي سار فيه الخطاب الملكي، كان واضحا، سواء عندما تعرض لإشكالية إصلاح التعليم، أو عندما توجه في نهاية الخطاب إلى الشعب المغربي، حول ضرورة حماية مفهوم الهوية الأصيلة للمغاربة.
فبالنسبة لإصلاح التعليم، اعتبر الخطاب أن الانفتاح على ثقافة العصر وتعلم اللغات الأجنبية، والاندماج في عالم المعرفة، لا يمكن أن يشكل تهديدا لهوية المغاربة، التي تتميز بكونها قوية وضاربة في التاريخ.
كما انتقد الخطاب الملكي، ما اعتبره دوافع «أنانية» و«سياسية» من طرف الذين يعارضون انفتاح منظومة التربية والتعليم، على اللغات الأجنبية والحضارة الإنسانية، متسائلا، لماذا يلجأ عدد من المواطنين إلى تسجيل أبنائهم في التعليم الخصوصي والبعثات الأجنبية، رغم التكلفة الباهضة، مؤكدا أن هدفهم هو الحصول على تعليم جيد، يضمن مستقبل الأبناء.
وفي نفس الاتجاه توجه العاهل المغربي، للمواطنين بخصوص إشكالية أصبحت تكتسي أهمية كبيرة، ليس في المغرب فقط، بل في عدد من البلدان، وتتعلق بمفهوم الهوية، حيث ذكر الخطاب الملكي بالمبادئ التي تضمنها الدستور، في هذا الصدد، والذي ينص على أن المغرب، متعدد المشارب والثقافات، منفتح على الحضارات، إسلامه معتدل. كما ذكر بأن مذهب المغاربة، سني مالكي، ولا يمكن أن ينتظروا من يعلمهم مبادئ دينهم، سواء جاء من الشرق أو من مكان آخر.
وتعتبر هذه أول مرة، يتحدث فيها الخطاب الملكي، بهذا الوضوح، وبأسلوب مباشر، في مسألة الهوية، موجها الكلام للمغاربة، بمختلف أطيافهم، من أجل مواجهة الانحرافات التي أخذت تسجل حول هذه القضية.
ويمكن القول إن الخطاب الملكي قد جعل هذه القضية محورية، مما يطرح على كل المؤسسات وكل الأحزاب والهيآت، المشتغلة في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، مسؤولية كبيرة، لبلورة المفهوم الصحيح والأصيل للهوية المغربية، التي أخذت تتعرض في السنوات الأخيرة لمزايدات إيديولوجية، واستغلال سياسي، يغلب عليه طابع الدعاية الحزبية.
ولعل تركيز العاهل المغربي، على هذه المسألة في خطاب العرش، ما يدعو إلى فتح نقاش وطني، في ضوء الحدود التي رسمها الدستور، وتوجيهات الخطاب الملكي، من أجل مواجهة من يريد جعل قضية تجمع المغاربة، محل نزاع، بدوافع إيديولوجية، مستوردا نموذجا «شرقيا» متخلفا ورجعيا، لا يتوافق مع توجهات المغرب الحداثية والديمقراطية. وفي ذلك دعوة صريحة إلى مواجهة المحاضن الأصلية للتطرف والتكفير سواء كانت قادمة من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب.

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

       السبت 1 غشت 2015