راج تعبير النهايات كثيرا، مع انتهاء الحرب الباردة، فلا تكاد تقرأ مقالة أو دراسة إلا وهذه المفردة، تتغلغل بقوة في متنها. نهاية تاريخ، ونهاية شعارات، ونهاية الأيديولوجيا، ونهاية اليسار، ونهاية الفكر القومي، ونهاية مرحلة سيادة الدول… وهكذا. وكان البديل عنها جميعا، عولمة وبراجماتية، وواقعية سياسية، تتمثل في قبول غير مشروط، بهيمنة القطب الأوحد.

وغاب عن هؤلاء أن النهاية تعني الفناء، وأن ذلك مستحيل تاريخيا، فليس الجديد سوى تجسيد لتراكم ممتد، والتحولات الإنسانية الكبرى، ليست قطعا مع الماضي، بل استمرار الحياة جديدة، ونهاية التاريخ، تعني استعادة للرواقية، بتجلياتها السلبية. فليس التاريخ، سوى تدوين ما كان حاضرا، بعد طي صفحاته.

نظر إلى جملة الشعارات التي طرحت، منذ الخمسينيات، بشكل سلبي، واعتبرت من الماضي البائد، في إشارة إلى عدم وجود علاقة لها بالواقع. ولو نظر لتلك الشعارات، من المنظور التاريخي لبقيت حية، ماثلة أمامنا. فليس هناك حضارة تنشأ، أو حرب تشن، أو حتى مؤسسة تدشن، إلا وتستخدم الشعار، في عملية الترويج أو التبشير بأفكارها ومشاريعها.

في الخمسة عقود المنصرمة، من حياة الأمة، عبرت الشعارات التي طرحت في الساحة، عن مرحلة مكافحة الاستعمار، والتوق للنهوض. لقد دوى بقوة شعار الاستقلال الوطني، في أرض الكنانة “الاستقلال التام أو الموت الزؤام”. ولم تكن المطالبة بالاستقلال، شأنا خاصا بنا وحدنا، بل مطلبا عاما ومدويا، في القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. وكانت معاركه، من أهم معالم القرن العشرين، حيث ماجت القارات الثلاث بحركات وطنية ترفع شعار الاستقلال، وتعمل على تحقيقه.

بعد الاستقلال، رفعنا شعارات عدم الانحياز والحياد الإيجابي، والتنمية المستقلة، والوحدة العربية وشهدت المنطقة العربية، اختلافات حول آلية تطبيقها، متأثرة بالمناخات الدولية، وباستعار الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. وكان العنوان الأبرز في شعارات تلك المرحلة، هو الدعوة لأن نكون بعيدين، وبمنأى عن الارتباط عسكريا بأحد المعسكرين.

ولأننا لم نكن في وضع يسمح لنا بالتعبير المستقل عن إرادتنا، ضاعت آمالنا في الوحدة والتنمية المستقلة. وطغى الشعار على الفعل. ولكن العيب لم يكن في الشعارات المطروحة، فهي في النهاية انعكاس لرغباتنا وتطلعاتنا، ولطبيعة المرحلة التي مرت بها الأمة في تلك الحقبة. والمعضلة كانت ولا تزال في الخلل البنيوي. وهو خلل يفسر مجمل ما نعانيه من مشاكل وأزمات. فما دامت المقدمات بائسة تكون النتائج كذلك.

وعندما تكون المقدمات بائسة، يتيه فعل البوصلة، فتوضع العروبة في تقابل صارخ مع الإسلام. وقد وقع كثير منا أسرى لهذه الفرية. وغاب عن الوعي، أن الإسلام نهض بالعرب، وأن العرب اكتشفوا ذاتهم بالإسلام. ولم يكن للعرب أن يبنوا حضارة خالدة، من غير الرسالة العظيمة، التي انطلقت من بطحاء مكة، وانتقلت إلى حيث مشيئة الله.

خلاصة القول أن المعضلة ليست في الشعارات، فهي صدى لواقع ينبغي قراءته بدقة، ووضعها في سياق التطور التاريخي. والمطلوب عدم التشرنق في الماضي، بسلبياته وإيجابياته، بل اعتباره جسرا للعبور نحو المستقبل، وذلك ما يفرض حضور الفكر، باعتباره رافعة المستقبل.

إلا أن الفكر ليس حالة مجردة عن الواقع، فالبشر يتفاعلون إنسانيا مع ما يجري من تحولات كونية حولهم. بل إننا لن نجانب الصواب حين نقول إن معظم الأفكار التي عمت في الوطن العرب، هي أفكار وافدة، جرى توطين بعضها وبقي البعض الآخر من غير توطين.

وقد أثبتت التجربة التاريخية، أن الأفكار الوافدة، مهما حملت من قيمة علمية، ومن مبادئ وأهداف نبيلة، لا تكون فاعلة في بيئة مختلفة، ما لم يتم توطينها. ومادام التاريخ هو بوصلتنا، فإن الأفكار، تاريخيا تتقدم على الواقع، لكنها ليست منعزلة عنه. يجري تشخيص الواقع، ويتوصل الباحث، في مدونات، إلى آليات لتجاوز أزماته. هذه المدونات هي ما تمثل الفكر السائد، لمرحلة ما.

على أن التشخيص لا يجري في فراغ، فلكي يكون فاعلا لا بد من استناده إلى رؤى وأفكار وفلسفات سابقة عليه. وهكذا يكون التطور الإنساني، نبني على ما هو قائم، ومن خلاله نستنبط أفكارا وآليات للعمل. وذلك هو بالدقة ما يعني التراكم في الأفكار وفي التجربة. وعلى هذا الأساس، فإن من الطبيعي أن يطور الفكر نفسه، ويواكب عصرا متقدما عليه.

النظرة السلبية، لتجربة ما بعد معارك الاستقلال، لم تقتصر على الشعار، بل شملت أيضا الأيديولوجيات، باعتبارها سبب الداء، فليس من مشكلة عربية، أو دولية، إلا واعتبرت الأيديولوجيا سببا لها. وعندما كتب فوكوياما “نهاية التاريخ”، اعتبر ذلك بداية بزوغ مرحلة البراغماتية، وسيادة قانون المنفعة وإعلان موت الأيديولوجيات. لكن ذلك حمل الكثير من المغالطات، وتزييف الحقائق.

فليس هناك فكرة أو مشروع، عبر مسيرة الإنسانية الطويلة إلا وتقف خلفها أيديولوجيا. فهي كمفهوم، في أبسط تعريف لها، نظرة شاملة للكون، تمد بقواعد من السلوك. وهي على نقيض العلم، الذي مهمته الكشف عن حقائق تساعد الإنسان على التكيف مع الطبيعة أو التغلب عليها. فالأيديولوجيا هدفها اتخاذ موقف قيمي ومعياري من الأشياء، وليست لها علاقة بالكشف، وإن كانت في كثير من الحالات تستند على منجزات العلم.

ولن نجاوز الواقع، حين نشير إلى أن كل الحضارات الإنسانية التي برزت، منذ أقدم العصور دعمت بموقف أيديولوجي، والحضارة العربية الإسلامية، ليست استثناء. أو لم يقل الخوارزمي إن ما دفعه لتأسيس علم الجبر، هو مساعدة المسلمين على تطبيق علوم الشريعة، فيما يتعلق بالمواريث. وقد شنت الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، تحت شعار إنقاذ القيم المسيحية.

المعضلة تكمن في التعصب العقائدي، وعدم الاستعداد لسماع الآخر، والتفاعل معه. لا يغيب التسامح وقبول الآخر الأيديولوجيا، بل يشذبها ويهذبها. لقد أدى التعصب العقائدي، بالعقود الأخيرة، إلى تفشي ظاهرة رفض الأيديولوجيا بالمجتمعات العربية.

نحن بحاجة إلى رؤية شاملة، لا تتخذ موقفا متحيزا تجاه المفاهيم والمعتقدات والأفكار، ولن يتحقق ذلك إلا بالارتقاء بثقافتنا إلى حالة من الحب والتسامح وقبول الآخر، والتفاعل الخلاق مع كل ما هو إنساني، بعقل واع، وإذن صاغية وقلب مفتوح.

   * عن التجديد العربي

 نشر بها يوم 1 غشت 2015