من المرجح أن أغلب المتتبعين للشأن السياسي، يعرفون مفهوم «الحمى الإنتخابية»، بالمعنى المتعارف عليه، أي عندما تشتد المنافسة بين المرشحين وترتفع حدة الحملة الإنتخابية، والسجال السياسي، وهذا طبيعي في كل البلدان التي تشهد انتخابات. غير أن هناك حمى أخرى، بمفهوم سلبي، أي مرَضي.
المفهوم الذي نود مناقشته في هذه السطور، هو عندما يقترب موعد الإنتخابات، في المغرب، وربما في بلدان أخرى (والله أعلم)، يفقد البعض من الناس البوصلة، ويتيه قاربهم، وتشتد عليهم الحمى، التي قد تؤدي بهم إلى الهذيان، فيدخلون في متاهات لا حد لها، منهم من يغير الحزب الذي انتمى له منذ سنوات، لأنه لم يرتبه وكيلا للائحة أو في موقع متقدم، ومنهم من يتنكر لأصحابه وإخوانه ورفاقه، لاختلافه معهم حول الترشيح أو الترتيب.
ويصدق عليهم حقا وصف “تراهم في كل واد يهيمون”، حيث يتيهون بين الأحزاب واللوائح والعروض، وتصبح بذلك الإنتخابات هدفا في حد ذاته، وتغيب في لحظات الحمى، كل الارتباطات الإنسانية والانتماءات السياسية والقناعات الإيديولوجية، أما مسألة البرامج وغيرها من المقومات الأساسية للإنتخابات، فهي آخر ما يتم الحديث عنه في هذه الحمى المرَضية، رغم أن هناك من يحاول إخفاء مرضه بفكرة البديل السياسي.
والمثير في الأمر أن هناك رواجا لأخبار الاستقالات الفردية والجماعية، والانتقال من حزب لآخر، بنوع من التشفي والارتياح، دون مناقشة عميقة لهذه الظاهرة المرَضية، وكأنها قدر مكتوب على الشعب المغربي.
كلما اقترب موعد الإنتخابات، كلما اشتدت الحمى على بعض الأجساد، لتتحول اللعبة السياسية، إلى أعراض مرَضية، تستحق التشخيص والعلاج. وحسب اعتقادنا فقد أصبحت هذه المهمة ضرورية، لإصلاح البناء الديموقراطي. إذ سيكون من الصعوبة بمكان وضع الثقة في أولئك الذين غيروا “إنتماءهم” و”قناعاتهم”، بشكل مفاجئ، بحثا عن ترتيب معين في لائحة حزب آخر، من المفترض أنهم لا يقاسمونه نفس القناعات. كيف يمكن ائتمان مثل هؤلاء على شؤون الناس وعلى الأموال العمومية؟
إنهم مستعدون للتنكر لكل شيء، باستثناء مصالحهم، ويصح عليهم ما ذكره القرآن حول صيحة يوم القيامة،«يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه».

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الخميس 6 غشت 2015