من المحقق أن ولوج الفاعلين المجتمعيين عموما، والسياسيين منهم خصوصا لوسائل الاعلام السمعي البصري ، والعمومي على وجه الخصوص هو أحد شروط الممارسة الديموقراطية ومظهر من مظاهر التعددية والاحتكام إلى الرأي العام.
ومن المحقق أيضا أن استعمال الاحزاب السياسية لهذه الوسائل، ضمن معايير مفكر فيها ومتفق عليها بين الشركاء السياسيين، هو تكريس لهذه الولوجية وتثمينا للممارسة الديموقراطية كما هو متعارف عليها.
و من هذا الباب،راكم المغرب في مساره السياسي المنفتح، ومنذ انطلاق مسلسل البناء الديموقراطي في أواسط السبعينيات أدبيات وتقاليد ونصوصا ومشاريع وثقافة لا يستهان بها ضمن هذا التوجه الكوني. وقد جاءت القرعة الخاصة، التي أعلنت عنها الوزارة الوصية مساء الثلاثاء الماضي ضمن هذا الأفق وتشكل ولا شك حلقة من حلقاته.
ومن اللافت أن الاستحقاق الانتخابي المقبل يختلف عما عداه من نواح كثيرة، لا شك أن هذا الاختلاف سيلقي بظلاله على ما سواه.
وبالإضافة إلى الأهمية التي يكتسي التأطير الدستوري الجديد لعملية الاقتراع، الهنا والآن، فإن الجديد هو أن التوزيع الزمني لتدخلات الأحزاب وعددها 32 حزبا، يطرح بالفعل قضية الجدوى والفعالية في الدعاية الانتخابية للزمن المخصص لكل هذه الهيآت.
فالسياق الذي تندرج فيه الاستحقاقات القادمة مغاير ، للأسباب التالية:
أولا، لم يعد الفضاء السمعي البصري المغربي وحيد التأطير، ولم تعد النافذة الإعلامية المصاحبة للفعل الانتخابي تقتصر على زنقة دار البريهي، أو صنوها السمعي، كما في مراحل طويلة من تاريخ الاقتراع في المغرب، بل أصبحت وسائل الإعلام العمومي متعددة، ومتنوعة، يضاف إليها التنوع الذي فتحه إنهاء احتكار الدولة للفضاء الاعلامي.
وبالتالي فنحن أمام غزارة غير مسبوقة في التأطير الإعلامي للفضاءات العمومية وفي تكييف المناخ العام وترتيب أولياته، المعيشية والسياسية والمزاجية حتى.
ثانيا، لا نشعر طوال العام أن الفضاءات المستجدة في هذه المرحلة يصاحبها بالفعل النقاش السياسي المؤطر والمعترف به والخاضع لنفس الشروط التي يخضع له الفضاء العمومي، بل هناك مسارات مناهضة أحيانا للفعل السياسي وللعمل الحزبي واجتهاد متواصل في تكييف الرأي العام أو تنفيره من الفعل السياسي..
ومن هنا يأتي السؤال الممض: هل يمكن أن تغير مدة زمنية تقل عن 45 ساعة ،(أقل من يومين) طوال حملة انتخابية تفوق 12 يوما،من هذه المعطيات وتتسع كفاية للتأثير الايجابي في مزاج الناخب الذي تم تكييفه بعدمية متواصلة طول السنوات الفاصلة بين الاقتراعين؟
ثالثا: ليست هناك مصاحبة فعلية للنقاش السياسي الوطني ومستجداته في التلفزيون العمومي، إضافة إلى هزالة الخدمة العمومية المقدمة في التوعية الانتخابية والتنشئة السياسية التي يتطلبها بناء مغرب ما بعد دستور 2011، لا سيما مع العروض المحبطة التي قدمتها الاغلبية وحزبها المركزي طوال الفترة الماضية والتي حولت النقاش السياسي من نقاش ضروري ومعقول إلى فرجة لا تختلف عن برامج الترفيه الاخرى بدون أن تستطيع منافستها من حيث الانتشار؟.
ان التسليم بأهمية الولوج إلى الاعلام العمومي، وأهمتيه في بناء المماسرة الديموقراطية لا يعفينا، بعد ما قلناه، من طرح سؤال الجدوى والفعالية،مع ما يقتضيه ذلك من إعمال النظر في المدة الزمنية ومدى مسايرة الزمن الدعائي لزمن الفعل السياسي..هناك حاجة إلى تغذية المساحة الزمنية للدعاية الانتخابية بمساحات إضافية من النقاش والسجال والتناظر التكويني والبيداغوجي الضروري في كل عملية ديموقراطية.

*   عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

      الجمعة 7 غشت 2015