أسئلة الملك وأجوبة الواقع 1 – مشروعان للتعليم في هرم الدولة!

 

ما بين عيد العرش 2014 العيد العرش 2015 طرح ملك البلاد، سؤالين جوهريين في حياة المغاربة ، هما سؤال الثروة وسؤال التعليم.
يمكن لمن يحب طباق البلاغة أو الكناية أن يعتبر التعليم ثروة البلاد، والثروة مدرسة الامة، غير أن الحقيقة،أننا امام امتحانين اساسين من امتحانات العهد الجديد، الموروثة عن العهد القديم، وأنهما محك التوجه الذي سيختاره النموذج المغربي. «لامتحان حيرته» الطويلة أمام المعضلتين.
في سؤال العرش كما وضعه الملك حول التعليم كلام مباشر يقول بالحرف:
«هل التعليم الذي يتلقاه أبناؤنا اليوم، في المدارس العمومية، قادر على ضمان مستقبلهم؟
(…) وهنا يجب التحلي بالجدية والواقعية، والتوجه للمغاربة بكل صراحة : لماذا يتسابق العديد منهم لتسجيل أبنائهم بمؤسسات البعثات الأجنبية والمدارس الخاصة، رغم تكاليفها الباهضة؟
الجواب واضح : لأنهم يبحثون عن تعليم جيد ومنفتح يقوم على الحس النقدي، وتعلم اللغات، ويوفر لأبنائهم فرص الشغل والانخراط في الحياة العملية».
وهو ما قد يفيد المدافعين عن انتصار الخوصصة الشاملة في محاولة لي ذراع التوجه العميق للكلام الملكي ويستخدمونه في تطعيم حججهم بمشروع العرض الملكي ، والحقيقة أن البحث عن ملجأ لدى التعليم الخاص ليس مبررا للتوجه اليه، استراتيجيا وبشكل كلي ونهائي، بقدر ما هو تعليل للرغبة العارمة والحرص الشديد لدى المغاربة لكي يعثروا على تعليم يليق، إنه بمعنى آخر سبب جيد للارتقاء بالمدرسة الوطنية المغربية.
والدليل في ذلك هو الاحالة الثانية اذا لم تخن الذاكرة في خطاب من خطابات العرش، والتي يقول فيه ملك البلاد أنه خريج هذه المدرسة العمومية:فلا أحد يتصور أن مدرسة غير المدرسة المغربية العمومية يمكنها أن تسهر على تعليم الملك أو أن يقول عاهل البلاد بأن المدرسة التي كان أحد خريجها، وهو يقول ذلك بافتخار كبير، يجب أن تعرض على الخوصصة الشاملة.
وعليه ، ففي حقيقة الواقع، نحن أمام وضع صعب للمدرسة العمومية وتراجعها في ضمان التكوين الجيد والتكوين السديد ازاء طلبات التنمية وطلبات العيش الكريم ، لكن ذلك لا يبرر القتل الرحيم لهذه المدرسة .
– من مفارقات الوضع السياسي أن الذي يدعو إلى القتل الرحيم أو غير الرحيم للمدرسة هو الذي يتولى رئاسة الحكومة باسم العموم، وليس بشرعية تاريخية أو دينية أو دستورية.
فقد سبق لابن كيران ان صرح بالواضح لا بالمرموز:«حان الوقت لكي ترفع الدولة يدها نهائيا عن مجموعة من القطاعات لخدماتية العمومية وأولها التعليم والصحة»، في اكتوبر من عام الناس هذا.
وهو توجه ليبرالي متوحش ، لا يملك ابن كيران أسنانه للافتراس لكنه يملك الفم والخطاب.
لقد تقاسم المغاربة توضيحا مهما على هامش الخطاب العرش يعرضون فيه ما قالته الالمانية أنجيلا ميركل التي قالت «إن ألمانيا لن تتقاعس يوما عن الانفاق عن التعليم والاهتمام بالمدرسين مهما كانت التحديات فمدارسنا وجامعاتنا هما ثروة الوطن الحقيقية وأساس قوته وطريقه نحو المستقبل».
لكن يبدو أن بنكيران مع ميكرل ، لن يختلف عن الوفا مع أوباما وسنسمع -ربما وبعض الظن اثم – أن «ميركل باباها والله ما عندهاش الاصلاح ديالنا».
وقبل ذلك ومن بعده فالقضية تتجاوز الهزل.
مؤشر واحد من بين مؤشرات التعامل الحكومة على استصغار الانفاق العمومي في التعليم كشفه تقرير اليونيسكو – وقد اخترناها حتي لا يقال أننا لجأنا الى منطمات تعادي المغرب!!- في يناير المضاي حيث يتبين أن الحكومة لا تضع القضية على رأس اولوياتها، في ما يشبه التنفيد العملي لماقاله رئيسها. وقد تراجع المغرب الي رتبة مخجلة في ترتيب العالمي للنبوغ المدرسي، وذلك بتخصيص 5,4% من الناتج الوطني الخام لفاذدة التربةي الوطنية، مقابل 7% للفيتنام..! مع جمود في نفقات التعليم .
نفس التقرير ينص صراحة على أن سياسة المغرب ما زالت تعتبر التعليم هو «القريب الفقير» بلغة موليير من بين كل القطاعات!
فنحن أمام مشروعين للتعليم الوطني:مشروع يتحلل من أي دعم أو التزام للدولة الوطنية في قضية التعليم الجوهريه وقضايا الارتقاء به وما الى ذلك من قضايا التنمية والبحث العلمي ومشروع ثان يقوم على تعاقد وطني. لا يمكن أن يكون تعاقدا الا اذا كانت السلطة العمومية في صلبه، وإلا لن يكون تعاقدا!
من نقط الخلاف الكبرى بين المشروعين هو أن الذين يدعون الى التحلل من المدرسة العمومية بوضوح يشكرون عليه على كل حال، هم الذين يحرصون على تأثيث الخطاب المرافق للاصلاح بتركيز على الهوية الوطنية!
من المفارق حقا أن الذي لا يقيم للدولة الوطنية دورا ولا قيمة في التربية والسهر على المدرسة العمومية هو نفسه الذي يريد للهوية أن تظل قائمة بدونها؟
ولنا أن نسأل من باب الاستكشاف:كيف نتصور وجود «هوية وطنية» ثابتة في مدرسة معرضة للخوصصة ..؟
هل يراد للدولة أن تخوصص التعليم وتقدمه للرأسمال الهوياتي، un capitalisme identitaire؟
أثبت جدارته في ترويض التعليم الخاص وتوجيهه نحو القاعدة الهوياتية التي يريد وأثبت أنه يخلق، في نهاية المسار مدارس باكثر من سرعة ومجتمعا على حافة الانفجار ما بين المدرسة الوطنية والمدرسة الخصوصية – الجزائر في 1981و1990 كنموذج ؟
هناك حاجة الى نقاش جدي، حول من يريد أن تكون الهوية هي الجدول الوحيد الرسمي في المدرسة، كما لو أن المغاربة لن يعرفوا أنهم مغاربة أو مسلمين الا انطلاقا من أول سنة لهم في المدرسة أو ما داموا يتوافدون عليها!! وبين من يريد للمغاربة -منذ قرون عديدة- أن يتلقوا المدرسة التي تعفيهم من نفقات مثقله لهم، تفتح لهم في المقابل بناء طبقات وسطى قادرة على النهوص بالبلاد .. وتلك قضية أخرى!

أسئلة ملك البلاد وأجوبة الواقع 2 – سؤال الثروة والفقر

في عيد العرش من السنة الماضية وضع الملك سؤالا غير مسبوق على لسان الملوك:أين ثروة بلادي؟
وهو سؤال استنكاري،جاء نتيجة التصنيف المفترض للبلاد ضمن الدول التي شملها موضوع دراستين قام بهما البنك الدولي على مرحلتين، لقياس الثروة الشاملة لحوالي 120 دولة، من بينها المغرب. وقد خلص هذا البنك إلى أن بلادنا “في المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي، وبفارق كبير عن بعض دول المنطقة”.
وليس سؤال الثروة سوى سؤال توزيعها، في المنظور الاستنكاري الذي تكلم به رئيس الدولة وضامن استقرارها، ترجمه الاستفهام المحايث: “هل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط ؟ “.
من الواضح أن الإستفادة التي كان من المفترض أن تسري على الجميع انحسرت في فئة محدودة.
جلالة الملك بدوره يعي نفس الأمر منذ سنة، عندما قال إن “الجواب عن هذه الأسئلة لا يتطلب تحليلا عميقا : إذا كان المغرب قد عرف تطورا ملموسا، فإن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة”.
ولذلك كان لا بد من دراسة مغربية ميدانية ،لضرورة اعتمادها كمعيار أساسي خلال وضع السياسات العمومية وهي الدراسة التي طالب بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وربطها بإجراء الإحصاء العام للسكنى ..
فهل ربح المغرب منذ 2014 , منذ خطاب العرش والاحصاء والرجة التي احدثها سؤال ملكي حول الثروة – الشبح؟
في البدء كان الأمر يتعلق بمفاهيم تبدو مجردة:الثروة الاجتماعية، السعادة، والرخاء ..ثم زاد الالتباس في الأذهان عند الحديث عن الرأسمال اللامادي..الذي بدا أنه يضع المغرب في رتبة جيدة بنسبة حددها العارفون في 87٪، من أصل 80 ٪ التي يتطلبها التصنيف ضمن الدول المتقدمة!!
عمليا, ومن حيث الجانب الملموس، يتطلب الأمر تعبئة للفاعلين الاقتصاديين والحكوميين المسؤولين عن الثروة من جهة والمسؤولين عن توزيعها من جهة ثانية.
الموضوع يغري بالحديث، لكنه يقودنا دوما الى النقطة التي يكون فيها الجميع متشابها.وحقيقة الأمر:
1 – إن الجواب يقدمه الواقع كما قرأه الملك نفسه في الخطاب الاخير لعيد العرش وهو يسرد على مسامع الشعب المغربي، بأثريائه وبفقرائه وبمتوسطي المعاناة، النتائج الصعبة والكارثية لدراسة ميدانية عن التوزيع المجالي ،السكاني، حتى لا نقول الطبقي للثروة. ويظهر من خلاله أن هناك فئة تعاني من ظروف الحياة القاسية،
وبدلا من أن يتحدث ملك البلاد، كما كان متوقعا من طرف النخب السياسية والحزبية والانتخابية عن الاقتراع وظروفه, وضع له الملك جدول الأعمال, والهدف منه، اي سياسة الاستفادة من الثروة .. ولذلك وجدنا أن الملك يقدم معطيات غاية في الإحراج للدولة والنخب المجتمعية: فبعد أن تم تكليف وزير الداخلية، بصفته الوصي على الجماعات الترابية، للقيام بدراسة ميدانية شاملة، تم تحديد حاجيات كل دوار، وكل منطقة، من البنيات التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية، سواء في مجال التعليم والصحة، أو الماء والكهرباء والطرق القروية وغيرها.
وقد شملت هذه الدراسة كل جهات المملكة، حيث تم تحديد أزيد من 29 ألف دوار، في 1272 جماعة تعاني من الخصاص. وتم تحديد اهداف السياسة العمومية من وراء ذلك, فتمت دراسة حوالي 800 20 مشروع، تستهدف أزيد من 12 مليون مواطن يقطنون بأكثر من 24 ألف دوار، وبميزانية إجمالية تبلغ حوالي 50 مليار درهم.
2 -بعيدا عن الموضوع, قريبا منه، لم يعد الحديث عن الثروة يرد كموضوع جديد في المشروع الاجتماعي للعديد من القوى السياسية منذ أن نزعت عنه الجوانب المحرمة, اي لم يعد طابو. واصبح موضوع تداول دولي من جهة ومعيارا سياسيا في التصنيف من جهة ثانية، لكنه في الواقع السياسي المغربي أصبح مادة لتجريب الذكاء المؤسساتي في طرح القضايا الشائكة.
ولكن ذلك لم يمنع من أن موضوعة الثروة، انتقلت إلى هذا المصاف، بدون أن تسقط من حسابات التأثير السياسي لدى أطراف جديدة في الساحة الوطنية,فقد أصبحت الثروة رهانا سياسيا لدى قوى سياسة صاعدة ولها قوتها التي تحاور بها الدولة، واصبح مطروحا لديها الحديث عن الحد غير المقبول من التعامل مع الثروة: سواء في الربط بينها وبين القرار السياسي أو في الحديث عن طبيعة النظام كما في حالة العدل والاحسان..
3 – لا يمكن، مهما حاولنا التدقيق أن نحرر مفهوم الثروة أو نخرجه من معادلة الالتباس التي تربطه مع الفقر ، أي معادلة تجمع بين من يملك كل شئ ومن يملك لاشيء. وهو التباس فعلي،تغذيه الدولة كما تغذيه المشاريع السياسية للمناوئين والاعداء الطبقيين وللمعارضين الاسلاميين ، للشعبويات الزاهدة، إضافة الى نوع من التباس استراتيجي بين خلقها وتوزيعها..
وبالرغم من ميل الدولة عادة الى الاستهجان الراديكالي لاستعمال الفقر كثروة سياسية، (ليس غريبا أننا نتحدث عن حساب سياسوي كما نتحدث عن حساب بنكي!) فإن ثمن الثروة التي تثير الشعور بالفقر لها حساب لا يمكن القفز عليه!
4 – يتضح من التوزيع الجغرافي والسكاني للفقر أن الذكاء الوحيد، بعد تعطيل مصعد المدرسة الوطنية وتعطيل العدالة الاجتماعية ، والمسموح به لدى الفقراء والبالغ عددهم 12 مليون مواطن هو الذكاء.. الاجرامي أو الاستسلامي لقدرية فادحة.
فإما أنهم سيعيشون عيشة الكفاف المتوجس لا النبوي، وبالتالي يستسلمون, وإما أنهم يبحثون عن حلول فردية وعادة ما تكون الانتهازية والضعف الوجداني والجريمة بكل ألوانها ، حظهم من أحلام الثروة، لا الثروة !
أو العيش في الضواحي الملتهبة لجغرافيا الثروة، في المدن وفي الحواضر التي تنتعش فيها الثروات الضخمة كاحتياطي نعرف أنه يستعمل من طرف مناهضي السياسة والمواطنة المناهضين للمستقبل!

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 6و7 غشت 2015