من المؤكد أن كل الأحزاب السياسية، وكل اللوائح المرشحة، بصفة عامة، ستقدم برامج ، لعرضها، في حملة الانتخابات الجماعية والجهوية، التي ستنطلق بعد أيام. ولمسألة البرنامج أهمية بالغة في كل الاستحقاقات، لأنها تتيح للناخب الاختيار، بعد المقارنة بين العروض المقدمة.
غير أن التجارب التي عرفها المغرب في العقد الأخير أكدت أن هذه العملية الأساسية في كل الديمقراطيات، أخذ يدخلها التشويه، من طرف تجار وسماسرة الانتخابات، وبنية الممارسة السياسية وأنماط الإقتراع، مما يزكي أولئك الذين يمكنهم أن يتبنوا أي برنامج، لكنهم يراهنون على أساليب أخرى، لجلب أصوات الناخبين، غير الإقناع واحترام الإرادة المستقلة للمواطن.
بل أكثر من ذلك، فإن هناك أحزابا لم تعد تكلف نفسها عناء صياغة برنامج، بناء على اجتهادات خبرائها وأعضائها، بل تبث أن منها من يلجأ إلى قرصنة برامج أحزاب جدية، وإدخال تعديلات عليها، وصبغها ببعض التلاوين، وتقديمها كما لو كانت منتوجا خاصا بها.
ففي الوقت الذي تكون فيه أحزاب معروفة بمصداقيتها، تشتغل على البرنامج، قبل شهور من تاريخ الاستحقاقات، سواء على الصعيد الوطني والجهوي والمحلي، تكون هناك أحزاب أخرى، منهمكة في تحضير الأموال «الحلال» و «الحرام»، ودراسة لوائح الناخبين، بهدف تنظيم عملية توزيع الرشاوى أو الصدقات…
في إطار هذا المنظور، يصبح البرنامج وطبيعة المرشحين مسألة ثانوية، لأن الرهان يرتكز على عملية الشبكات الانتخابية، التي تسودها علاقات زبونية، وارتباطات منفعية أو «إحسانية».
بالإضافة إلى كل هذا، فإن طبيعة التحالفات التي أصبحت مفروضة على الفائزين، من أجل تشكيل مكاتب الجماعات، تساهم بدورها في تهميش أولوية البرامج، حيث نجد أن السمة الغالبة على المجالس المنتخبة، هي عدم الانسجام السياسي والإيديولوجي، بفعل بلقنة المشهد الحزبي وعدة عوامل أخرى، من بينها أنماط الاقتراع المعتمدة.
وكان من الضروري أن تولى لهذه المسألة أهمية قصوى، للبحث عن وسائل وسبل معالجتها في إطار الإصلاحات السياسية، التي كان ينبغي أن تبلور الإصلاح الدستوري، وتمنحه معنى حقيقيا، في عملية البناء الديمقراطي.
غير أن غياب هذا الإصلاح، وكل المؤشرات الأخرى، التي تبدو واضحة اليوم في الحياة السياسية المغربية، تدل على أن البرامج الانتخابية على أهميتها، لن تكون لها الأولوية في حسم الاختيارات، بالنسبة لغالبية الدوائر رغم بعض الاستثناءات التي لن تغير القاعدة.