أستعد لاكتئاب سعيد، لا أعرف من أين سيداهمني.
لكني أهييء له ما يليق من أغاني قديمة لسيدة الهمس الليلكي فيروز، و أهييء يوما غائما أستعيره من شتاء قديم. وسماء خفيضة من مخيلة الرعاة في الجبال الخريفية، وأنتظر كما ينتظر كل الكتاب العموميون في الاسواق تحت خيمة أخلاقية واسعة اسمها المغرب أن يداهمني بطلقات سريعة…
الاكتئاب الضاحك أو السعيد, كما أفضله, يليق بي الآن، في منتصف هذا اليوم، ومنتصف المرحلة كلها، ذلك لأنه الاكتئاب الذي لا يعترف به صاحبه، وكما أخبرني بذلك احد الأطباء الانجليز، في حديث وهمي معه، فهذا المصطلح، الاكتئاب الضاحك هو اكتئاب مريض ما يشخصه الطبيب بأنه مصاب بالاكتئاب، ولكنه لا يبدو كذلك وهو عادة ما لا يقر بالأمر..
إنه الرجل الذي يقول لك:لست مكتئبا ، ثم يتبع ذلك بابتسامة عريضة، تملأ وجهه كله، من الوريد إلى الوريد, لكنها ابتسامه غالبا ما تحلق حزينة..!
إنها وصف دقيق لابتسامتي الآن..
ابتسامة حزينة لكنها مصحوبة بقناع من الشجاعة..
فالعبد الضعيف إلى ربه وشعبه، على غرار كل اليساريين، الذين اعتبروا أن المشروع الديموقراطي الحداثي، كان ملكية فكرية و سياسية لنا، وجدت أنه تم عرضه في سمسرة سياسة مفتوحة بدون علمنا نحن أصحابه، ولعلنا فرطنا فيه واقتصرنا على الشعارات التي تتغنى به، طوال الخريف الذي يسكن مفاصلنا حاليا.. ولكن الزمن الجديد أسعفنا بالرجل الطيب والوديع امحند العنصر, الرجل الذي تولاه عندما صرنا نحن إلى وساوسنا الحمقاء..
و لعل من أعراض الاكتئاب السعيد, أنني أشعر بهزيمة نكراء ضاعت فيها حقوق التأليف والملكية التي كانت لي ولأجيال اليساريين, بها نحضن المشروع هذا، فإذا بنا نرتاح أن هناك من يتولاه غيرنا.. ونرتاح لأننا ما زلنا نعتقد بأن الوضع لم يتغير بعد.. ولم نشعر بأعراض ما بعد عملية البتر التي طالتنا!
لقد صرت بلامشروع ومع ذلك أبتسم..!
ابتسم إذن يا أنا ولا تبال …. بالمشروع..
الطبقة الوسطى بدورها، تركناها وحيدة بعد أن غادرناها إلى دار الفناء السياسي، وأقصد بالفناء هنا الكولوار.. البهو الطويل الذي نتطاير فيه مثل الريش، من فرط الخفة التي أصبحنا عليها..
وكانت الطبقة الوسطي تائهة في الدروب والحارات، منذ أن استضافوها ذات صيف في فندق من خمسة نجوم، ثم ودعوها في الأوراق..
ولولا الرجل الكريم امحند العنصر، مرة اخرى لما وجدناها، بالرغم من كل البلاغات الشديدة اللهجة التي نددنا فيها بنهاية هذه الطبقة الوسطى، التي تشبه الصلاة الوسطى في الديانة الحنيفة..
فحافظ على الطبقات وعلى الطبقة الوسطى،كما تحافظ على الصلوات والصلاة الوسطى..
وقد تجدها بالمثابرة الطبقية التي بقيت لك، تحت برنوس حركي أو لحية تجاوره، في التحالف الاغلبي الجديد..!
ولا تنخدع عندما يصنف رئيس الحكومة هذه الطبقة الوسطى ضمن المترفين، وأنه جاء لإنقاذ الشعب السفلي، وليس للبحث عنها، فهي التي تحمل المصباح لتبحث عن نفسها في ركن جديد من أركان ..الحرب الايديولوجية!
يبدو لي أن اكتئابي السعيد، الذي يليق بالمناضل الطبقي على الطريقة «الطاوية»، مرتبط ارتباطا وثيقا بشجاعة امحند العنصر، لا سيما في غياب شجاعة اليسار والحداثيين والديموقراطيين في أن يتحولواجميعا وفعليا الى محامين عن الطبقة وعن المشروع ,والاكتفاء بشروط اللعبة كما يحدثها اليمين الهجين والرجعية..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من أين تأتي هذه العبارات التي تبعث على الكآبة وتعود بنا إلى زمن الرصاص، ونحن في بحبوحة السعادة والمرح..؟
من أين، إن لم يكن ذلك من عمق اكتئابي السعيد، الذي يصور لي الأشياء مقلوبة: الأبيض يصبح أسود، والهروب يصبح هجوما والانقراض دليل…على الارتقاء الدارويني!
أصدقاء كثيرون سيدفعهم التعاطف المفترض بيننا ,أن يبحثوا لما أشعر به عن دوافع, وعن تعليلات غير علمية ولا شك، منهم من يرى أن الامر يتعلق بالمزاج، والحال أن مزاج البلاد في رونقه، منذ أن قرر محمد حصاد ومصطفى الرميد في شراكة بلاغية جديدة أن المناخ العام الذي تعرفه البلاد بمناسبة الانتخابات جيد وسليم ويستحق التنويه..
والمزاج، هو درجة ارتفاع الصدى العاطفي الذي يعتمده الاطباء كقاعدة في الحكم على النفس البشرية..
ما الحل؟
الحل هو أن أعفي نفسي من أية مسؤولية: وأصرح بشفافية مطلقة أنني لست مسؤولا عن انقراض الطبقة الوسطى ولا عن هزيمة المشروع الديموقراطي الحداثي ولا عن … سلامة المناخ العام.
فلن أضمن نفسي غدا إن سلكت بهذه الجرائم ، بأن اتهم نفسي بأني المسؤول عن اتساع رقعة داعش، وانهيار القيم الوطنية، وتفشي الاطروحات الرجعية وأنني ربما الرجل الواقف خلف ذلك الكرواتي في فيديو الإعدام الذي وزعته الدولة الاسلامية .. في سوريا والعراق.
لست أدري ما سيقوله اليساريون الآخرون في وصفة العلاج، لكني مقتنع أنني كنت في سفر خارج البلاد عندما قتلوا الطبقة الوسطى, وأن السكين الذي ذبحوها به لا يوجد ضمن أدوات مطبخي.. وبالتالي فإن جزءا من الحل هو أن أعلن أن العنصر يساري حتى درجة الاستشهاد.. بالطبقة الوسطى في حرب الجماعات المحلية!

* عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الجمعة 14 غشت 2015