المقصود بالخلفيات هنا الآليات الفكرية الكبرى التي ّيفكر من خلالها “العقل” المتطرف، إذ ليس المقصود هنا خططا فكرية واعية ومقصودة بقدر ما تعني تربة وأرضية فكرية وكيفيات “للتفكير” ودوران المعاني والدلالات في الذهن المتطرف بصورة لا يعيها هذا الذهن بل يدور في سياقها دون وعي واضح.
أما المقصود بالتطرف فهو التشدد في الممارسات والأحكام وتبنى كل ما هو حدي وطرفي في التصور والممارسة. ومن البديهي أن التطرف أو التشدد الثقافي والفكري هو الجذر النفسي البعيد للإرهاب من حيث أن هذا الأخير يرتبط بتموين فكري أو عقائدي وبتمويل يدور في إطار سياسات قصدية مخصوصة.
اليوم يفكر الجميع في الوطن العربي في منابع وحيثيات آفة الإرهاب المستند إلى الفكر الديني المتشدد، حيث ساهمت بعض العقول العربية المستنيرة في هذا الموضوع وخاصة في بعده الثقافي الفكري الذي يشكل النواة والمنبع والمصدر للتطرف قبل أن يُصَبَّ هنا أو هناك في سياقات اجتماعية أو في قوالب سياسية محلية أو إقليمية أو دولية.
وهذه المساهمة المركزة لن تتبع شرايين وتفاصيل آليات وكيفيات التفكير المتطرف بقدر ما ستركز على متابعة آلياته الكبرى.
لكن قبل أن استجمع الخطوط الكبرى لآليات “التفكير” المتطرف سأعرض بعض المساهمات المنثورة في سوق الثقافة العربية دون أن يتم التبئير عليها بشكل كبير لحد الآن بسبب الغرق في الحيثيات والتفاصيل.
كان المفكر المغربي الأستاذ عبد الله العروي قد شخص أزمة المجتمع العربي في إيديولوجياته وبخاصة في النزعة التقليدانية القوية المهيمنة على المجتمع العربي والمتمثلة في الاعتقاد في: – أن النموذج وراءنا لا أمامنا – وأن التقدم في التاريخ هو تجسيد للماضي – أن العلم هو تأويل لأقوال العارفين – أن العمل الإنساني هو إعادة تشخيص لما كان في الماضي وليس إبداعا لأشياء جديدة.
وقد اعتبر العروي هذه الاعتقادات التقليدانية هي جوهر “التخلف الفكري” الذي يضرب جذوره في المجتمع العربي وأن إعادة النظر جذريا في البنية الثقافية التي ذكر بعض عناصرها أعلاه هو السبيل الوحيد لتحقيق التقدم. فالانخراط في الحداثة والعصر لن يتم إلا بقلب التصورات التقليدية وتعويضها بتصورات حداثية للإنسان والزمن والعلم والعمل ولنموذج التقدم.
يلخص المفكر المصري أحمد كمال أبو المجد آليات الخطاب الإسلامي السياسي المعاصر في العناصر التالية: – الترهيب – التعسير – الحرفية وإعلاء المظاهر – إغفال التراتبية في الواجبات – تغليب الاتِّباع على إعمال العقل ? إضفاء طابع مثالي على الماضي مع الذهول عن الحاضر والخوف من المستقبل – احتقار واستصغار الآخر.
يركز هذا التشخيص على السلبيات المتمثلة في تصور الزمن (الانسحار بالماضي وأمثلته وتمجيده) والموقف من العقل ومن الآخر وفي آليات التفسير والتأويل القائمة على التهويل والترهيب وعلى النصية الحرفية وتغليب النقل على العقل. وهذا يقارب التشخيص الذي قدمه المفكر اللبناني علي حرب الذي نعرضه بتصرف هنا والذي لخص هذه الظواهر في:

1- إضفاء طابع درامي (أدرمة) ومأسوي على الدين والغيب وهو ما أسماه أبو المجد بالترهيب والتهويل في تصوير أشكال العذاب التي تنتظر الإنسان ابتداء من أهوال القبر إلى جهنم وباقي أشكال استراتيجيا الترهيب (بدل الترغيب). وهذا العنف هو مصدر كل أشكال العنف الأخرى بما فيها العنف السياسي.
2- إضفاء طابع مثالي على الذات وتمجيدها وطمس عيوبها بما يجعل الثقافة الدينية ثقافة للتمجيد الذاتي.
3- شيطنة الآخر وهي آلية مكملة للآلية السابقة لأن رديف أمثلة الذات وتزيينها هو إسقاط كل السوءات والأخطاء والنقائص على الآخر المختلف دينيا وثقافيا وحضاريا.
4- الحرفية وسيادة المعنى الواحد والأوحد وإغلاق باب التأويل والتفكير النقدي والاختلاف.
أورد أخيرا تشخيصا مماثلا قدمه الباحث المصري صلاح سالم تحت عنوان “الأساطير التأسيسية للإسلام السياسي” يورد فيه أربعة أسس للإسلام السياسي هي النرجسية الحضارية أو الثقافية – الهوية المغلقة – الاعتقاد في وجود مؤامرة كونية ضد الإسلام – الدعوة إلى الجهاد الأبدي.
العناصر الأساسية للبنية الثقافية في بعديها التصوري (تصور العالم – الزمن – التاريخ ? الغير…) والأداتي (العقل – التأويل الحرفية ? الترهيب…) وفي توجهها المحافظ تشكل تربة ومفرخا ومستنبتا حاضنا لظاهرة التطرف ولمشتقها الإرهاب. ومن ثمة ضرورة إعادة قراءة وتأويل وتوجيه جديد لهذه البنية الثقافية في اتجاه تكييفها مع ثقافة العصر، أي ثقافة العقل والحوار والقبول بالآخر المختلف وتثمين الحياة والتصور المستقبلي التقدمي (بالمعنى الحرفي لا الإيديولوجي) للزمن والتاريخ.