ارتبط مفهوم العمل السياسي بالمشروع الجماعي، أي بفكرة كبيرة، إيديولوجية ، وبتصور وطموح متوافق عليه بين أعضاء الحزب، لبناء مجتمع ونظام سياسي، وهو ما يتبلور في البرامج وغيرها من المواقف. غير أن هذا التصور للعمل السياسي أصيب في المغرب، بمرض حقيقي أضعف فكرة المشروع الجماعي، وكاد يحولها إلى مجرد طموحات شخصية، لا تجمع بينها سوى المصلحة الآنية.
ويمكن التمييز بسهولة بين الأحزاب حاملة المشروع الجماعي، وبين تلك التي لا تحمله، والتي لا تعمل إلا على تصريف المشاريع الشخصية بين قياداتها وأعضائها، غير أن هذه العملة الفاسدة تكاد تطرد العملة الجيدة، إذ تسربت أمراض الأنانيات والطموحات الفردية، إلى الأحزاب التي كان منشأها الأصلي مبنيا على فكرة المشروع الجماعي.
وتؤكد المعطيات الرائجة حاليا، سواء في انتخابات الغرف المهنية، أو في التحضير للانتخابات الجماعية والجهوية، أن فكرة المشروع الجماعي مهددة بشكل لم يسبق له مثيل، أمام ممارسات البورصة الانتخابية المفتوحة الآن، والتي تنجح فيها بامتياز الأحزاب التي تركز على تدبير المشاريع الشخصية، حيث تستقطب لها أصحاب الأموال، الذين يتحولون إلى الركيزة الأساسية للمشروع الحزبي.
لذلك أصبح من العبث، اليوم، الحديث عن مكانة حزب معين في الخريطة الانتخابية، لأن المراتب قد تتغير في أية لحظة، عند طغيان نزاعات تدبير الطموحات الشخصية. بل أكثر من ذلك، يصعب في بعض الأحيان تحديد الانتماءات الحزبية، لبعض الكائنات الانتخابية التي تغير عضوية الحزب، بسهولة ويسر، كما تغير لون قميصها.
خطورة هذه الصورة مزدوجة، أولاها هي التأثير السيء لأصحاب المشاريع الشخصية على حسن سير المؤسسات المنتخبة والمسؤوليات العمومية، التي يستولون عليها، وثانيها هي امتداد هذا التأثير السيء إلى بنية الأحزاب التي ينتمون إليها، والتي تحولها إلى هياكل هشة قد تنهار بسرعة، إذا تضاربت المصالح الذاتية.
في إطار هذا الوضع، لا يمكن للملاحظ والمتتبع للحياة السياسية المغربية، أن يعترف بنتائج الانتخابات كمقياس موضوعي لقوة الأحزاب وجماهيريتها وتجذرها، لأن المتغيرات الطارئة والآنية تطغى على المعطيات الثابتة، كما أنه لا يمكن وضع الجميع في قفة واحدة، أي الحكم بنفس القياس على حزب حامل لمشروع جماعي، وحزب منسق بين المشاريع الشخصية.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

  الاثنين 17 غشت 2015