يخلد الشعب المغربي ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير يومه السبت، الذكرى الثانية والستين لمظاهرة المشور، التي جسدت أروع صور النضال والتضحية والتحدي لمؤامرة السلطات الاستعمارية، بإبعاد ونفي رمز السيادة والوحدة جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه وعائلته الملكية الشريفة إلى المنفى السحيق، وتنصيب صنيعة الاستعمار “ابن عرفة”، ظنا منها بأنها بذلك ستخمد جذوة الروح الوطنية، وتفصم العرى الوثيقة والالتحام المكين بين العرش والشعب وتحد من نضالهما المشترك في سبيل الحرية والاستقلال.
وقبل أن تمتد يد المستعمر إلى رمز السيادة الوطنية، اجتمعت لجنة للباشوات والقياد بمراكش، وذلك للتحضير لمبايعة “ابن عرفة”. وما أن وصل إلى علم الوطنيين أن “ابن عرفة” سيتم تنصيبه يوم الجمعة 14 غشت 1953 بمسجد الكتبية بمراكش، حتى هبوا لمواجهة هذه الفعلة النكراء والمؤامرة الدنيئة، حيث شهدت مدينة مراكش غليانا واحتقانا في أوساط الوطنيين والتنظيمات الشعبية.
واستحضارا منها لأبرز محطات هذا الحدث، ذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في مقال بالمناسبة، أن كلا من باب هيلانة وقاعة بنهيض عرفا اتصالات لتشكيلتين رئيسيتين أعطيت الأوامر فيها للمناضلين، بعد أداء القسم للحيلولة بكل الوسائل دون ذكر اسم “ابن عرفة” في خطبة الجمعة بمساجد مراكش. كما جرت اتصالات مباشرة بكل من المسؤول عن تشكيلة قبيلة مسفيوة، وكذا قبيلة تاسلطانت لتبليغ مضمون تلك التوجيهات واستقدام أكبر عدد ممكن من المناضلين والمتطوعين للتصدي لخطة المستعمر بتنصيب صنيعته.
وفي حمأة هذه الظروف، وقعت عدة حوادث بمختلف مساجد مراكش، كان من أهمها حادثة مسجد المواسين، ومسجد الكتبية مما أدى إلى إفشال وإحباط عملية التنصيب يوم الجمعة 14 غشت 1953، وحدا بالسلطات الاستعمارية إلى تأجيلها إلى اليوم الموالي.
وفي يوم السبت 15 غشت 1953 المشهود، هبت حشود المواطنين إلى المشور بالقصر الملكي بمراكش للتعبير عن غضبهم، حيث واجه المتظاهرون دورية من البوليس الاستعماري كانت تجوب المكان. فتدخل أفراد الدورية لتفريق الجموع وإبعادها عن باب المشور، وبدأوا يقذفون القنابل المسيلة للدموع، غير أن المتظاهرين أحاطوا بقوات الاحتلال واشتبكوا معها بكل شجاعة وضراوة. وقد عرفت هذه الانتفاضة المباركة مشاركة واسعة لفئات وشرائح المجتمع المغربي ومنها المرأة المغربية، مثل الشهيدة فاطمة الزهراء التي كانت تزغرد وتهتف باسم السلطان محمد الخامس حاملة في يدها العلم الوطني إلى أن سقطت شهيدة إلى جانب شهداء أبرار سقوا بدمائهم الزكية شجرة الحرية.
وقد ألهبت الشابة الشهيدة حماس الوطنيين وقوت عزائمهم وهممهم في المواجهة والتصدي لقوات المستعمر، الذي شن حملة اعتقالات واسعة في صفوف الوطنيين والمقاومين والمناضلين ومحاكمتهم والزج بأعداد كبيرة منهم في السجون والمعتقلات.
لقد كان لانتفاضة المشور بمدينة مراكش أبلغ الأثر في إرباك مخططات المستعمر، الذي أدرك وأيقن تمام اليقين أن الشعب المغربي ملتف حول العرش، صامد في وجه كل محاولة للمساس بسيادته ومقدساته ورموزه، حريص على عزة الوطن وكرامته. وقد تجددت هذه المواقف البطولية أياما قليلة بعد إقدام قوات الاحتلال على فعلتها النكراء، إذ هب الشهيد علال بن عبد الله يوم 11 شتنبر 1953 بساحة المشور بالقصر الملكي بالرباط ليواجه موكب “ابن عرفة”، مضحيا بروحه دفاعا عن السيادة والكرامة التي هب الشعب المغربي عن بكرة أبيه للذود عنها بأشكال النضال المتنوعة من مظاهرات وأعمال فدائية ومعارك بطولية إلى أن تحقق النصر المبين الذي وعد الله به عباده المؤمنين الصابرين.
وبهذه المناسبة، تؤكد أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير عزمها الراسخ وموقفها الثابت في مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية المقدسة، وتثبيت المكاسب الوطنية والحقوق المشروعة في الاقاليم الجنوبية المسترجعة.
وفي هذا المضمار، استشهدت المندوبية بما ورد في الخطاب السامي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 16 لعيد العرش المجيد: : ” وبخصوص قضية وحدتنا الترابية، فقد حددنا في خطابنا بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، بطريقة واضحة وصريحة، مبادئ ومرجعيات التعامل مع ملف الصحراء المغربية، على الصعيدين الداخلي والدولي. وقد أبانت التطورات التي عرفتها هذه القضية، صواب موقفنا على المستوى الأممي، وصدق توجهاتنا على الصعيد الوطني، حيث سيتم، بعون الله وتوفيقه، الانطلاق في تطبيق الجهوية المتقدمة، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية للمملكة. غير أن هذا لا يعني أننا طوينا هذا الملف. بل على الجميع مواصلة اليقظة والتعبئة، من أجل التصدي لمناورات الخصوم، ولأي انحراف قد يعرفه مسار التسوية الأممي”.
وإن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وهي تخلد هذه الذكرى الغالية في كل سنة، بما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والإجلال، لتتوخى أن تكون هذه المناسبة ومثيلاتها من الذكريات الوطنية الغالية وقفات للتأمل والتدبر واستحضار الجوانب المشرقة من نضالات الشعب المغربي.
كما تخلد المندوبية أيضا يومي 16 و17 ذكرى انتفاضتي 16 غشت بوجدة و17 غشت 1953 بتافوغالت من أجل الاستقلال، حيث اعتبرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير أنه لا يوجد تعبير بليغ عن هذه الانتفاضة المباركة ولا تحليل عميق لها ولا فهم يسبر أغوارها أحسن وأوفى من الذي خص به جلالة المغفور له الحسن الثاني انتفاضة ثورة 16 غشت 1953 بوجدة، حيث قال طيب الله ثراه: “… وكانت وجدة في آخر المطاف يوم 16 غشت 1953 أول مدينة أعطت انطلاقة ثورة الملك والشعب، ذلك الشعب المغربي بكامله الذي كان يحس بأن المأساة قد اقتربت، وأن الصراع قد وصل إلى أقصاه، وأن المسألة سوف تنتهي، ولا بد أن تنتهي إما بنفي الملك أو بتراجع فرنسا…”.
وواصلت بالقول إن انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة وما تلاها من أحداث بركان وبني يزناسن والمناطق المجاورة، أبانت عن مدى التلاحم والترابط القائم بين القمة والقاعدة والذي تجلى في موقف جلالة المغفور له الحسن الثاني وهو آنذاك ولي للعهد الذي كان عقلا مدبرا لهذه الانتفاضة المباركة، مما حدا بسلطات الاحتلال إلى محاكمة جلالته غيابيا.
وفي هذا الصدد، يقول رحمة الله عليه: “… وصار ما صار، وأراد الله أن يكون اسمي شخصيا مقرونا بتلك الأحداث التي جرت في وجدة، الشيء الذي جعلني أحال غيابيا على المحكمة العسكرية ونحن في المنفى…”.
وقد شكلت انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة وانتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت، منعطفا حاسما في مسار الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال وميزت الأدوار الطلائعية للجهة الشرقية في ملحمة الحرية والاستقلال بما قدمه أبناؤها من تضحيات جسام وبدماء شهدائها الأبرار التي سقت شجرة الحرية وافتدت العرش والوطن.
وإن مناسبة تخليد هاتين الذكريين العظيمتين اليوم توحي بواجب التعبئة واليقظة في الدفاع عن القضية الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية وتثبيت المكاسب الوطنية.
وفي هذا المضمار، أبرزت المندوبية ما ورد في الخطاب السامي لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 16 لعيد العرش يوم 30 يوليوز الأخير بخصوص قضية وحدتنا الترابية.
وأكدت المندوبية، في الختام، أن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تخلد ذكرى انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، وذكرى انتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت بإقليم بركان، لتتوخى إبراز المسارات التاريخية للحركة النضالية والتحريرية الحافلة بالبطولات، وروائع الكفاح الوطني والتعريف برصيد الذاكرة التاريخية الوطنية والائتمان عليها لتنوير الناشئة والأجيال الجديدة، بما تزخر به من قيم وعظات ومعاني ودلالات تشهد على عظمة تاريخ الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية والوحدة الترابية المقدسة.