يتفق الكثيرون، إن لم يُجمعوا، على أن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية .. تنتمي إلى مجال الموضوعية، في حين تنتمي الواجبات إلى مجال الذاتية. العلاقة الجدلية المؤكدة بين الموضوعية والذاتية، والتي تعني أن وجود إحداهما مشروط بوجود الأخرى، تضع علاقة مشابهة بين الحقوق والواجبات، والالتزامات القانونية والأخلاقية، إذ للقانون بطانة أخلاقية، هي أساس سموه ووجوب احترامه، من دونها لا يكون عادلاً. فلا واجبات والتزامات قانونية من دون حقوق، والعكس صحيح، إلا في أحد عالمين متناقضين: عالم الاستبداد والتسلط، الذي يتنكر فيه المستبدون لحرية الأفراد وحقوقهم، ومن ثم لإنسانيتهم، ويفرض كل منهم إرادته التعسفية، على أنها واجبات أخلاقية وأوامر إلهية، وعالم تسوده المحبة، ويتطهر من أدران الأنانية، فتغدو فيه الحقوق هي الواجبات عينها، والواجبات هي الحقوق عينها، لأنها تنبع من وجدان الأفراد، وتعبر عن حريتهم وقدرتهم على التشريع لأنفسهم.

تتصل جدلية الحقوق والواجبات بجدلية الضرورة الموضوعية والحرية الذاتية، اللتين تتحول كل منهما إلى الأخرى، في العالم الأخلاقي؛ فإذا كانت الضرورة هي مبدأ العالم الفيزيقي، فإن الحرية هي مبدأ العالم الأخلاقي، (المجتمع والدولة والمجتمع الدولي والجماعة الإنسانية)، وهي التي تضع الضرورة / الضرورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في صيغة علاقات متبادلة ومؤسسات وأعراف ومبادئ وقوانين، وتعمل في الوقت نفسه على نقدها ونقضها وإعادة إنتاجها مرة تلو مرة، فهي بهذا الاعتبار عامل نمو العالم الأخلاقي وتطوره. هذه الجدلية تحكم جميع أشكال النشاط، التي تميز الكائن الإنساني، بصفته فاعلاً في العالمين الفيزيقي والأخلاقي، يسعى إلى تحقيق ذاته، وتملُّك عالمه، بالمعرفة والعمل. ولذلك كانت حياته محكومة دوماً بنوعين من العلاقات في وقت واحد، يحددان قواعد السلوك ومنظومة القيم، ويعيِّنان الحقوق والواجبات: علاقات ضرورية، كعلاقته بالعائلة والمجتمع المدني، ومن ثم، بالدولة ومؤسساتها، تنظمها وتضبطها التقاليد والأعراف والقوانين الوضعية، وعلاقات طوعية تنظمها وتضبطها القيم الاجتماعية والإنسانية؛ الأولى تقوم على مطالب الحرية والمساواة والعدالة، والثانية تقوم على مبادئ المحبة والصداقة الشخصية، والصداقة المدنية. وليس من تعارض بين المطالب والمبادئ، بل إن المبادئ هي الأساس المعرفي – الأخلاقي الذي تنهض عليه المطالب, وما يبدو تعارضاً بين هذه وتلك لا يتعدى التعارض الجدلي، الديالكتيكي، بين الشكل والمضمون.

“المحبة أسمى من العدالة؛ الفرق بين، المحبة والعدالة أن العدالة توجب المساواة والتكافؤ، والاعتدال والتقيد بالحق، على حين أن المحبة توجب أن يريد الإنسان لغيره أكثر مما يريد لنفسه. والإنسان لا يحتاج إلى العدالة إلا إذا فاته شرف المحبة، ولو كان الناس متحابين لتناصفوا ولما وقع بينهم خلاف. وإذا اعتبرنا المحبة مبدأ أخلاقياً عاماً ملازماً للذات الإنسانية والعدالة قاعدة عملية موضوعية ضرورية لضبط علاقات الناس لم يكن بين هاتين الفضيلتين تعارض؛ لأن مبدأ المحبة يصبح في هذه الحال أساس الأفعال العادلة، ولأن قاعدة العدالة يمكن أن تمتد إلى جميع الواجبات حتى تشمل تحديد علاقات المحبة وتحديد صورها القابلة للتنفيذ”[1].

وقد فرق الفيلسوف الألماني، كنت، (كنط) بين قواعد السلوك، في مجتمع معين وشروط معطاة، وبين المبدأ الأخلاقي[2] العام، الذي تصدِّقه الجماعة الإنسانية كلها، وتقبل به، ويمكن أن تلتزمه، على أنه مبدأ استقلال الوجدان وحرية الضمير. في ضوء هذا التفريق، يمكن تفسير الانحطاط الأخلاقي، الذي أسفر عنه الاستبداد عامة و”الاستبداد الكلي” خاصة بعاملين رئيسين:

الأول هو تردي شروط الحياة الإنسانية في المجتمع المعني، وتعميق اغتراب الإنسان وتشييئه واعتباره موضوعاً للسلطة ووسيلة لتحقيق غاياتها، (المجتمع السوري مثالاً).

والثاني هو انقطاع الصلة بين قواعد السلوك، التي يمكن ملاحظتها ووصفها وقياسها، وبين المبدأ الأخلاقي العام، أو القانون الأخلاقي. فلا تفتأ الأخلاق تتعرض لألوان من الفساد لا حصر لها، ما بقيت مفتقرة إلى مقياس أو معيار أعلى، معيار إنساني عام، لا بد منه للحكم عليها حكماً صحيحاً[3]. القانون الأخلاقي أو المبدأ الاخلاقي العام، الذي يتأسس على “الإرادة الخيرة”، هو ما يفتح إمكانية تطوير قواعد السلوك، في هذا المجتمع أو ذاك، وتحسينها وترقيتها.

يُفترَض أن الدين الروحي هو ما يولد الإرادة الخيرة؛ ولكن الأرثوذكسيات عامة، وجماعات “الدين السياسي” خاصة، إسلامية وغير إسلامية، تقرر كل منها مبادئ الحق والخير والأخلاق، وفق اقتناعها الذاتي وأيديولوجيتها، وتعتبر قواعد السلوك، التي تعتمدها، وتسميها “الشريعة”، هي نفسها القانون الأخلاقي، الذي على المجتمعات كافة أن تلتزمه وتخضع له، فتسقط في نوع من عدمية أساسها إحلال الخاص محل العام، والنسبي محل المطلق. العام والمطلق حدان ضروريان عقلياً وأخلاقياً على الخاص والنسبي؛ “فمن ليس في فكره وفي روحه المطلق يحول نسبيَّه إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد”، وفقاً لرؤية الياس مرقص، من سوريا. ويمكن القول اليوم: من ليس في فكره وفي روحه العامُّ والمطلقُ، يحول خاصَّه إلى عام، ونسبيَّه إلى مطلق، وتلكم هي العدمية، وذلكم هو الإرهاب. العدمية، سمة الإرهاب الأساسية وجذره المعرفي والأخلاقي. فالإرهاب ليس ظاهرة عابرة، في المجتمعات التي يمارس عدميته فيها، اليوم، فقط، بل إمكان قائم بالقوة في سائر المجتمعات التي لم تصفِّ حسابها مع الاستبداد واحتكار القلة لمصادر السلطة والثروة والقوة، ومنها مجتمعات متقدمة بالطبع.

السلطة الشمولية المطلقة، بما هي فساد مطلق بوجه عام، وفساد أخلاقي مطلق، بوجه خاص، قتلت في محكوميها كافة، بما في ذلك من يوالونها، أشخاصهم القانونية، ثم قتلت فيهم أشخاصهم الأخلاقية، وحولتهم إلى كائنات توتاليتارية، بتعبير حنه أرندت[4]، وموضوعاً هامداً ومطاوعاً لإرادتها التعسفية. وما كان لهذه السلطة أن تتمكن من ذلك لولا تحويل الحقوق إلى امتيازات ومنح وهبات ومكرمات، يجب أن تقابلها “واجبات”، هي الولاء والطاعة والامتثال والإذعان، وهذا مما حدد على نحو حاسم قواعد السلوك الاجتماعي والسياسي، في المجتمع السوري، على مدى أربعة عقود ونيف، وكذلك المجتمعات التي تشبهه من هذا الوجه أو ذاك.

يختلف معنى الوجوب، في مقولة “الواجب” اختلافاً جذرياً بين وجوبين:

الأول، وجوب قسري، هو إذعان وامتثال وخضوع لسلطة خارجية، بدءا من سلطة الأب والأخ الأكبر، وسلطة الرجل على المرأة والذكر على الأنثى، إلى سلطة المستبد، مروراً بسلطة الزعيم الشخصية والمباشرة، وسلطة الشيخ على المريد، بما هي العلاقة النموذجية لعلاقات السلطة الأخرى،[5] وسلطة المعلم، أو السلطان البيداغوجي، وسيطرته الناعمة[6] … تتشكل بموجب هذه جميعاً أخلاق الطاعة أو “أخلاق العبيد أو التابعين”، وأساسها التنكر لذاتية الفرد، أي لحريته واسقلاله الذاتي، والنظر إليه ومعاملته على أنه موضوع للسلطة وأداة ووسيلة لتحقيق غاياتها. وهذا ما يعيِّن معنى الواجب، في المركب الرمزي للاستبداد الديني والاستبداد السياسي.

والثاني، وجوب وجداني، ينبع من إرادة خيرة، حريتها النسبية واستقلالها النسبي هما شرط خيريتها، واتجاهها إلى أهداف وغايات عامة، على صعيدي المجتمع المعني والجماعة الإنسانية كلها، هو قوام هذه الخيرية ومغزاها الأعمق. الشخص الحر أو الحرة والمستقل أو المستقلة، وحده من يستطيع أن يشرِّع لنفسه، ويلتزم القانون الأخلاقي الذي يضعه لأفعاله، ويحدد بموجبه أهدافه وغاياته، بصفته وصفتها شخصاً (فرداً) وكائناً نوعياً في الوقت ذاته. ولا يختلف الأمر عن ذلك، في الحقل السياسي، في مجتمع ديمقراطي، يشرع فيه الأفراد لأنفسهم عن طريق مندوبين ينتخبونهم انتخاباً حراً، وبوسعهم مساءلتهم ومحاسبتهم وسحب الثقة منهم.

يلاحظ أن قواعد السلوك والقيم الحاكمة، ومنظومة الواجبات القسرية المؤسسة على الولاء والبراء، التي تفرضها السلطة الشمولية، بجميع أدوات الفرض وأساليبه، وتقرنها بالوطنية، تتفق مع قواعد السلوك والقيم الحاكمة، التي تفرضها الجماعات المتطرفة في مجالات نفوذها. آية ذلك أن تلك السلطات وهذه الجماعات تجعل من قتل المختلف أو استتباعه وإهانة كرامته واجباً أخلاقياً، وطنياً أو دينياً. هذه القواعد وتلك تنبثق من المركب الرمزي للاستبداد، الذي تنهل منه البنى البطركية، بما تنطوي عليه هذه البنى من تراتبية هيرارشية، وسلطة / سلطات شخصية، وتفاوت في الثروة والمكانة، وهدر لإنسانية أفرادها.

 

[1]– جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982، الجزء الثاني، ص 58 وما بعدها.

[2]– إيمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل، نسخة إلكترونية ، بلا تاريخ ، ص 26

[3]– كانت، المصدر السابق، ص 38

[4] –  حنة أرندت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1993، ص 31 وما بعدها.

[5]– راجع/ي، عبد الله حمودي، الشيخ والمريد، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال، الدار البيضاء، ط 4، 2010، ص 12.

[6] – راجع/ي، بيير بورديو وجان كلود باسرون، إعادة الإنتاج، ترجمة ماهر تريمش، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص 234، وما بعدها.

       * عن “مجلة ذوات”