كانت ثورة ملك وشعب . ملك رفض الانصياع للمستعمر ولسياساته ومخططاته . وشعب ساند ملكه وتشبث به مؤسسة شرعية للبلاد . شعب عاهدت حركته الوطنية بأن تلتحم معه من أجل الاستقلال، مرجعها الوثيقة التاريخية التي تم توقيعها في منتصف أربعينيات القرن الماضي تطالب فيها سلطات الحماية بالرحيل عن المغرب.
اليوم 20 غشت تحل ذكرى ثورة الملك والشعب . ففي مثل هذا اليوم من سنة 1953 حاولت فرنسا القوة المستعمرة للبلاد أن تمس بالملك محمد الخامس وتنصب فوق العرش شخصية تابعة منصاعة طيعة لها . لكن الشعب المغربي بمختلف فئاته ، في المدن والقرى ، في المعامل والمدارس … رفض صنيعة باريس وخرج في مظاهرات صاخبة لم تخفه لعلعة الرصاص ولا صوت الدبابات . وقدم شهداء سقت دماؤهم أرض الوطن، ومعتقلين غصت بهم السجون، ومنفيين حرموا من استنشاق هوى المغرب. ووجد في صمود ملكه محمد الخامس وفي وفائه لشعبه، الشحنة التي عززت النضال وأشعلت جذوة المقاومة .
اليوم تمر أكثر من ستة عقود على ذلك اليوم ،وتلك المؤامرة لاتزال القيمة التاريخية والدروس المتمخضة عنها ساطعة وهاجة، مغذية لروح الارتباط الوثيق بين الشعب والملك . والاحتفاء كل سنة بالمناسبة فرصة جديدة لتعزيز هذا الارتباط وإبراز جذوره وأعماقه السحيقة . ومن بين الدروس :
– أن المغاربة وهم يعيشون الحدث وقتها كمحطة من محطات المقاومة من أجل الاستقلال، كان من بين أولوياتهم بناء مغرب جديد ديمقراطي مستقر وآمن . لم يبخلوا بالتضحيات من أجل ذلك . كانت قواهم السياسية والثقافية والدينية ورموزهم تلتف من أجل أفق واحد هو هذا المغرب الذي وهبوا أرواحهم فداء له.
– أن تتوفر البلاد على استقلالية القرار السياسي والاقتصادي وتفك الارتباط بمؤسسات المستعمر وامتيازاته ومخططاته . لذلك شهدت الخمس سنوات الاولى من الاستقلال، تأسيس القوات المسلحة الملكية والأمن الوطني وسن سياسات وطنية أنشئت بمقتضاها منشآت في مجالات الصناعة والمال والفلاحة …
أن تكون آليات دمقرطته سليمة في التنافس وفي التدبير . وأن تستثمر روح التطوع التي شهدها الانخراط في المقاومة وجيش التحرير في المظاهرات والمواجهات من أجل خلق توازن مجالي في البنيات وارتباط بنيوي بكل المناطق ، ومن مبادرات ذلك شق طريق الوحدة والحرث الجماعي التويزة ….
أن يتم التوزيع العادل للثروة دون تفاوتات وهوات سحيقة تفرز طبقات ومحظوظين واقتصاد ريع وتوظيف لإمكانيات الدولة للمصالح الخاصة . ولنا في العودة للبرامج الحكومية ومخططاتها في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضى، شهادات على هذا التوجه . توجه كان يسعى إلى هذا التوزيع العادل .
اليوم هذه القضايا مطروحة بإلحاح . ففي الخطب الملكية بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب وفي عيد العرش تشكل هذه القضايا محورا رئيسيا في التساؤل والتقييم والتحليل . خطب تضع الأصبع على الجروح التي خلفتها سياسات حكومية متعاقبة ، وفاقمت أوضاع قطاعات وأفرزت أغنياء جدد راكموا ثرواتهم من المال العام أو المال الحرام، من التهرب من التزاماتهم تجاه الدولة والمجتمع.
ذكرى ثورة الملك والشعب هذا العام تأتي والمغرب يعيش على إيقاعات استحقاقات هامة ، كان من المفروض أن تكون البلاد قد قطعت مع سلوكات وممارسات الفساد والإفساد أو لنقل بلورة روح 20 غشت . لكن كل المؤشرات تفيد بأن توظيف المال لاستمالة الناخبين، بل والمنتخبين، نزل بقوة تفقد هذه الاستحقاقات قيمتها .
لقد أخلف المغرب مواعيد تاريخية كثيرة وبالتالي لم يتم إعمال تلك الروح التي صاغتها ثورة ملك وشعب تعاهدا على الوفاء لقيمها . لأن بنية الفساد وجدت لها مواقع قدم في الأنسجة السياسية والاقتصادية، وعرقلت تقدم وتنمية البلاد.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  • الخميس 20 غشت 2015