صار مألوفا لدى فئة من المغاربة، أن تجد نفسها كلما حل موسم الانتخابات، غارقة في دوامة التفكير المؤرق، ينتابها القلق العميق على مستقبل البلاد والعباد. فيما السواد الأعظم، لاسيما في الأوساط الشبابية، لا يولي كبير اهتمام للاستحقاقات الانتخابية برمتها، ومما زاد المغاربة سخطا، تلك الوصلة الإشهارية اليتيمة، الداعية بتكرار ممل إلى المشاركة، حيث أراد لها “مبدعوها” أن تكون وصفة سحرية، لمعالجة معضلة العزوف الانتخابي، معتقدين أنها وحدها كفيلة بإعادة الثقة إلى النفوس اليائسة…

     وإذا كان من مسؤولية الأحزاب السياسية، تأطير المواطنين وتكوين الأطر الحزبية في اتجاه تأهيل المشهد السياسي بالبلاد، والسعي إلى تخليق الحياة العامة، فمن الطبيعي انكباب قادتها على التحضير الجاد والمسؤول للانتخابات، في أجواء شفافة تسودها روح الديمقراطية، أثناء تشكيل لوائح الترشيح، باعتماد الأفضل من بين المناضلات والمناضلين، وتكوين نخب سياسية جديرة بالاحترام ونيل ثقة المواطنين، ذات مصداقية وخبرة ميدانية وكفاءة علمية، وقادرة على تحمل المسؤولية وحسن تدبير الشأن العام والحكامة الجيدة، لخوض غمار المعركة الانتخابية بحكمة ونزاهة. وطبيعي أيضا أن تتصارع الأحزاب فيما بينها لحصد نتائج مرضية، بيد أن ما لم يعد يستسيغه مغاربة القرن الواحد والعشرين، هو استمرار هيئات سياسية كثيرة في تهميش الطاقات الشابة، والاستناد إلى المحسوبية وأصحاب النفوذ المالي والإداري لتصدر اللوائح، والانخراط في سباق محموم صوب حصد نتائج تخول لها الاستيلاء على رئاسة أكبر عدد من الجماعات والجهات…

     فمن الغريب، تحويل دكاكين اعتاد أصحابها على استغلالها في بيع “الأضحيات” خلال فترة عيد الأضحى المبارك، إلى ملحقات حزبية للاستقطاب والسمسرة. والأكثر غرابة من ذلك، أن الأمر لم يعد مقتصرا على المتاجرة بأصوات الناخبين، بل تعداه إلى ما هو أخطر وصار يشمل حتى المرشحين أنفسهم، مما شجع على تنامي ظاهرة الترحال السياسي…

     وتكتسي الانتخابات أهمية بالغة في إرساء قواعد الديمقراطية، كما تشكل وسيلة حضارية في ترسيخ مفهوم التعاقد السياسي، لما تتيحه من إمكانات لتجديد الفاعلين السياسيين في إدارة الشأن العام، عبر صناديق الاقتراع، غير أن بلادنا للأسف الشديد راكمت الكثير من السلبيات، جراء ما عرفته الانتخابات السابقة من ميوعة وخروقات، إذ كانت الإدارة تتحكم في صنع مجالس على المقاس، وكان التباري بين المتنافسين يتحول إلى سوق نخاسة، يصبح فيه المواطنوان مجرد أصوات انتخابية خاضعة للمزايدة، مما أساء إلى المعنى الحقيقي للديمقراطية وأخل بمشروعية التمثيل الديمقراطي، عن طريق استعمال المال الحرام في شراء ذمم الأبرياء من الأميين والفقراء، وأدى إلى ما نراه اليوم من ترد في الخدمات ونهب وتبديد المال العام، وعزوف انتخابي قاتل…

     وعلى الرغم من قتامة الصورة الحالية، فإن الأمل معقود على أن تشكل انتخابات الرابع شتنبر، بارقة أمل تبعث على التفاؤل بالمستقبل، سيما وأنها أول استحقاقات انتخابية في ظل دستور خص مجالس الجهات والجماعات المحلية باختصاصات واسعة، وتجرى تحت إشراف أول رئيس حكومة وأمين عام حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية، السيد عبد الإله بنكيران، ويراقبها على المستوى القانوني عضو الأمانة العامة بنفس الحزب ووزير العدل والحريات، السيد: مصطفى الرميد. فالرهان الأكبر، هو أن تتضافر جهود الجميع كل من موقعه: سلطات عمومية، أحزاب سياسية، منظمات نقابية، جمعيات المجتمع المدني ومواطنون… والسهر على جعلها لبنة أساسية في تعزيز البناء الديمقراطي، وأن تتميز بكثافة المشاركة لاختيار النزهاء من المرشحات والمرشحين، المؤهلين لتحمل المسؤولية باقتدار وأمانة، وبأن تكون نظيفة وخالية من مظاهر الفساد والتلاعب بمشاعر المواطنين. إنها فرصة تاريخية لضمان نهضة اقتصادية ومجتمعية ومهنية… ومناسبة ثمينة لتأمين المستقبل المشرق.

     إننا نريد لانتخابات هذه السنة أن تكون استثنائية، وخطوة حاسمة في اتجاه الانتقال الديمقراطي، لتساهم في استرداد ثقة المواطنين. وعليه، يتعين على المسجلين في اللوائح الانتخابية من الجنسين ومختلف الأعمار، التشمير على سواعد الجد وإظهار اعتزازهم بمغربيتهم والتعبير عن روح المواطنة الصادقة، بالتصدي لكافة أشكال العبث الانتخابي. فإلى متى سنظل منعزلين، وننتظر نضج الشروط دون المشاركة في إنضاجها؟ وإلى متى سيستمر موقفنا سلبيا والإلقاء باللائمة على الآخرين؟ إننا باستخفافنا المفرط، نتحمل وزر ما بلغناه من سوء التدبير والتسيير، وإغراق البلاد في بؤر الفساد. علينا ألا نبقى نتفرج على ما آلت إليه الأوضاع من تأزم، وأن نحاول تجاوز المعيقات وبث بذور الأمل في نفوس بناتنا وأبنائنا، والمبادرة بحماس إلى تعبيد السبل نحو النماء والرخاء، وبناء مغرب ديمقراطي حداثي ومجتمع جديد، تعمه الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

     لقد حان وقت التصالح مع ذواتنا والقطع مع العهد البائد، عهد التسيب وتزييف الحقائق، عهد تزوير إرادة المواطنين واستغلال أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية المزرية، وعهد الخرائط الانتخابية المطبوخة بشكل استفزازي. وعلى مجموع الناخبين الصادقين، التخلص من قيود اليأس والإحباط، والإسراع بولوج عهد الديمقراطية عبر حسن الاختيار والمشاركة في التصويت. وعلى الشباب، باعتباره طاقة بشرية خلاقة وعنصرا فاعلا في التنمية ورفع التحديات، الاندماج في هذه العملية الانتخابية بجدية، والإدلاء بصوته للإسهام في مسلسل الإصلاحات، الذي انخرط فيها المغرب بقوة، وتضييق الخناق على المرتزقة ومحترفي الانتخابات، الذين لا هم لهم سوى الاغتناء غير المشروع،  وتحقيق مصالحهم الذاتية وقضاء مآرب المقربين منهم…

     فتواصل مسلسل ظاهرة العزوف الانتخابي، سيسمح بتمديد عمر الواقع المرير وتعميق الجراح، ويشرع الأبواب والنوافذ أمام المفسدين للعودة من جديد، مانحا إياهم الشرعية التمثيلية وفرص امتصاص دماء العباد واستنزاف ثروات البلاد، ورهن مستقبل الأجيال الصاعدة للمجهول، فضلا عن تعطيل عجلة الانتقال الديمقراطي، الذي طالما ناضل من أجله تحقيقه الشرفاء والمخلصون للوطن العزيز…

     فتعالوا نتمرد ضد مواقفنا السلبية ونقهر سلطة المال والاستغلال الديني، وأن نتصف باليقظة والتنديد بالممارسات المشبوهة، وتوعية المواطنين وتحذيرهم من بائعي الأوهام وأصحاب الشعارات الجوفاء، ورصد مختلف أنواع الانتهاكات الانتخابية وإثباتها بالصورة والصوت ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي، لردع المخالفين والحيلولة دون مقاصدهم، والاحتكام إلى صوت الضمير في اختيار الأنسب من البرامج الواقعية، واللوائح القادرة على إحداث النقلة النوعية المأمولة…

     ومن هذا المنطلق، يمكن الجزم بأن المشاركة في الانتخابات، تعد من أبرز الأدلة على نضج الوعي الانتخابي لدى المواطن، وتعبير صادق عن وطنيته ومدى إيمانه بالديمقراطية، وخاصة إذا كان التصويت حرا ونزيها، بعيدا عن المغريات والأضاليل، ويحفظ للإنسان كرامته وعزة نفسه.

      وخير الختام، ما ورد على لسان ملك البلاد محمد السادس في خطابه السامي يوم: 20 غشت 2015، بمناسبة الذكرى الثانية والستين لثورة الملك والشعب، حيث قال: “إن التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة عليكم أداؤها، فهو وسيلة بين أيديكم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأموركم أو لتكريس الوضع القائم، جيدا كان أو سيئا”