معركة الاتحاد لا يحددها خصومه، بل مشروعه المجتمعي وتحديات الواقع المغربي، في كافة أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والمعركة الانتخابية الجديدة، هذه الأيام، مناسبة ليبرز للجميع، أننا، قد دخلنا مرحلة فرز أكبر، مجتمعيا، بين تيارين كبيرين: تيار الحداثة وتيار المحافظة. وهو الفرز، الذي الفضل في بروزه بوضوح أكبر، راجع إلى ما أصبح مكسبا سياسيا لكل المغاربة، المتمثل في حرية التعبير والتجمع. أي أن ثقافة حقوق الإنسان، أصبحت خبزا مشتركا بين كل أفراد المجتمع المغربي، في الدولة وفي المجتمع، بنسب عالية.
أليس ذلك راجعا، إلى العمل الطويل النفس الذي قامت به الحركة الاتحادية، منذ مؤتمرها الاستثنائي لـ 11 يناير 1975، المتأسس على «استراتيجية النضال الديمقراطي»؟، وأن الفاتورة كانت غالية، رغم إنكار الكثيرين اليوم لذلك، موهمين الناس، أنهم المنقذ من الضلال، وأنهم الأولون والآخرون، في «الطهارة الأخلاقية». إن ما نعيشه مغربيا، من إفراز واضح لتيارين في المجتمع (محافظ وحداثي)، إنما يقدم الدليل على أن المعركة السياسية تدار بتقنيات مختلفة عن الكلاسيكي من أدوات الاشتغال الحزبي لما قبل حكومة التناوب، التي قادها، ودشن مشروعها حزب الاتحاد الاشتراكي.
ضمن هذا الأفق، نقول إن معركة الاتحاد لا يحددها خصومه، بتعدد أولئك الخصوم، ضمن المركب المصالحي التقليدي المحافظ، المسنود بالكثير من آليات مافيا الفساد والإفساد. وحركة مثل الحركة الاتحادية، التي قد تتعب أحيانا (تخطئ وتتعلم من أخطائها)، لكنها لا تموت أبدا، لأنها مشروع مجتمعي يفرزه الواقع الملموس للمغاربة. بالتالي، فإنه حين يطرح الاتحاديون اليوم، أمام الناخبين المغاربة، بمناسبة انتخابات 4 شتنبر الجماعية والجهوية، مشروعا للتنمية المحلية والجهوية، مسنودا على خلاصات تجارب تدبيرية محلية جد غنية لتسييره لعدد من كبريات البلديات بالمغرب، فإنه يطرحه ضمن أفق واضح للحداثة السياسية، التي عمادها أن الديمقراطية المحلية هي الإسمنت الصلب لترسيخ الخيار الديمقراطي المؤسساتي بشكل لا رجعة فيه.
نعم، هي معركة طويلة النفس، تستنزف الكثير من الإرادات والطاقات، لكن البوصلة اتحاديا واضحة. والمواطنون المغاربة، بما راكموه من خبرة سياسية، ومن وعي سياسي، ممحصون جيدون للصالح وللطالح من المشاريع السياسية الحزبية. وهذا هو ما يجعلنا موقنين أن دروس المعركة الانتخابية الجديدة، تقدم بعضا من الأدلة الجنينية على أن معركة المغاربة من أجل غد أفضل، قد بدأت تفرز جيلا جديدا من الفاعلين السياسيين، سيجعل المشاركة أكبر يوم 4 شتنبر القادم.
لنجعل، إذن، من موعد الجمعة القادمة، موعدا للحسم في بلورة اصطفاف أكثر وضوحا بين مشروعي الحداثة والمحافظة مغربيا. وعلى القوى الناخبة، الغائبة عن التصويت في معارك سابقة، أن تدرك أن غيابها اليوم أشبه بالجريمة، لأنها تساهم بشكل أو بآخر في عدم الحسم في رسم خريطة المغرب القادم. المعركة هي معركة بين الحداثة والمحافظة، وهي معركة بين منطق الدولة ومنطق مافيا الإفساد. لنشارك بكثافة إذن يوم الجمعة المقبل في التصويت.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

 الاربعاء 2 شتنبر 2015