حين الاقتراب العلمي من الظواهر الاجتماعية المختلفة، وبالذات تلك الظواهر الاجتماعية، التي تحتاج إلى علاج ومقاربة علاجية، بحيث إن امتداد وانتشار هذه الظواهر يعد خطرا أخلاقيا أو اجتماعيا أو سياسيا. لهذا ثمة اهتماما منهجيا إزاء هذه الظواهر حتى لا تستفحل وتتحول إلى مأزق أمني أو اجتماعي أو سياسي.

وهناك منهجان أساسيان في التعامل مع هذه الظواهر. المنهج الأول هو الذي يكتفي بالاستناد في سبيل المعالجة أو الحد من اتساع دائرة هذه الظواهر المجتمعية السلبية على الوازع الأخلاقي، والاكتفاء بالموعظة الأخلاقية التي تستهدف التفكيك الأخلاقي لهذه الظواهر المجتمعية السيئة.

وفي سياق التعامل مع الموعظة الأخلاقية بوصفها علاجا لهذه الظواهر الاجتماعية، تتسع دائرة صناع الموعظة الأخلاقية.

بمعنى أن الاستناد إلى الموعظة الأخلاقية لعلاج الظواهر المجتمعية السلبية، هو الذي يساهم في توسيع دائرة الخطاب الديني بوصفه هو الخطاب الذي يعتني بالأمور والدوافع الأخلاقية لأية ممارسة مجتمعية.

ويغيب عن هذا المنهج النزعة التحليلية، التي تحاول فهم هذه الظواهر من داخلها عبر استدعاء كل العلوم والمعارف الضرورية لتحليلها، ومن ثم الوصول إلى آليات عمل علاج مناسبة، فالموعظة الأخلاقية ضرورية في معالجة سلبيات المجتمع، ولكن الاكتفاء بها، هو الذي يجعل كل الظواهر المجتمعية السلبية تتسرب إلى القاع الاجتماعي وتمارس دورها السلبي دون أن ندرك ونعي ذلك.

وهذه الحالة بالذات تتواجد بكثافة في المجتمعات المصبوغة بصبغة دينية، أو تلك المجتمعات التي يمكن وصفها أنها مجتمعات محافظة.

بمعنى أن نزعة المحافظة هي التي تسوغ وتبرر الاكتفاء بالموعظة الأخلاقية بوصفها هي وسيلة العلاج الوحيدة القادرة على إنهاء كل الظواهر السلبية والسيئة في المجتمع.

ولكن كل خلل اجتماعي يصل إلى مستوى الظاهرة، لا يمكن للموعظة الأخلاقية وحدها أن تعالجها أو تصف وصفة علاجية مناسبة لها. فليس كل الظواهر المجتمعية السيئة وليدة الانحراف الأخلاقي، بل قد تكون في أحيان كثيرة، تعبيرا عن خلل اجتماعي سياسي، اقتصادي. ولكن هذا الخلل يعبر عنه بممارسة اجتماعية أو اقتصادية ليست سوية. لهذا ومع إدراكنا لأهمية الأخلاق في ضبط النزعات الشريرة لدى الإنسان الفرد أو الجماعة، إلا أن الموعظة الأخلاقية وحدها، غير قادرة على معالجة كل الظواهر المجتمعية السلبية.

وإن معالجة هذه الظواهر بحاجة إلى مقاربة تحليلية تستند إلى عدة معرفية ومنهجية توصلنا إلى تفسير صحيح لهذه الظواهر السلبية. وعلى ضوء التفسير الصحيح للظاهرة يتم تقديم وصفة علاجية صحيحة.

والأخلاق هي جزء من العلاج وليس كل العلاج. بمعنى أن تنمية النوازع الأخلاقية الحسنة في المجتمع تساهم في معالجة كل الظواهر السيئة في المجتمع. ولكن الاكتفاء بهذه النوازع وحدها لن يوصلنا إلى معالجة سليمة لكل الظواهر المجتمعية السيئة.

والمنهج الآخر لمقاربة ومعالجة الظواهر السلبية في الفضاء الاجتماعي. هو ذلك المنهج القانوني الذي يحول القانون إلى سلطة معنوية ومادية لضبط المجتمع ومنع التعديات بسلطة القانون.

وفي تقديرنا أن استفحال بعض الظواهر المجتمعية السلبية في المجتمع، يعود في بعض جوانبه إلى اهتراء أو ضعف سلطة القانون، وبالتالي تتوفر الجرأة لدى أفراد المجتمع لاختراق القانون أو ممارسة ما يعاقب عليه القانون.

إننا نعتقد أن إعادة الاعتبار إلى القانون وسلطته بالمجتمع، هو أحد المداخل الأساسية لمعالجة الكثير من النتوءات وبعض الممارسات السيئة الموجودة في الفضاء الاجتماعي.

وفي سياق العمل على إعادة الهيبة إلى سلطة القانون في مجتمعنا نود التركيز على النقاط التالية:

لا يمكن أن نحقق سلطة القانون بفعالية تامة، بدون تفعيل سلطة المراقبة والمحاسبة. فالمدخل الطبيعي لإعادة الاعتبار إلى سلطة القانون في المجتمع، هو في تفعيل دور ووظيفة المؤسسات الرقابية والمحاسبية في المجتمع. وإن تطبيق القانون على جميع أفراد وشرائح المجتمع، هو الذي يعيد الاعتبار للقانون وسلطته.

وما أحوجنا اليوم إلى تنشيط دور هيئة نزاهة ومكافحة كل أشكال تجاوز القانون. فقوة المجتمع الحقيقية نابعة من القدرة على تنفيذ القانون على المجتمع. ولا فعالية للقوانين في كل الدوائر والهياكل الإدارية والوظيفية إلا بجهاز محاسبي ومراقبي نظيف، ويقوم بدوره الوطني المأمول.

المواطن الذي يتضرر من أية ممارسة أو سلوك، سواء أكان إداريا أم اجتماعيا أم ما شابه، تبقى الوسيلة الوحيدة لإنصافه ومنع استمرار الضرر عليه هي فعالية القانون وسلطته؛ لذلك فإن الدول التي تتلاعب بقوانينها هي تلك الدول التي تقوم بتشجيع أبنائها ومجتمعها وشعبها على اختراق القانون والتلاعب به. إن شعور الجميع بأنه لا سلطة فوق سلطة القانون، وإن منع أي تجاوز لسلطة القانون في أي دائرة من دوائر الحياة، هما اللذان يفرزان الأمن الاجتماعي، وهما اللذان يمكنان الجميع حينما يتعرض أحدهم لظلامة أن يلجأ إلى القانون وكله ثقة أنه سيحصل على حقه كاملا بدون افتئات أحد عليه.

وفي سياق حماية الوطن من كل المخاطر، نحن أحوج ما نكون إلى التربية القانونية والحقوقية، بحيث يلتزم الجميع بسلطة القانون ويلجأ الجميع في آن حينما يتعرض إلى ممارسة سيئة إلى القانون أيضا. حينما نعيد الهيبة إلى القانون وسلطته في المجتمع، سيشعر الجميع بالأمن والطمأنينة.

ولا خيار أمامنا لتعزيز وحدتنا الوطنية ومعالجة كل السلبيات إلا بسلطة القانون. فتعالوا جميعا نُعد للقانون هيبته ونعمل من مواقعنا المختلفة على الاتكاء على القانون في كل شيء.