تفيدنا دروس التاريخ أن التطور الحضاري لا ينجم عن تراكم كمِّي، وإنما عن قطائع معرفية ووجدانية وسياسية تفضي إلى طفرات فكرية نوعية يتم تحقيقها عبر توظيف منهج نقدي فاحص.. كما تؤكد وقائع التاريخ أن الحضارات القديمة التقليدية، ومنها الحضارة العربية الإسلامية، لم تعرف مفهوم التقدم، بل إنها ترفضه لكونها لا تقبل التغيير ولا التطور… والدليل على ذلك أن العرب والمسلمين لا يكفون عن التطلُّع إلى حُلمهم الكبير بـالعودة إلى ما يسمونه بـ “العصر الذهبي”، علما أن هذا العصر هو عصر غابر متخلف كثيرا بالنسبة لمنجزات الزمن الحالي.
بالإضافة إلى ما سبق، يجب ألا ننسى أن الحروب في الحضارات القديمة كانت تنشب، على عكس ما يحدث اليوم، بين القبائل أو البلدان المتجاورة، حيث يقضي المنتصر على المنهزم وعلى مآثره وآثاره. كما كانت تستعرُّ أيضا بين القبائل الرُحَّل والقبائل المستقرة في “المدن” أو القرى، إذ ما تكاد هذه أن تشيِّد “حضارتها” وتبدأ في الاستقرار حتى تغزوها قبائل رحَّل أخرى، فتهدم منجزات الأولى وتقيم سلطانها على أنقاض سلطان سالفتها. لكن ما تكاد الحضارة الجديدة أن تتجه نحو الاستقرار حتى تتعرض بدورها للغزو والهدم من قِبَلِ قبائل رحَّل أخرى. هكذا يتكرر مشهد الغزو والقتل والهدم باستمرار…
وما سبق أمرٌ ما يزال مستمرا، بشكل من الأشكال، في الحضارة والثقافة العربيتين والإسلاميتين إلى يومنا هذا، حيث نعاينُ في الوقت الراهن مشاهد الهدم واستئناف البناء الهشِّ الذي ينهض على الغريزة والعاطفة وليس على العقل، إذ لا يرقى إلى مستوى مشروع حضاري يتجسد في صياغة نظرية تفضي إلى تحولات نوعية…
يؤكد أغلب الدارسين أن العلاقة بين المجتمعات العربية والأنظمة هي، في الأغلب الأعم، علاقة يطبعها الاستسلام الساذج أو الصدام العنيف، ما يجعلها غير قائمة على التوازن والتضامن… وهي بشكل عام علاقة المستَبِدِّ بالمستبَدِّ به، كما أنها علاقة عنف وعنف مضاد بين سلطة ومجتمع لا يملك أية رؤية مستقبلية بديلة لأوضاعه، ما جعل بعض الباحثين يستخلصون أنه لا وجود لكيانات في البلاد العربية الإسلامية يمكن أن يطلق عليها اسم “مجتمعات” بالمفهوم الحديث، وإنما هناك بشر مشتتون تهيمن عليهم ثقافة تقليدية تناهض العلم والمعرفة، ما حال دون نمائهم، فبقوا غارقين في مشاكل الحياة اليومية وهمومها؛ فهم لا ينتظمون في مجتمع له بنية ذات تكوين واضح ومعالم محدَّدَة، ويتمتع بوجود مستقل يتجسد في مؤسسات متسمة بالفعالية والقدرة على التفكير العقلاني والإنتاج والفعل… كما أن أعضاءه هم مجرد حشود وجحافل من البشر تحركهم العواطف في لحظات عابرة. أضف إلى ذلك أنهم قابلون للإثارة والانخراط في أي عمل، كما يَسهُلُ استغلال عاطفتهم المتفجرة للدفع بهم في أي اتجاه لأنهم عاجزون عن اعتماد العقل والتفكير المنطقي، ما يجعلهم أكثر قابلية للاستثارة والتعبئة لاتخاذ أي موقف والانجراف مع أي اتجاه دون احتساب العواقب وتقديرها، بل قد يكون ذلك ضد مصالحهم ومستقبل بلادهم…
أما بالنسبة للعلاقات بين الأفراد فيما بينهم وبين الجماعات في البلاد العربية الإسلامية، فتسودها في معظم الأحوال خلافات لا يتم حلها بالعقل عبر مقارعة الحجة بالحجة، وإنما بالسباب والشتم واللجوء إلى مختلف أساليب العنف والإرهاب، وذلك ليس من قِبَلِ السلطة فحسب، بل وكذلك من لدن الجماعات والناس الذين هم في أمس الحاجة إلى الإنقاذ من أنفاق التخلف والاستبداد. وهذا ما يشكل نكوصا مأساويا ربما لم يسبق أن عرفه بشر آخر من قبل. ويعود ذلك إلى الانغلاق الثقافي والاستبداد السياسي وتنمية الكراهية وزرع الخوف والتوجس في العقول والوجدان. ولا يمكن مواجهة هذه الوضعية الفظيعة إلا بالعمل على ترسيخ ثقافة العلم والمعرفة والحوار والتآخي والسلم…
يعتقد مناهضو التغيير أن هذا الأخير يتعارض مع الاستقرار، حيث نجدهم منغلقين ورافضين لكل ما يمكن أن يُحدِث أي تحول في حياتهم. لكن ما لا يعيه هؤلاء هو أن اعتقادهم هذا يتعارض وطبيعة الأشياء لأنه يعوق التطور الطبيعي للمجتمع ويٌجَمِّد الدم في عروقه، ما قد يؤدي إلى انفجاره وموته. أضف إلى ذلك أن التغيير عامل أساسي للاستقرار، لأنه يُمَكن المجتمع من اكتساب القدرة على التكيُّف مع التغيرات المحيطة ويجعله قادرًا على مسايرتها والتأثير فيها. وبدون ذلك سيضعف أمامها ويضمحل. لذلك فالتغيير العقلاني وسيلة أساس ليس للاستقرار وحده، وإنما أيضا للاستمرار في الحياة. وهذا ما يجعل الانفتاح والتجديد والتغيير وسائل للاستقرار والاستمرار في الوجود. أما الانغلاق فهو يٌدخِل البشر في صراعات قاتلة تبيد الإنسان والطبيعة والأوطان…
لا يعترف رافضو التغيير بأهلية الإنسان العربي المسلم المعاصر وطاقاته وقدراته، حيث يريدون له أن يبقى محكوما بالثقافة التقليدية المنغلقة، وأن يشلَّ عقله ويٌعَطِّله أمام أحكام وممارسات أشخاص أموات رغم أنه يمتاز عنهم بما يتوفر له اليوم من معارف ووسائل التحقق التي لم تكن متاحة لأولئك ولا لهؤلاء الرافضين للتجديد والتغيير. وهذا ما يتناقض مع الحقائق التي يشهدها الجميع، بل إنه أيضا يشكل تنكرا لما تحقق من منجزات هائلة في مختلف الحقول المعرفية، ما يؤكد أن هؤلاء الرافضين يريدون للإنسان العربي المسلم أن يبقى مُقَلّلدا لا مبدعا، ومنفعلا لا فاعلا، ومتخلفا لا متقدما… لذلك فبسبب اعتماد هذه الرؤية بقيت البلاد العربية الإسلامية خارج التاريخ لا يُحسب لها أي حساب لأنها لا تمتلك أسباب القوة ولا تساهم في بناء الحضارة الإنسانية…
ويعود ذلك إلى غياب العقل الناقد الفاحص الذي يطرح التساؤلات ويناقش المسلَّمات والموروث ويُعمل العقل فيهما. إذ بدون ذلك لا يمكن للثقافة أن تنتج العلم الذي يُعد وسيلة لانفتاح المجتمعات وازدهارها وتقدمها ثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

* شتنبر 2015