شكل دستور عام 2011 منعطفا استراتيجيا في المسار الديمقراطي بالمغرب، ووضع أسسا متينة للتعاطي مع قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية تحت سقف هذا التحول الذي تبلور خلال سنوات عديدة، عبر فتح عديد من ورشات الإصلاح في مختلف المجالات الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وإذا كان إعداد النص الدستوري الراهن قد جاء في ظرفية سياسية خاصة وحساسة بالنسبة للمنطقة العربية، عرفت باضطراباتها الأمنية والعسكرية والسياسية، فإنه ليس انعكاسا مباشرا لها كما يعتقد البعض وإنما يندرج ضمن سيرورة إصلاحية ذات خصوصية مغربية. وهو ما تم التعبير عنه بوضوح في خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في التاسع من مارس عام 2011 الذي أطلق هذا الجيل الجديد من حزمة الإصلاحات الدستورية والسياسية التي تم تكريسها في نص الدستور المعتمد عن طريق الاستفتاء الشعبي في الأول من يوليو 2011، والذي تشكل الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة مرحلة هامة من مراحل تنفيذ بنوده في مجال الجماعات الترابية، وخاصة في ميدان أول تطبيق فعلي لمبدأ الجهوية المتقدمة في الجهات المغربية الـ12 المعتمدة في النصوص التنظيمية والتطبيقية للدستور.

وليس من الصعب القول إنّ الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة قد عرفت خروقات تختلف أهميتها وخطورتها من مدينة إلى أخرى، فهذا ما لم ينفه وزير الداخلية المغربي محمد حصاد الذي اعتبر أنّ وزارته تعاملت مع تلك الخروقات بما يلزم في حينها، غير أنه من الصعب إعطاء الدلائل الدامغة على وقوع الكثير منها، وبالطريقة التي تم بها الإعلان عنها من قبل هذا الحزب السياسي أو ذاك الذي لم يحالفه الحظ بالفوز في انتخابات البلدة أو المدينة المعنية حتى يتم الحديث عن يقين بإمكان أن تؤدي الطعون التي يتقدم بها، إلى الجهات المختصة، إلى نتائج إيجابية على مستوى إعلان بطلان العملية الانتخابية وإعادة إجرائها في ظروف أكثر نزاهة أو شفافية وأقل عرضة للطعن.

لكن الأكثر صعوبة، والذي يرقى إلى مستوى المستحيل، هو القدرة على البرهنة على أن ما شاب العمليات الانتخابية من تجاوزات أو خروقات يصل إلى مستوى الحكم بفساد العملية الانتخابية برمتها، وبالتالي، كون ما تم الإعلان عنه من نتائج غير متطابق في العمق مع ما هو قائم من معادلات وخرائط جديدة لانتشار القوى الحزبية وما تم إبرازه من أوزانها الجماهيرية في الميادين المحلية والجهوية.

وقد تباينت توقعات مختلف المهتمين بالشأن السياسي والانتخابي المغربي حول نسبة المشاركة الممكنة في العمليات الانتخابية، باعتبارها مؤشرا أساسيا من مؤشرات مدى تطور المشاركة السياسية داخل مختلف شرائح المجتمع المغربي، وخاصة في صفوف الشباب الذين لم يكونوا ينخرطون بكثافة في الاستشارات الانتخابية في السابق في ضوء سيادة ظاهرة العزوف السياسي الذي تتباين وجهات نظر المحللين السياسيين حول تفسيره الى درجة التناقض، بين موقف يرى فيه علامة من علامات قوة وعي الشباب بعدم جدوى الانتخابات وانعدام الظروف التي يمكن أن تحولها إلى محطة سياسية جدية في المسار الديمقراطي، وأن المقاطعة بالتالي هي السبيل الوحيد إلى فرض التغيير المنشود في البلاد، وبين موقف يرى أن العزوف هو التعبير الصريح على درجة تدني الوعي بأهمية المشاركة السياسية في إحداث التغييرات الديمقراطية من خلال مراكمة المكتسبات والمساهمة الفعلية في الدفع بمسار دمقرطة الدولة والمجتمع إلى الأمام، علاوة على ما تشكله من علامة على مدى مشروعية وتمثيلية المؤسسات المنبثقة عنها في مختلف المجالات.

ويبدو في هذا المستوى أن بلوغ نسبة المشاركة في الانتخابات الجماعية والجهوية التي جرت في الرابع من سبتمبر الجاري 52.6 بالمئة هو الدليل الملموس على أن خطاب المقاطعة والانسحاب من ساحات العمل الانتخابي لم يؤد إلى النتائج المنتظرة منه، دون أن يعني ذلك أن تلك النسبة كانت ستكون أعلى لولا الجو المشحون الذي رافق العمليات الانتخابية والخطاب السائد خلالها والذي تميّز بأنه لم يكن في الغالب لا سياسيا ولا برنامجيا وإنما ركز على قضايا ذات أبعاد شخصية لدى هذا المرشح أو ذاك، يصعب التأكد من مدى تطابقها مع الواقع.

إن القراءة الأولية في نتائج الانتخابات الجماعية والجهوية الأخيرة تكشف عن عدد من الحقائاق والدلالات أهمها:

أولا، ليس هناك أي منطقة يمكن اعتبارها مجال احتكار لهذا الحزب السياسي أو ذاك، بل العكس تماما هو الذي أبرزته تلك الانتخابات في عدد من المدن المغربية الكبرى التي تحولت قيادتها من حزب إلى آخر.

ثانيا، إنّ سياسة القرب هي التي تبدو أكثر فاعلية في توسيع النفوذ الجماهيري لمختلف القوى السياسية على مستوى الانتخابات الجماعية والجهوية وإن تأثير الجوانب الأيديولوجية لا يعتد به تماما، بل إن كل محاولات الشيطنة المتبادلة بين الأحزاب المتنافسة لم يكن لها الثأثير المنشود على صعيد النتائج، الأمر الذي يدل على أن هناك كتلة انتخابية لا بأس بها تعرف ماذا تريد بالضبط ولم تعد تتأثر بالأساس بمجرد الخطاب السياسي لهذه القوة السياسية أو تلك.

ثالثا، هناك تصويت قام على المحاسبة بشكل واضح في عدد من المدن وخاصة في فاس والدار البيضاء والرباط، وتصويت قام على الأمل في بعضها الآخر اعتقادا من فئات واسعة من الناخبين أن نجاح هذا الحزب السياسي أو ذاك في تدبير الشأن الجماعي في عدد من المدن التي تولى إدارتها في المراحل السابقة يمكن أن ينسحب على أدائه في المدن التي صوتت لصالحه في الانتخابات الأخيرة.

رابعا، إن الخطاب التهييجي بل والتهريجي المستخدم خلال الحملة الانتخابية في بعض الأحيان، أدى إلى عكس ما تم انتظاره منه بالنسبة للأحزاب التي لجأت إليه بكثافة ودون تمييز، وخاصة عندما تمّ التعامل مع بعض المدن والجهات كما أنها تعود إلى ملكيتها الخاصة، فجاء التصويت لفائدة خصومها ليقول صراحة إن الناخب هو الذي يملك الكلمة الفصل في نهاية المطاف.

خامسا وأخيرا، لقد بينت الانتخابات أن الرأي العام المغربي بدأ يتجه نحو الإمساك بما هو جوهري من كل عملية انتخابية ديمقراطية، بما سمح له بأن يكون انتقاديا تجاه التجربة الحكومية على المستوى الوطني دون تعميم ذاك الانتقاد على النطاق المحلي والجهوي.

الثابت ختاما، أنّ المغرب أنهى معركة الانتخابات المحلية والجهوية، ليفتح المجال على إثرها لانطلاق معركة لا تقل عنها أهمية تتعلق بتشكيل المجالس والهيئات المسيرة للشأن المحلي والجهوي وما سيرافقها من جدل حول شكل التحالفات الضرورية التي ستعقد لإنجازها.

*العرب حسن السوسي ..نُشر في 12 / 9/ 2015، العدد: 10036