يحل الدخول المدرسي الجديد في سياق يعرف مستجدات تربوية وإدارية منبثقة عن تفعيل التدابير ذات الأولوية لإصلاح منظومة التربية والتكوين ، والشروع في بلورة توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي انطلاقا من رؤيته الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية (2015 – 2030) وهو التقرير الذي قدم خطوطه العريضة رئيس المجلس عمر عزيمان أمام الملك محمد السادس يوم 20 ماي 2015 بالدار البيضاء، مشيرا إلى أن هذه الرؤية الاستراتيجية تشكل خارطة طريق لإصلاح المنظومة التربوية، و هي نتاج تعاون خصب مع القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية وثمرة منهجية تشاركية تجسد التقاء مختلف الإرادات والاجتهادات وتجعل أهداف الإصلاح التربوي ومنهجيته في متناول الجميع، مبرزا بأن هذا العمل قام به المجلس بتقيد تام بالبعد الاستراتيجي لمهامه الدستورية، وفي احترام كامل لصلاحيات القطاعات الحكومية المكلفة بإعداد السياسات العمومية في مجال التربية، ووضع المخططات العملية والبرامج، مضيفا أن هذه الرؤية تطلع إلى تشييد مدرسة جديدة تكون مدرسة للإنصاف وتكافؤ الفرص، مدرسة الجودة للجميع، ومدرسة لاندماج الفرد والتطور الاجتماعي .
وتتوخى جريدة «الاتحاد الاشتراكي» من محاورة رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تسليط الضوء على أهم القضايا التي تضمنها تقرير الرؤية الاستراتيجية، مساهمة منها في إثارة نقاش عمومي حول مرتكزات إصلاح المدرسة المغربية باعتبارها رافعة استراتيجية لتطور المجتمع.

  *عمر عزيمان قدمتم أمام جلالة الملك محمد السادس الخطوط العريضة للرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية باعتماد المقاربة التشاركية والتشاورية، فهل استثمرتم تدخلات الأحزاب السياسية والنقابات التعليمية وفاعليات المجتمع المدني والقطاعات الاقتصادية خلال جلسات الاستماع لبلورة الرؤية الاستراتيجية؟

  ..منذ شتنبر 2013 اتخذ المجلس من المقاربة التشاركية إحدى أهم مقومات منهجيته، لتشكل سندا قويا لإغناء التفكير الاستشرافي حول المدرسة المغربية، ومن ثم، تعبيد الطريق أمام تعبئة مجتمعية شاملة ومستديمة حول تطبيق الإصلاح المنشود، الذي يعتبر رافعة حاسمة لاستكمال بناء مغرب المواطنة والديمقراطية والتنمية، وترسيخ مجتمع المعرفة والابتكار.
وضمن سيرورة الأعمال التحضيرية المختلفة التي باشرها المجلس، سواء تلك التي ارتبطت بإنجاز التقرير التحليلي حول تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000-2013، أو تلك المتعلقة بإعداد الرؤية الاستراتيجية للإصلاح،استثمر المجلس نتائج الاستشارة الموسعة التي أطلقها، والتي تضمنت جلسات استماع مباشرة مع الفاعلين التربويين من مختلف مكونات المنظومة التربوية، والنقابات التعليمية، والتلاميذ والطلبة، والقطاع الخاص للتعليم والتكوين، والفاعلين الاقتصاديين، والخبراء، ومنظمات المجتمع المدني؛ كما تضمنت مساهمات كتابية مدققة للأحزاب السياسية وللمنظمات النقابية وللنسيج المجتمعي وللخبراء والمتخصصين…وأشير إلى أن المجلس استعان بخبرات متخصصة اشتغلت على تحليل هذه المساهمات الكتابية.
وقد أثمرت هذه الاستشارة الموسعة مادة خصبة، مكَّنت اللجان الدائمة للمجلس من إغناء التقييمات والتشخيصات والتحليلات،كما مكنت المجلس من تحديد التوجهات الكبرى للرؤية الاستراتيجية، والتي كان لمقترحات الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية وغيرهما دور وازن في بلورتها.

  *أخضعتم الميثاق الوطني للتربية والتكوين لتقييم شمولي بهدف تحديد المكتسبات والمعيقات والتحديات، وأصدرتم بعد ذلك تقرير الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية، فما الإضافات النوعية التي تحملها هذه الرؤية؟

  ..تستهدف الرؤية الاستراتيجية للإصلاح إحداث تغييرات نوعية وجوهرية في المنظومة التربوية،تهم الرفع من مردوديتها الداخلية والخارجية وضمان نجاعة آليات اشتغالها، وتحقيق التكامل والتناغم بين مكوناتها، وذلك في تفاعل خلاق مع محيطها.
إجمالا، فالرؤية الاستراتيجية تتوخى أولا، استكمال تعميم تعليم يكون بمواصفات الجودة، ويراعي مبدأ الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص بين الجميع دون أي تمييز في ولوج التربية والتكوين.
وهذا يستدعي جعل التعليم الأولي إلزاميا ومعمما بنفس مواصفات الجودة، وإعطاء الوسط القروي والشبه حضري تمييزا إيجابيا في مجهود التعميم، والاحتفاظ الفعلي بالمتعلمات والمتعلمين في المدرسة، ومحاربة ظاهرة الهدر والتكرار، وضمان أوفر شروط النجاح في المسارات الدراسية والتكوينية.
تستهدف هذه الرؤية ثانيا، تحقيق مدرسة الجودة للجميع؛ وهو ورش مركزي وجوهري يتأسس في قاعدته على إعادة النظر في مهن التربية والتكوين كافة، وضمان هيكلة متناسقة ومرنة لمكونات المنظومة التربوية وأطوارها، وبناء الجسور بينها، والرفع من نجاعة حكامتها، وإرساء نموذج بيداغوجي وتكويني قائم على تطوير ملكات العقل والذكاء والتحليل والحس النقدي والمبادرة والانفتاح والابتكار، وتمكين التلاميذ والطلبة في مختلف مستويات المنظومة من اتقان اللغات الوطنية والأجنبية وتملك التقنيات الرقمية، وترسيخ المكتسبات الثقافية، والارتقاء بالبحث العلمي.
في مستوى ثالث، تتوخى رؤية المجلس، جعل المدرسة المغربية رافعة فعلية للارتقاء بالفرد وبالمجتمع، وذلك بالأساس عبر ملاءمة التكوينات مع حاجات البلاد واستشراف مهن المستقبل، وضمان الاندماج الاقتصادي والسوسيو ثقافي للخريجين في مجتمع يعرف تطورات عميقة، وتمكينهم من أدوات التعلم مدى الحياة؛ ذلك ما سيُـيَسر الارتقاء بالمجتمع والانخراط الفاعل للمغرب في مجتمع المعرفة، من ثم تعزيز تموقعه ضمن البلدان الصاعدة.
يعاني التمدرس بالأوساط القروية من اختلالات بنيوية، وقد طرحتم من خلال التقرير توصيات للنهوض بالتعليم بالأوساط القروية، فكيف تتصورون تفعيل هذه المقترحات التي سبق طرحها في الميثاق الوطني والبرنامج الاستعجالي لوزارة التربية الوطنية؟
بالفعل، وقف التقرير التحليلي لتطبيق الميثاق على العجز الحاصل بالنسبة للتعليم والتكوين بالأوساط القروية والشبه حضرية والمناطق ذات الخصاص.لذلك، ستلاحظون أن المجلس قد أكد في رؤيته الاستراتيجية على توجيه أقصى الجهود للتحقيق الأمثل لتعميم تعليم إلزامي منصف وذي جودة دون تمييز مجالي لفائدة أطفال وطفلات هذه الأوساط، وتحصين تمدرسهم من كل أسباب الانقطاع المبكر والهدر وعدم الاستقرار.
هذا الهدف، يستدعي من السلطات المركزيةوالجهوية والمحلية مضاعفة الجهود على مستوى توفير البنيات المدرسية ودعمها في إطار شراكة تعاقدية مع الجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، وأيضا إعطاء الأسبقية لتشجيع تمدرس الفتيات في البوادي، وحفز وتثمين الأطر التربوية والإدارية المزاولة في الأوساط القروية والنائية.
يقتضي الأمر من جهة أخرى، ضمان تمدرس استدراكي لجميع الأطفال المنقطعين عن الدراسة بالأوساط القروية والشبه حضرية، من أجل إعادة إدماجهم في أسلاك الدراسة.
لذلك يتعين أن تتضمن خطة تفعيل الرؤية الاستراتيجية التي تنكب عليها الحكومة، تدابير إجرائية دقيقة ومندمجة للخروج بالأوساط القروية والشبه حضرية والمناطق ذات الخصاص من الوضعية الصعبة التي توجد عليها، بموازاة مع الجهوية الموسعة. وسيكون الورش الجديد الذي أعلن عنه جلالة الملك في خطاب عيد العرش الأخير، والمتمثل في اتخاذ التدابير اللازمة لتنمية «المناطق البعيدة والمعزولة وخاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل» أحسن فرصة لتحقيق التقائية المبادرات والمشاريع التنموية، في إطار مخطط العمل المندمج، الذي دعا جلالة الملك إلى وضعه، والذي سيقوم على الشراكة بين مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية، لتوفير وسائل تمويل وإنجاز مشاريع تنموية مختلفة في مقدمتها المشاريع التعليمية والتكوينية.

  *التعليم الأولي رافعة أساسية للجودة ومجال تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص وقد نص الميثاق الوطني للتربية والتكوين على تعميم التعليم الأولي وإدماجه ضمن سيرورة التعليم العمومي، فما التصور الواقعي الذي يقترحه المجلس الأعلى لجعل التعليم الأولي إلزاميا للدولة بقوة القانون، والشروع في تعميمه وتوحيده بمواصفات حداثية وعصرية، علما بأن تحقيق ذلك يتطلب تكلفة مالية وبشرية هامة؟

  ..مسألة تعميم التعليم الأولي ليست وليدة اليوم، وإنما هي توصية أساسية استأثرت بالاهتمام خصوصا منذ وضع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وكذا في تقرير المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2008، وفي البرنامج الاستعجالي بالإضافة إلى العديد من الدراسات واللقاءات والندوات.غير أنه، مع الأسف، لم يتم لحد الآن ترجمة هذا الانشغال إلى برنامج فعلي يحل معضلة هذا الطور التربوي الحاسم بالنسبة لمستقبل التمدرس والتعليم للجميع.
لذلك، وتفاديا لإعادة إنتاج نفس التعثرات،وتجنبا لسير التمدرس بإيقاعات مختلفة، يقترح المجلس تصورا متكاملا للنهوض المتدرج بالتعليم الأولي في حدود السنوات العشر الجارية يقوم على تعميم تعليم أولي بمواصفات الجودة، على أن يكون ملزما للدولة والأسر بقوة القانون، ووضع الآليات التي ستتيح انخراط الجماعات الترابية بكيفية فعالة ومسؤولة في إنجاح هذا الورش، وإحداث إطار مؤسساتي تحت إشراف وزارة التربية الوطنية خاص بالتعليم الأولي، والعمل بنموذج بيداغوجي موحد الأهداف والغايات، متنوع الأساليب، وبإطار مرجعي واضح، وإعادة تأهيل مؤسسات التعليم الأولي القائمة، وتكوين الأطر المؤهلة المتخصصة في التعليم الأولي بالمراكز المختصة بالتكوين. ولا ننسى ضرورة مضاعفة الجهود من أجل العناية بالطفولة المبكرة، في إطار مؤسسات عصرية، لاسيما منها الطفولة في وضعيات خاصة، من أجل تيسير ولوجها للمدرسة.
ولإنجاح هذا الخيار تم التأكيد على ضرورة الدمج التدريجي للتعليم الأولي في التعليم الابتدائي في إطار سلك التعليم الإلزامي، وذلك من منطلق اعتبار التعليم الأولي قاعدة أساس للإصلاح التربوي، ومدخلا حاسما من مداخل جودة التعليم وتكافؤ الفرص بين جميع الأطفال، وعاملا أساسيا في محاربة التكرار والهدر، ووسيلة فعالة لتوفير شروط النجاح في المسار المدرسي اللاحق.
إذا كان التعليم الخصوصي مكونا من مكونات المدرسة العمومية، فإن واقعه يبرز انفلاته من مراقبة إدارية وتربوية صارمة، بالإضافة إلى ارتفاع رسوم التسجيل وأسعار التمدرس بدون مراقبة مالية وتدخل الدولة، فكيف يمكن تحقيق الإنصاف والمساهمة في تعميم التعليم الخصوصي في الأوساط القروية؟
سؤال وجيه يجرى حوله نقاش واسع.فداخل المجلس وهيئاته، استأثر هذا الموضوع بالدراسة والنقاش، منطلقين في ذلك من اعتباره مكونا من مكونات المنظومة التربوية، وطرفا أساسيا في مجهودات تعميم التعليم وتوسيع العرض التربوي وتنويع أساليبه.
وقد أكدنا في الرؤية الاستراتيجية على ضرورة مراعاة مبدأ تكافؤ الفرص والتكامل مع التعليم العمومي، ومن ثم ضرورة التزام قطاع التعليم والتكوين الخاص بمبادئ المرفق العمومي لأنه يقوم بخدمة عمومية مُؤطرة بالخيارات التربوية والتعليمية للدولة، فضلا عن ضرورة إسهامه في التضامن الاجتماعي بتوفير التعليم للأطفال المنتمين لأوساط فقيرة والأطفال ذوي إعاقة أو في وضعيات خاصة وفي المجال القروي.
لذلك، اقترحنا مراجعة القوانين المنظمة لهذا التعليم وملاءمتها من أجل الحد من تشتت هذا القطاع وتوحيد معاييره المؤسساتية والبيداغوجية وتوضيح مهامه. على أن تضطلع الدولة تجاهه أساسا بمهام الترخيص ووضع القوانين المنظمة له وضبطه ومراقبته وتقييم أدائه، وضمان مقاييس الجودة ومعادلة الشهادات بناء على ضوابط الاعتماد ودفتر التحملات، والتحفيزات. وسيواصل المجلس اهتمامه بدراسة خصوصيات هذا النوع من التعليم في اتجاه أن يأخذ مكانه الطبيعي ويقوم بمهمته على نحو متكامل مع التعليم العمومي في إطار مدرسة مغربية موحدة الأهداف ومتعددة الأساليب، وفي إطار منافسة شريفة منضبطة ومضبوطة بين العمومي والخصوصي.

  *حدد تقرير الرؤية الاستراتيجية مجموعة من التدابير لتجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير باعتماد مبدأ المهننة للرفع من الجودة، ولكنه لم يعالج إشكالية الخصاص في الموارد البشرية التي تعاني منها المنظومة التربوية، وهي ركيزة أساسية لكل إصلاح مرتقب، فما أسباب سكوت المجلس عن إشكالية الخصاص في الأطر الإدارية والتربوية اللازمة للمنظومة التربوية؟

  ..لا يتعلق الأمر بسكوت عن المشكل، وإنما هناك تركيز على العمق النوعي للقضية الذي يتعلق بإعادة النظر في التكوين الأولي والتكوين المستمر والتكوين الاستدراكي،والذي هو ذي صلة مباشرة بمسألة الجودة. أما مسألة سد الخصاص، التي تكتسي أهمية كبيرة، فهي حاضرة في برامج عمل القطاعات المكلفة بالتربية والتكوين، وستحظى بدون شك بأهمية كبرى في إطار خطط تطبيق الرؤية الاستراتيجية التي توجد في طور الإعداد.
وستلاحظون أن المجلس لم يتناول في رؤيته الاستراتيجية مكون مهن التربية والتكوين بشكل منعزل، ولكن جعلها في مقدمة رافعات تحقيق مدرسة الجودة للجميع، من خلال جعل النهوض بها أول مقومات جودة المدرسة المغربية، إلى جانب المناهج والبرامج، والتكوينات، والنموذج البيداغوجي، والحكامة، والبحث العلمي.
وقد خصصت الرؤية رافعة قائمة الذات تروم تجديد مهن التربية والتكوين مع النظر إليها في شموليتها، وليس فقط مهنة التدريس، وجعل هذه المسألة أسبقية أولى للرفع من جودة المنظومة التربوية ومن مردوديتها الداخلية والخارجية،وذلك في منطلق الاقتناع المتقاسم بأن جودة التعليم والتمدرس والتكوين تأتي بالأساس من جودة أداء الفاعلين التربويين وفي مقدمتهم المدرسين.

  *يوصي المجلس بإحداث هيكلة جديدة للمدرسة المغربية، فما المبادئ المتحكمة في هذه الهيكلة، وما المستجدات بالمقارنة بما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين؟

..فعلا، يقترح المجلس تغييرات وتجديدات بنيوية في الهيكلة الحالية للأسلاك والأطوار التعليمية. الغاية الكبرى منها:
– أولا، خلق سيرورات منسجمة داخل هذه الهيكلة، وذلك بإدراج التعليم الأولي في التعليم الابتدائي، وإلحاق التعليم الإعدادي بالتعليم الابتدائي في إطار سلك التعليم الإلزامي، علاوة على تعزيز الوظيفة التخصصية والتأهيلية للتعليم الثانوي، في إطار الإعداد والتوجيه نحو متابعة الدراسة بالتعليم العالي، أو بالتكوينات المهنية المؤهِّلة.
– في ارتباط بذلك، يقترح المجلس ثانيا،ربط التكوين المهني بالتعليم المدرسي بمختلف أسلاكه، من خلال دمجهما في تنظيم بيداغوجي منسجم، مع تعزيز سيرورة الدمج هاته بإحداث مسارات للتعليم المهني ابتداء من التعليم الإعدادي وانتهاء بالتعليم الثانوي التأهيلي بتخصص البكالوريا المهنية، وكذا توطيد نظام إجازة-ماستر-دكتوراه المعمول به في التعليم العالي وتوفير شروط التفعيل العقلاني الأمثل لهذه الهندسة البيداغوجية الجامعية، في حرص على التنمية المستمرة لمكتسبات الطلبة، وتوسيع الإقبال على الإجازة المهنية في التعليم العالي، مع تنويع التكوينات القطاعية والجديدة.
– ثالثا، بالنسبة لكيفية تمكين المتعلمين من حركية أكبر في التوجيه وإعادة التوجيه والمتابعة المواظبة للمسار الدراسي والتكويني لأطول مدة ممكنة، والرفع من مستوى التأهيل والإشهاد والقابلية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، يوصي المجلس بإحداث آليات للتنسيق بين قطاعات التربية والتكوين، على مستوى المناهج والتكوينات، والجسور والممرات بين الأطوار التعليمية والتكوينية بمختلف هذه القطاعات، واعتماد آليات لمأسسة الجسور والتكامل بين المسالك والتخصصات في التعليم العالي.

 * تضمن التقرير نموذجا بيداغوجيا وتكوينيا باعتماد التنوع والانفتاح والملاءمة والابتكار، وأوصى بمراجعة المناهج والكتب المدرسية وتفعيل اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للمناهج والبرامج التي نص عليها الميثاق، فما أهمية هذه اللجنة في المرحلة الإصلاحية الراهنة؟

  ..تعلمون أن النموذج البيداغوجي هو جوهر عمل أي منظومة تربوية، ورافعة حاسمة لتحقيق أهداف التغيير المنشود، وهو اعتبارا لذلك المرجع الأساس في بناء المناهج والبرامج والتكوينات. وإذ يتشكل من غايات المدرسة ووظائفها، ومن المناهج والبرامج والتكوينات، ومن المقاربات البيداغوجية والوسائط التعليمية، ومن الإيقاعات الزمنية للدراسة والتعلم، ومن التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي، ومن نظام الامتحانات والتقييم، فهو في غاية التعقيد ويتطلب الاشتغال المتواصل عليه وعلى تجديده، وهذا يستدعي عملا دقيقا من قبل ذوي الخبرة البيداغوجية والديداكتيكية وكذا التخصص والتجربة والمعرفة العلمية.
وفي هذا الصدد تعتبر الرؤية الاستراتيجية أن المراجعة المنتظمة للمناهج والبرامج والتكوينات،التي ستتم وفق معايير الجودة، يجب أن تستند إلى ثلاثة مقومات ضرورية:
المقوم الأول مؤسساتي، وهنا أكد المجلس على ضرورة تفعيل اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للمناهج والبرامج التي نص عليها الميثاق، وتأليفها من متخصصين في التربية والتكوين، وذوي الخبرة في مختلف التخصصات والشعب والقطاعات المعنية، وتنظيمها وفق نص قانوني يضمن لها الاستقلالية المعنوية والعلمية.أهمية هذه اللجنة تكمن في كونهاالفضاء المؤسساتي الملائم والدائم للتخطيط والإشراف على سير جميع الأشغال الرامية إلى تجديد وملاءمة المناهج والبرامج،واعتماد نتائج هذه الأشغال، وكذلك تنظيم الرصد التربوي اليقظ للتجارب الوطنية والدولية وتحليلها واستثمارها.
إلى جانب هذه اللجنة يقترح المجلس إرساء بنيات وطنية وجهوية للبحث والابتكار البيداغوجي في المناهج والبرامج والتكوينات، الهدف من ذلك تشجيع الابتكار في هذا المجال.
المقوم الثاني تقييمي: جوهره جعل كل عمليات بناء المناهج والبرامج والتكوينات، ومراجعتها المستمرة تحتكم باستمرار إلى تقييمات منتظمة للإنجاز والمردودية والنجاعة، استناداً إلى مرجعيات دقيقة تستجيب للمعايير الوطنية والدولية.
أما المقوم الثالث فهو استشرافي، يتعلق بإنجاز دراسات، وفق تخطيط توقعي لحاجات المتعلمين ولخصوصياتهم، وللمتطلبات المحلية والجهوية لمحيطهم الاجتماعي والاقتصادي.

  *في إطار الدعوة إلى إصلاح شمولي لنظام التقويم والامتحانات أوصى المجلس بإعادة النظر في كيفية اعتماد نتائج المراقبة المستمرة، فما تصور المجلس لنظام التقويم الذي ينبغي اعتماده؟وما تصوركم لإحداث امتحان يمكن غير الحاصلين على البكالوريا من ولوج الدراسات العليا؟

  ..موضوع نظام الامتحانات والتقييم طُرح غير ما مرة في النقاشات الداخلية للجنة الداخلية المختصة
وللمجلس، وكذا في الأعمال التحضيرية والمناقشات التي مهدت لبلورة الرؤية الاستراتجية، من ضمنها لقاءات «الحوار الجهوي من أجل تأهيل المدرسة المغربية»التي نظمها المجلس في أكتوبر 2014.
تواتُر هذا السؤال أملته الحاجة إلى مباشرة إصلاح شامل لنظام التقييم والامتحانات، في اتجاه جعله عاملا من عوامل تكافؤ الفرص بين التلاميذ وآلية لقياس جودة التعلمات والتكوينات.
تصور المجلس لهذ النظام يرتكز على عدد من المداخل في مقدمتها:
من زاوية أولى تطوير دلائل مرجعية دقيقة لأنشطة التقييم، سواء منها التقييمات التشخيصية أو التكوينية أو الإشهادية أو التقييمات المندرجة في إطار المراقبة المستمرة، على أن يتم ذلك حسب المستويات والأسلاك؛
من زاوية ثانية تخصيص التقييم وآلياته حيزا مناسبا لمكانته وأهميته ضمن المناهج والبرامج؛
من زاوية ثالثة تبسيط ومعيرة آليات التقييم والدعم التربوي، ضمانا لتوفر المتعلمين على حد مقبول للنجاح ومتابعة الدراسة فيما بين المستويات والأسلاك التعليمية؛
ومن زاوية رابعة إعادة الاعتبار والمصداقية للامتحانات الإشهادية، وخاصة البكالوريا، من خلالإعطاء الأولوية في السنوات الإشهادية للامتحانات الموحدة، جهويا ووطنيا، تحقيقا لمبدأ الاستحقاق وتكافؤ الفرص، وإعادة النظر في كيفية اعتمادنتائج المراقبة المستمرة فيها.
مع تأكيد الرؤية الاستراتيجية على ضرورة إرساء إطار وطني للإشهاد يتم بمقتضاه تنظيم وتصنيف الشهادات والدبلومات وفق شبكة مرجعية، تحددها القطاعات المكلفة بالتربية والتكوين والبحث العلمي.
هذا الدليل الوطني للإشهاد يمكنه أن يضمن الشفافية والوضوح والمقارنة بين الشهادات، وتحسين أدوات تقييم التحصيل الدراسي والتكويني، وإضفاء المزيد من المصداقية والنجاعة عليها، وأن يتيح حركية سلسة لحملة الشهادات والدبلومات على الصعيدين الوطني والدولي على السواء.
ولم يفت المجلس أن يوصي بإحداث نظام للتصديق على كفايات التجربة المهنية لفائدة ذوي الخبرة المهنية، وتمكينهم من فرص التعلم مدى الحياة، وأيضا إحداث امتحان خاص لولوج الدراسات العليا لفائدة من لم يتمكنلأسباب مختلفة من الحصول على البكالوريا.

  *من الإشكالات التي عكف على دراستها المجلس، إشكالية تدريس اللغات ولغات التدريس، وقد تأخر صدور التقرير الاستراتيجي إلى حين تم التوافق على منظور لحل الإشكالية، وفي نظرنا هو حل توفيقي غامض يدفعنا للتساؤل عن المرتكزات الأساسية للهندسة اللغوية الجديدة باعتبار الأهمية الخاصة للغات في تحسين جودة التعلمات، وفي النجاح الدراسي؟

  ..إذا كان المقصود»بالحل التوفيقي» الحل الترقيعي الذي يرضي الجميع ولايغير شيئا فيما هو قائم، فهذا غير صحيح إطلاقا.
وإذا كان المقصود بالحل التوفيقي هو الإنضاج التدريجي للتفكيرالجماعي، ضمن سيرورة يضع فيها الجميع قناعاته الشخصية ومواقفه المسبقة في محك الحوار والنقاش والاستدلال، ويظل مفتوحا على تطور الآراء وتقاربها؛ فإنه ينطبق على ما قام به المجلس في مسألة تدريس اللغات ولغات التدريس وفي مسائل أخرى.
من جهة أخرى، لا يمكن أن أتفق مع القول بأنه حل غامض؛ ذلك أن الموقف المعتمد، ولأول مرة،جاء واضحا ورصينا ودقيقا، ويضع مصلحة المتعلم فوق كل اعتباروفي منأى عن أي اختيارإيديولوجي.
أما فيما يخص المرتكزات الأساسية للهندسة اللغوية، فقد استندت مناقشات هذا الموضوع إلى الخيارات اللغوية التي أقرها الدستور، واستلهمت إيجابيات التعددية اللغوية داخل المنظومة التربوية.
كما ارتكزت هذه الهندسةعلى مجموعة من المبادئ والأهداف التي يفرضها العقل والمصلحة العليا للمتعلمين.أبرزها يتعلق بتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص في التمكن من اللغات، واستحضار الأهمية الخاصة للغات في تحسين جودة التعلمات والتكوينات وفي النجاح الدراسي، وفي المردودية الداخلية والخارجية للمنظومة، وفي النهوض بالبحث، وفي تحقيق الاندماج، وضمان انسجام السياسة اللغوية في المنظومة التربوية بمختلف مكوناتها، وجعل كل متعلم عند نهاية التعليم الثانوي التأهيلي متمكنا من اللغة العربية، قادرا على التواصل باللغة الأمازيغية ومتقنا للغتين أجنبيتين على الأقل.
كما تتصل هذه المبادئ بإعطاء الأسبقية للدور الوظيفي للغات المعتمدة في ترسيخ الهوية، والانفتاح الكوني، واكتساب المعارف والكفايات والثقافة، والارتقاء بالبحث، وتحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي، والمراجعة العميقةلمناهج وبرامج تدريس اللغة العربية، وتجديد المقاربات البيداغوجية والأدوات الديداكتيكية المعتمدة في تدريسها، والسهر على المزيد من تهيئة هذه اللغة في أفق تعزيز تحديثها وتنميتها وتبسيطها، ومواصلة المجهودات الرامية إلى تهيئة اللغة الأمازيغية، ومراجعة مناهج وبرامج تدريس اللغات الأجنبية طبقا للمقاربات والطرائق التعليمية الجديدة، وأخيرا تنويع لغات التدريس، لاسيما باعتماد التناوب اللغوي لتقوية التمكن من الكفايات اللغوية لدى المتعلمين، وتوفير سبل الانسجام في لغات التدريس بين أسلاك التعليم والتكوين.
ويمكن القول، بكل تأكيد، أن الاشتغال الرصين من قبل هيئات المجلس وأعضائه على هذا الموضوع الوازن، قد أثمر اقتراح هندسة لغوية جديدة تستند إلى التعدد اللغوي، وتحدد بوضوح وضع كل لغة على حدة داخل المنظومة التربوية، وكل ذلك باستحضار للدور الحاسم لإتقان اللغات الوطنية والأجنبية في الرفع النوعي من جودة المنظومة التربوية.
وإن المجلس لفخور جدا بكون مقترحاته حظيت بدعم وسند جلالة الملك، حيث جاء في خطاب جلالته الموجه للأمة بمناسبة عيد العرش الأخير: « إن إصلاح التعليم يجب أن يهدف أولا إلى تمكين المتعلم من اكتساب المعارف والمهارات، وإتقان اللغات الوطنية والأجنبية…»

  *يعاني الطالبات والطلبة الراغبين في متابعة مسارهم التكويني من صعوبات حقيقية لولوج مؤسسات التعليم العالي ذات الاستقطاب المحدود، فما المقترحات الواقعية التي ينبغي أن تلتزم الوزارة الوصية تطبيقها لمعالجة هذه الإشكالية ؟

..من الواضح أن مسألة الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي ذات الاستقطاب المحدود تظل دون مستوى الطلب المتزايد، وهو طلب ضاغط تتزايد حدته سنة بعد أخرى؛ مما يشكل صعوبات أمام الطالبات والطلبة الراغبين في ولوجها.

في هذا الباب، توصي الرؤية الاستراتيجية للمجلس بضرورة سعي السلطات المكلفة بالتعليم العالي، أولا، إلى توسيع الطاقة الاستيعابية لهذه المؤسسات حتى تتجاوب مع الحاجيات الحالية والمستقبلية للاقتصاد وسوق الشغل؛ وثانيا،إلى ابتكار أساليب جديدة للانتقاء لولوج مؤسسات التعليم العالي ذات الاستقطاب المحدود، على أن تراعي مبادئ الانصاف والشفافية والاستحقاق، بالنظر إلى كون الانتقاء يظل ضروريا، وهو بمثابة شرط من شروط التفوق، ووسيلة من وسائل تكوين النخب التي يحتاج إليها المغرب.
في مقابل ذلك، تم الإلحاح كذلك على ضرورة تنويع نماذج مؤسسات التعليم العالي ذات الاستقطاب المفتوح هي أيضا، وتدقيق أنماطها وتوحيد معايير ولوجها، وتوسيع طاقتها الاستيعابية لتمكينها من الاستجابة الفعلية للطلب المجتمعي المتزايد، وإتاحة الفرص لفائدة فئات مختلفة للالتحاق بالتعليم العالي وفتح آفاق التعلم مدى الحياة أمامها، وذلك في مواكبة مستمرة للمهن الجديدة والمستقبلية والدولية.

*من القضايا التي أثارت اهتمام المجلس في أفق الجهوية المتقدمة التوصية بإرساء نظام لحكامة تدبير المنظومة التربوية، فما تصور المجلس للهيكلة الجديدة الملائمة للجهوية والتي تضمن اللامركزية واللاتمركز في تدبير المنظومة التربوية مركزيا وجهويا وإقليميا ومحليا؟

..من المؤكد أنه لا يمكن أن يستقيم إصلاح المدرسة المغربية دون إنجاح ورش اللامركزية واللاتمركز في استحضار للجهوية المتقدمة،الأمر الذي يستدعي ترسيخ سيرورة مزدوجة تقوم على اللاتمركز الترابي والوظيفي الذي بمقدوره إتاحة استقلالية حقيقية لمؤسسات التربية والتكوين، و اللامركزية لتقوية مشاركة الجماعات الترابية في دعم قضايا ومتطلبات المنظومة الوطنية للتربية والتكوين.
في منظور المجلس، يجب أن تنبني الحكامة المأمولة على عدد من المقومات الجوهرية في مقدمتها، على سبيل المثال لا الحصر،التحديد الواضح للسّلط والأدوار والمهام وكيفية توزيعها على كل المستويات، مع التأكيد على دور الدولة الناظمة في تحديدهاللتوجهات الكبرى والاختيارات الاستراتيجية، وإرساء ثقافة التقييمفي كافة مستويات المنظومة التربوية؛الأمر الذي يتطلب، من جهة، تحيين الإطار القانوني والمؤسساتي، ومن جهة أخرى،دعم استقلالية بنيات التدبير وتأهيلها للقيام بأدوارها، وتقوية وتفعيل صلاحياتها التدبيرية في إطار العمل بمبدأ قرار القرب.
كما يتعين أن ترتكز هذه الحكامة أيضا على إسناد مسؤولية تدبير منظومة التربية والتكوين لبنيات التدبير على المستوى الترابي وتفويض الصلاحيات لها في إطار الاستقلالية والتعاقد والمحاسبة، ونعني بها الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، والنيابات والمندوبيات الإقليمية، ومؤسسات التربية والتكوين نفسها، والجامعات، ومؤسسات التعليم العالي التابعة لها، وهو ما يستلزم طبعا ريادة ملائمة، متشبعة بروح وإرادة التغيير على مستوى المصالح الترابية ومؤسسات التربية والتكوين، مدعومة بالضرورة بقدرات تدبيرية وهياكل فعالة في كافة مستويات المنظومة.
علاوة على إرساء مقومات الشراكة بين الأطراف المعنية في إطار تعاقدي، وضمان مشاركة الجهات والجماعات الترابية في خدمة قضايا المنظومة التربوية، وهنا يمكن القول بأن الديمقراطية الجهوية والمحلية أصبحت اليوم أكثر استعدادا لتحمل مسؤولية بعض الاختصاصات المخولة للدولة.
وسيكون من المفيد جدا، في إطار القوانين المنظمة للجهوية المتقدمة، أن تُخوَّل للجماعات الترابية اختصاصات معينة داعمة للمدرسة المغربية على المستوى الجهوي والمحلي، ولاسيما ما يتصل منها، على سبيل المثال، بالبنيات المدرسية والتكوينية وصيانتها وتجهيزها، وسكنيات مدرسي الوسط القروي…، إذ من شأن ذلك أن يتيح، من جهة، وضع القضايا المتعلقة بالمنظومة التربوية ضمن أولويات النقاشات السياسية الترابية، ومن جهة أخرى دعم هذه المنظومة بشكل متواصل على نحو يمكّنها من التركيز على مهامها ووظائفها الأصلية التي هي ذات طابع تربوي وتكويني.
هكذا يبدو أن تحقيق ورش اللامركزية واللاتمركز في تدبير المنظومة التربوية بات أمرا أكثر إلحاحية، وذلك على نحو يضمن انسجام تدبير المنظومة التربوية مع النهج الاستراتيجي لبلادنا لإرساء نظام ترابي لامركزي قائم على الجهوية المتقدمة كما ينص على ذلك دستور المملكة.

*الجديد في تمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي هو اعتماد ما سماه التقرير واجب التضامن الوطني والقطاعي في تمويل المدرسة، وإقرار رسوم للتسجيل في التعليم العالي وفي التعليم الثانوي، فما تصور المجلس لتطبيق هذا الإجراء الجديد في التعليم الثانوي المفترض مجانيته ؟

..تمويل المنظومة التربوية من القضايا الأفقية الإشكالية التي انكب عليها المجلس، حيث ركز في الرؤية الاستراتيجية على المبادئ والقواعد العامة الناظمة لمسألة تمويل المنظومة التربوية، في انتظار استكمال الدراسة التي هي قيد الإنجاز من قبل المجلس بتعاون مع القطاعات المعنية ومع بعض المؤسسات والخبرات الوطنية، والتي ستوضح عناصر مسألة تمويل المنظومة التربوية من جهة وكلفة الاصلاح المنشود من جهة أخرى، بالإضافة إلى مسألة تنويع مصادر الموارد المالية.
المجلس في هذا الصدد لم يضع المجانية موضع تساؤل، بل بالعكس أكد على ضمان مجانية التعليم الإلزامي باعتباره واجبا على الدولة، وعدم حرمان أي أحد من متابعة الدراسة بعد التعليم الالزامي لأسباب مادية محضة إذا ما استوفى الكفايات والمكتسبات اللازمة لذلك، معتبرا في ذات الوقت الإنفاق على التربية والتكوين بمثابة استثمار مربح في تأهيل الإمكان البشري وتنمية البلاد، ومؤكدا على استحضار مبادئ أخرى من قبيل مبدأ تحمل الدولة القسط الأوفر من التمويل مع تنويع مصادره؛ ومبدأ الالتزام بواجب التضامن الوطني في تمويل المدرسة.
وحتى عندما تحدث المجلس في رؤيته الاستراتيجية عن رسوم التسجيل، في التعليم العالي، ولاحقا، في التعليم الثانوي التأهيلي، أكد على ضرورة تطبيق مبدأ الإعفاء الآلي لفائدة الأسر الفقيرة، وذلك في إطار إعمال التضامن الاجتماعي.

*وردت في التقرير توصيات موجهة للقطاعات الحكومية بهدف تنفيذها، وخاصة ما يتعلق بملاءمة التعلمات والتكوينات مع حاجات البلاد ومهن المستقبل، وترسيخ بناء مجتمع المواطنة والديمقراطية والتنمية المساواة بين الجنسين، فما تصور المجلس لإمكانية انخراط الحكومة في تفعيل هذه التوصيات؟

كما أشرت سابقا قد تمت بلورة الرؤية الاستراتيجية بناء على استشارة موسعة وتنسيق موصول شمل كذلك القطاعات الحكومية المكلفة بالتربية والتكوين والبحث العلمي والتعليم العتيق، والتي يعد وزراؤها أعضاء في المجلس بصفتهم المؤسساتية. وبهذه الصفة ساهموا في إعداد الرؤية بعروض ومساهمات متميزة، هذا المعطى يجعل الرؤية متقاسمة ومتملَّكة من قبل الجميع، بمن فيهم أعضاء الحكومة؛ علاوة على التقاء الإرادات من أجل عدم تفويت فرصة إصلاح المدرسة المغربية هاته، وهو ما يمنح ضمانة قوية لانخراط الجميع في تنفيذ رافعات الرؤية الاستراتيجية. لهذه الأسباب، نحن واثقون بأننا سنقف في كل مرحلة من مراحل تنفيذ الرؤية على النتائج الملموسة للإصلاح.

  *في إطار تعاقد جديد بين المدرسة والمجتمع، أوصى المجلس بتحويل الرؤية الإصلاحية للمدرسة المغربية إلى قانون إطار يجسد تعاقدا وطنيا يلزم الجميع ويلتزم الجميع بتفعيل مقتضياته، ألا ترون في هذا الطرح تعارضا مع دينامية التربية والتكوين والتحولات التي تعرفها المنظومة التربوية في علاقتها بالمستجدات الكونية؟

  ..ليس هناك أي تعارض، بل إن التنصيص على مستلزم من هذا القبيل، هدفه الأساس حشد التعبئة المجتمعية حول الإصلاح المرغوب وضمانة لوضع الإصلاح فوق سكة التطبيق في المدى الزمني المخصص له في منأى عن إكراهات الزمن السياسي والتناوبات الحكومية.
لذلك، دعا جلالة الملك في خطابه السامي إلى «صياغة هذا الإصلاح في إطار تعاقدي وطني ملزم، من خلال اعتماد قانون – إطار يحدد الرؤية على المدى البعيد، ويضع حدا للدوامة الفارغة لإصلاح الإصلاح، إلى ما لا نهاية». وهذا لايمنع إطلاقا القيامَ بالتعديلات الضرورية لمواكبة المستجدات والتغييرات المرتبطة بتطور المنظومة التربوية وعلوم التربية ومعادلات التعليم والتكوين، ما دام من بين التدابير الهيكلية التي يتعين اتخاذها على المدى القريب توفير وتعميم آليات المواكبة والتتبع والتقييم والمراجعة على جميع مستويات ومكونات المنظومة.

  *نرى أن من أسباب تعثر محاولات الإصلاح التربوي بالمغرب هو عدم توفر إرادة سياسية حقيقية لدى الجميع لإصلاح التعليم، وإنزاله منزلة الصدارة في جدول أعمال الدولة والأحزاب والنقابات والجمعيات المهنية، وهو مدخل أساس لإنجاح أي إصلاح مرتقب، فما رأيكم في هذا الطرح؟

  ..دعوني أؤكد لكم،والجميع يدرك ذلك، بأننا نعيش اليوم مرحلة صحوة حقيقية وإرادة جماعية قويةمن أجل إصلاح المنظومة الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، انطلقت بالخطب الملكية لسنتي 2012 و 2013؛ وقد لمسنا ذلك في جميع محطات إعداد الرؤية الاستراتيجية، سواء على مستوى الفاعلين المشاركين في جلسات الاستماع وفي لقاءات الحوار الجهوي، أو على مستوى الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني إثر مشاركتهم بمساهماتهم الكتابية، وكذا التفاعل الإيجابي للحكومة مع الرؤية الاستراتيجية للمجلس.
وبطبيعة الحال، إذا ما تمعنا في الأمر جيدا سنقف على فارق دقيق:هناك أوساط تحمل طموحا لا حدود له في التغيير، وهناك أوساط أخرى تبدي نوعا من الحذر إزاء التغيير،ولكن مسألة التعليم ليست القضية الوحيدة في المجتمع التي قد يختلف الرأي حولها بين الإصلاحيين والمحافظين، فالشيء الأهم،هو أن الجميع يتقاسم نوعا من الامتعاض من الوضع الحالي للمدرسة،ويلتقي حول الدعوة إلى تغيير بمقدوره تخليص المدرسة مما هي فيه الآن،وتمكينها من إعداد «الأدمغة» التي تزداد حاجة بلادنا إليها في جميع المجالات.
لهذا، سيكون من شأن إعلان 2015-2030 مدى زمنيا للتعبئة الوطنية من أجل إصلاح وتجديد المدرسة المغربية كما أوصى بذلك المجلس، أن يوفر إمكانا ملائما لترجمة هذه الإرادة على أرض الواقع. وكل طموحنا أن نشيد بتظافر جهودنا جميعا مدرسة مغربية جديرة بتطور مجتمعها ومواكبة لمتطلبات العصر، ومتجاوبة مع انتظارات وطموحات الشباب.

  *نرى أن محاولة الإصلاح التربوي والتعليمي بالمغرب لم تتمكن من تحقيق نقلة نوعية لمنظومتنا التربوية، مما فاقم من تخوف المواطنين والممارسين والفاعلين والشركاء من فشل أي مبادرة إصلاحية جديدة للمنظومة التعليمية، فهل استحضرتم هذا المعطى عند إعداد تقرير الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية؟

..بالفعل، ما فتئ المجتمع المغربي يسائل واقع مدرسته، وهذا يبين الوضع الذي وصلت إليه المنظومة التربوية، والنضج الذي وصل إليه انشغال الجميع بإصلاحها وتغيير واقعها نحو الأحسن، إلا أنه حان الوقت للتخلص من الشعور باليأس والفشل، ومقاومة كل إحساس بالانهزام وباستحالة التغيير، وتغيير خطاب الإحباط بخطاب الإيمان بإمكانية الإصلاح، وعدم تفويت هذه الفرصة، وهو ما سيمكن المجتمع من استرجاع الثقة في المدرسة وفي قدرتها على أن تكون رافعة للارتقاء الفردي والمجتمعي.
وقد قُلت في معرض الجواب على السؤال السابق إن المعطى الذي وقفنا عليه خلال هذه السيرورة التي أثمرت الرؤية الاستراتيجية، هو إرادة الجميع في التغيير والإحساس بالقدرة على تحقيق الإصلاح من لدن الجميع. وهذه نقطة قوة وازنة يتعين استثمارها إلى أقصى حد، وبشكل مستديم، في فعل التغيير، وفي مواكبة الإصلاح والسهر اليقظ على بلوغ أهدافه.
ومن الضروري التذكير هنا بإمكان وازن وحاسم لتغيير وضع المدرسة وتمثُّلها،ولإنجاح هذا الورش المصيري، ألا وهو،كما يعلم الجميع، الإرادة الحازمة لجلالة الملك لأن تتوفر لبلادنا مدرسة ترقى إلى مستوى تطلعات وطموحات المغاربة،وتفتح أفضل الآفاق أمام الشباب.
نتساءل من الناحية المنهجية عن كيفية التنسيق بين مشروعي وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني ورؤية المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حيث شرعت وزارة التربية الوطنية في تفعيل الأولويات والتدابير في إطار تنزيل خطتها الإصلاحية ورؤيتها المستقبلية باستقلال عن خطة المجلس الأعلى للتعليم وتوصياته.
هناك توضيحات يتعين أخدها بعين الاعتبار في تناول منهجية الاشتغال والتنسيق بين المجلس والقطاعات الحكومية المكلفة بالتربية والتكوين والبحث العلمي:
أولها أن جلالة الملك وقف في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية لسنة 2014 بتدقيق على هاته المسألة حينما عبر عن تطلع جلالته لأن يتوج المجلس عمله ببلورة توصيات كفيلة بإصلاح المدرسة المغربية والرفع من مردوديتها، معتبرا، وفي أفق وضع المجلس لخارطة طريق واضحة أن على القطاعات المعنية مواصلة برامجها الإصلاحية دون توقف أو انتظار؛
من الطبيعي إذن أن تكون الوزارات المعنية قد أعدت برامج خاصة لمواجهة الاختلالات والمشاكل المستعجلة، غير أنه حاليا تغير هذا المعطى بعد أن أصدر المجلس رؤيته الاستراتيجية، وقدمها أمام جلالة الملك، وأصبحت الوزارات المعنية منكبة على إعداد برامج عملية لتفعيل الرؤية الاستراتيجية وانطلاق ورش الإصلاح.
بالإضافة إلى ذلك، فإن جلالة الملك دعا في خطاب العرش الأخير إلى صياغة الإصلاح التربوي في إطار تعاقدي وطني ملزم، من خلال اعتماد قانون إطار يحدد الرؤية على المدى البعيد؛وهو ما يعني أنه يتعين على الحكومة إعداد مشروع هذا القانون الإطار، والمجلس يضع نفسه رهن إشارتها من أجل أن يتم ذلك في أحسن الظروف وأقرب الآجال.
هذه الاعتبارات، تجعل التعاون الوثيق والتنسيق المستمر بين المجلس والقطاعات نهجا لا مفر منه لإنجاح الإصلاح الذي نصبو إليه جميعا، وذلك في احترام تام للموقع الدستوري، ولمهام واختصاصات كل جهة.

  *من مهام المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي متابعة تنفيذ توصياته وتتبع تطبيق الإصلاح وتقييم نتائجه وتحصين تطبيقه من التعثرات، فما الخطة التي وضعها المجلس لتنفيذ مهامه في علاقته بوزارة التربية الوطنية وبالقطاعات الحكومية؟

  ..يمكن القول هنا بأن تنصيص القانون المتعلق بإحداث المجلس على التعاون مع السلطات الحكومية والهيئات والمؤسسات المعنية بقضايا التربية والتكوين والبحث العلمي، في توفير الوسائل وتحديد مؤشرات الأداء الكفيلة بقياس مآل الآراء التي أدلى بها المجلس، ونتائج أعمال التقييم التي ينجزها، وتقديم هذه السلطات والهيئات التسهيلات والمساعدات اللازمة للمجلس في هذا الشأن، يتيح الأداة الأنجع للتتبع اليقظ لسيرورة تطبيق الإصلاح وإنجاز التقييمات المرحلية لنتائجه، بناء على مؤشرات وأدوات مضبوطةللقياس.
وسيسهم المجلس، في هذا الصدد، في التقييم العلمي المنتظم لتطبيق الإصلاحولسيره وتحقيق أهدافه،من خلال الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين لديه،وفي نطاق الصلاحيات الدستورية المخولة له.

o إنجاح الإصلاح رهين بالتعبئة المجتمعية الشاملة، فما أهم شروط إنجاح الإصلاح التي توقف عندها المجلس لتفادي تعثرات تطبيق الإصلاح وتحقيق أهدافه؟
n بالفعل لم يغب عن المجلس هذا الجانب الحاسم بالنسبة لورش الإصلاح مستفيدا في ذلك من تجارب الماضي. وقد خصص فصلا منفردا (الفصل الرابع للرؤية) للتأكيد على المستلزمات والشروط الواجب توافرها لتيسير التفعيل الناجع لرافعات الرؤية الاستراتيجية، واستهداف الأثر الملموس لخارطة طريق إصلاح المدرسة وتجديدها.
من هذه الشروط على الخصوص تأتي في المقام الأول التعبئة المجتمعية المستديمة، من خلال إعلان 2015-2030 مدى زمنيا للتعبئة الوطنية من أجل تجديد المدرسة المغربية، كما ذكرنا ذلك سابقا. و ستكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، هي تنظيم المجلس قريبا للمحطة الثانية للقاءات الجهوية، من أجل تقديم الرؤية وحفز تملكها من قبل الفاعلين، والآباء، وجميع القوى الحية للأمة.
وفي المقام الثاني: التعاقد المجتمعي الذي يمثله القانون – الإطار الذي تكلمنا عنه في معرض الجواب على سؤالكم السابق.
أما في المقام الثالث، فهناك عدد من التدابير المؤسساتية المقترحة في مقدمتها: تفعيل اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للبرامج والمناهج، وإطلاق برامج تكوينية لصالح العاملين حاليا في المنظومة من أجل التنمية المهنية لقدراتهم وكفاءاتهم، وتحضيرهم للانخراط في التغيير، وتسريع التدابير اللازمة للشروع في الإدماج التدريجي للتعليم الأولي في التعليم الابتدائي الإلزامي، والشروع في الإحداث التدريجي لشبكات مختصة في تعليم اللغات الأجنبية خارج المناهج الدراسية النظامية، وإطلاق برنامج وطني وجهوي ومحلي، لإعادة تهيئة المؤسسات التعليمية القائمة، وبناء مؤسسات جديدة، على الخصوص في المناطق النائية.
دون أن ننسى مدخلا أساسيا يتمثل في تحقيق ريادة وقدرات تدبيرية ناجعة في مختلف مستويات المنظومة التربوية ومكوناتها، وتوفير الإمكانات البشرية والمستلزمات المادية واللوجستيكية والتواصلية والتشريعية التي يتطلبها تفعيل الإصلاح وتطبيقه.
هكذا سيكون بمقدورنا استرجاع ثقة مجتمعنا في مدرسته، وفي قدرتها على الاضطلاع بمهامها، واسترجاع الثقة، هو الشرط المحوري لإنجاح الإصلاح، والبرهان القاطع لتحقيق النجاح.

  • عمر عزيمان في حوار حصري لجريدة «الاتحاد الاشتراكي»:

    حاوره : إبراهيم الباعمراني