انتهت –أمس- مرحلة من المسلسل الانتخابي، المتعلق بالجماعات الترابية،بإفراز رؤساء الجهات الاثني عشر، طبقا للتقسيم الجهوي الجديد.
وسيكون على المغرب، خلال الست سنوات المقبلة، أن يكرس تجربة الجهوية الموسعة، التي تهدف –أساسا-إلى التنمية الاقتصادية والبشرية والتوازن في البنيات والثروة.
هي مرحلة، ستليها محطتان: الأولى هيكلة مكاتب العمالات والأقاليم. والثانية، ذات بعد وطني. وتتمثل في انتخاب أعضاء مجلس المستشارين الغرفة الثانية للبرلمان المغربي يوم الرابع من أكتوبر المقبل. وبذلك، سيتم استكمال أجزاء خريطة سياسية، ولدت بعمليات قيصرية شتى، وتمخضت عن تدافعات على أكثر من مستوى.
هي خريطة سياسية إذن، لها مميزات وخصائصُ لابد من الإشارة إلى عناصرها الأولية:
أولا، إنها تعبر عن أن الانتخابات بالمغرب، لم ترقَ بعدُ إلى مستوى البرامج والأفكار السياسية . إن الأحزاب، أو لنقل إن المرشحين في الأغلب الأعم،يتعاملون مع الجسم الانتخابي ككم يدلي بأصواته في صناديق الاقتراع، دون المساهمة في تكوينه، والرفع من وعيه السياسي، وترسيخ حرية الاختيار بين البرامج والطروحات .
ثانيا ، إن إفراز مسلسل الانتخابات خلال الأربعة عقود الماضية، أصبح بنيويا . فهناك اليوم، شبكات احترفت المتاجرة بالأصوات بالجملة والتقسيط ،شبكات لها من القوة التنظيمية ما يسهّل تحركها وتلاعبها بالذمم ،شبكات للاتجار بالبشر، مستغلة فقرهم وعوزهم وأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
ثالثا، إن مسلسل الاستحقاق، الذي انطلق بالانتخابات المهنية في القطاعين العام والخاص، أبرز أن ثمة تحولات مجتمعية، لها امتدادات في بنية الأحزاب والنقابات،أثرت بشكل كبير في إنتاج هذه المؤسسات للعنصر البشري، وجعلت منه عنصرا يشتغل من أجل مصالحه الشخصية أولا وثانيا وثالثا، أي أن تنظيمه السياسي أو النقابي، إنْ هو إلا قاعدة انطلاق لتسلق سلم تسوية أوضاعه المادية.
رابعا، إن من تمظهرات ماسبق، طبيعةُ التحالفات التي عرفتها عمليات انتخابات رؤساء الجهات . لقد تحولت هذه الانتخابات إلى سوق عرض وطلب، لصياغة أغلبية تبوئ أشخاصا الرئاسةَ، بالرغم من أن خرائط أحزابهم وتموقعاتهم بالأغلبية أو المعارضة، لاتؤهلهم عدديا لذلك . لقد ساد اللامنطق والعبث في مسار هذا المسلسل إلى درجة أفقد صناديق الاقتراع القيمة السياسية لنتائجها .
خامسا، إن استحقاقات 2015 تجري في مغرب تتناسل فيه الخلايا الإرهابية. ونحن اليوم، أمام الجيل الثالث لهذه التنظيمات، التي أصبح اعتقال أفرادها مرتبطا بتوفرهم على أسلحة وتأهبهم للقيام بعمليات إرهابية .
لاحاجة للتذكير بأن الديمقراطية، والديمقراطية الحقيقة، هي السبيل الوحيد لمواجهة الخطر المحدِق ببلادنا. إن أي شكل آخر من « الديمقراطية»، ماهو إلا إضعاف للمؤسسات وإفقادها للمصداقية.
عموما مازال الحقل السياسي بالمغرب متسخا بممارسات تفقده نبْلَه، وتتخذه ميدانا للمتاجرة على غرار ميادين أخرى تتنفس هواءً موبوءا، يؤثر على صحة تدبير الشأن العام .