في قراءة أخرى لنتائج الانتخابات الجماعية والجهوية، هناك الأرقام، التي تؤكد أن نسبة المشاركين، في هذه الاستحقاقات، تدور حول 53 في المئة من المسجلين في اللوائح الانتخابية، إذا صدقنا الإحصائيات الرسمية، بينما ظل 47 في المئة، خارج هذه النسبة، لكن إذا أضفنا إليها ما يفوق 8 ملايين، من الذين يحق لهم التسجيل في القوائم، لكنهم غير مسجلين، فهذا يعني أن الأغلبية لم تشارك في الانتخابات.
لو كنا في بلد عريق في الديمقراطية، لكانت هذه هي القضية الكبرى، التي ستأخذ الأولوية لدى الرأي العام، حيث ستطفو على السطح إشكالية هامة، مفادها أن الحزب الذي حصل على الرتبة الأولى في عدد الأصوات، لم يتجاوز 1.500.000 صوت، أي أنه لايمثل إلا نسبة لا تتجاوز 6 في المئة، من الذين لهم حق التصويت.
نفس المعايير يمكن تطبيقها على باقي الأحزاب، حيث إن نسب تمثيليتها تظل محدودة جدا، لنستخلص أن السؤال الكبير الذي ينبغي تقديم جواب عن أسبابه ودواعيه، هو لماذا يقاطع حوالي ثلثي الذين يحق لهم التصويت كل الاستحقاقات التي عرفها المغرب، مع الإشارة إلى أن الأرقام التي كانت تقدم في العقود السابقة حول نسب المشاركة، كاذبة أو مبالغ فيها.
هذه الأرقام تدل على أن هناك أزمة ديمقراطية، إذ تعبر عن عدم ثقة أو لامبالاة، تجاه العملية السياسية، إما لأن هناك من يعتبر أنها فاقدة للمصداقية، أو لأن هناك من يعتبر أن لاجدوى من ورائها، أو لأن هناك أيضا فئة خارج التغطية بشكل نهائي، نظرا لتفشي الأمية في أوساطها، ووقوعها تحت التهميش المطلق.
في كل هذه الأحوال، هناك حاجة إلى معالجة هذه التحديات الكبرى، التي تفرض على الجميع، دولة وأحزابا بذل مجهودات من أجل دمج المقاطعين أو غير المبالين بالانتخابات، ودفع المسجلين في القوائم، إلى التصويت والمشاركة.
لأجل ذلك، لابد من مراجعة آليات الفعل السياسي، في المغرب، الذي ظل تقليديا، لايختلف عما عاشه الشعب في العقود السابقة، رغم كل ماعرفه العالم من تحولات، إذ ليس هناك أي مشروع جدي للبناء الديمقراطي.
من المؤشرات السلبية في هذا الوضع، هناك وسائل الإعلام العمومية، التي ظلت رسمية جدا، وضعيفة الأداء، ولا تلعب دورا إيجابيا في تطوير الحوار والجدل السياسي، ومازال العديد من وسائل الإعلام يروج صورة سلبية عن كل السياسيين، ومازالت المؤسسات، التي من المفترض أن تكون رافعة للبناء الديمقراطي، مثل البرلمان والمجالس المنتخبة وغيرها من الهيئات التمثيلية، تعيد إنتاج التخلف.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •  الاربعاء 16 شتنبر 2015