مَرَّ ما يقرب، اليوم، من أربع سنوات على الانفجارات التي عمَّت مجموعة كبيرة من البلدان العربية، وقد تولَّد عن فعل الانفجارات وقائع جديدة، كما تبلورت في قلبها تحديات ومعارك لم تكن متوقّعة، إلّا أنّ الأمر المؤكّد، اليوم، يتمثَّل في مواصلة مختلف أعطاب مجتمعاتنا، وعلى رأسها أعطاب المجال السياسي.

لن نتمكن من محاصرة تسلّطية الدولة، في العالم العربي، إلا بمواجهتها بمطلب الإصلاح في شموليّته، ومطلب الإصلاح -في نظرنا- هو سؤال الراهن العربي. فأمام شرعية الابتزاز، ينبغي إشهار مطلب الإصلاح، ثم مطلب تدبير الانتقال الديمقراطي. وضمن هذا الأفق، نتصوَّر أنّ الإصلاح السياسي، الذي يتّجه إلى إعادة تركيب قيم الحداثة في مجتمعاتنا، في ضوء خصوصيّاتنا التاريخية المحلية، يشكّل، اليوم، ثورة تفوق كلّ أحلامنا القديمة في الثورة، وتفوق ما اعتبرناه، ذات يوم، ثورة، لينقلب علينا، ويمارس بهلوانيّته السياسية، متوخّياً تكريس دولة التسلّط.

يُعدّ التحديث السياسي -في نظرنا- ثورة فعلية في مجال تطور الممارسة السياسية في التاريخ الإنساني، ولا نعتقد أنّ تاريخنا يُشكّل أيّ استثناء في هذا الباب؛ فقد ظلّت أنظمتنا السياسية، خلال تاريخنا الطويل، تُعبّر عن خيارات يختلط فيها المعطى الخصوصي بالمتغيرات الحضارية المجاورة؛ متغيّرات الأمّم والشعوب التي ارتبطنا معها في علاقاتٍ لا حصر لها؛ حيث استفادت ممارستنا السياسية، في عصورنا الوسطى، من معطيات الممارسة السياسية الفارسية والبيزنطية، وعكست، في مجملها، سواء في مستوى الخطاب، أم في مستوى الفعل، صيرورة تاريخ معقّد من تداخل الطوباوي بالتاريخي. كما استمدّت بنية السياسي، في تاريخنا المعاصر، أغلب مظاهرها من نموذج الدولة الوطنية. كما تبلور في التاريخ الأوروبي، منذ القرن السابع عشر، حيث نشأت الدولة الحديثة، ونشأ، بشكل محايثٍ لها، الفكر السياسي الليبرالي، باعتباره الإطار المواكب والمُقعِّد لتحوّلاتها، وباعتباره، أيضاً، الناظم لشرعيّتها، والمكوِّن لكيفيات تبريرها لمواقعها، ومواقفها، وأنماط مؤسساتها.

وقد ولَّد واقع السلطة في مجتمعاتنا، منذ المرحلة الاستعمارية إلى اليوم، خليطاً عجيباً من أشكال السلطة المستبدّة، وعشنا حالاتٍ من التأرجح، والتبعية، والاختلاط، تدلّ، بصورة قاطعة، على أنّنا لم نتمكّن، بعد، من استيعاب دروس الحداثة السياسية، دروس السياسة، كما تمّ ترتيب وتقنين قواعدها في التاريخ الحيّ، تاريخ البشر، وتاريخ النخب السياسية المتصارعة في التاريخ.

وعندما انطلقت تظاهرات الميادين في تونس ومصر سنة (2011م)، اعتقدنا أنّ ساعة التحوّل المطلوب قد تحقَّقت، إلّا أنّ الوقائع، التي صاحبت الحدث المذكور، وتواصلت بعده، أكَّدت مجدَّداً حاجتنا الماسَّة، اليوم، إلى الإصلاح الشامل، إصلاح الذهنيّات، والمؤسّسات، والضمائر، الأمر الذي نعتقد أنّه لا يزال مُسطّراً في جدول أعمالنا.

لقد انطلق مشروع إعادة تأسيس النظر السياسي في الفكر العربي المعاصر منذ قرنين من الزمان، بخطواتٍ متعدّدة واكبت التحوّلات الشكلية، التي عرفها نمط السلطة السائدة في دول العالم العربي والإسلامي، وبصورة قسرية، بحكم مقتضيات الزمن الإمبريالي، التي رسمت ملامحِ نظامٍ في الدولة اعتبرته كونيّاً، بناءً على مقاسها الخاصّ. ولم يكن بإمكان النخب السياسية السائدة، آنذاك؛ في زمن التأخر التاريخي الشامل، إلا أن تقبل، في الأغلب الأعم، عمليات النسخ والاستعارة، ثم الحماية والاستعمار، لتتحوّل إلى كيانات تستمدّ من مظاهر الدولة العصرية آليات جديدة في السطوة، دون أن تتمكّن من استيعاب متطلبات النمط السياسي الجديد، في أبعاده النظرية والتاريخية (نمط الدولة الوطنية في علاقته بالفكر السياسي الوضعي والتعاقدي في صيغه العديدة والمتطورة).

ولهذا السبب، اتّجه الفكر السياسي الإصلاحي إلى بلورة شعارات المرحلة، من أجل دولة جديدة قادرة على تملُّك قيم السياسة الحديثة، المتمثلة في مقدمات وأصول الحداثة السياسية. ومنذ ذلك الحين، ظلّ الفكر السياسي الإصلاحي ينتقد ازدواجية الدولة المتمثلة في مظاهرها الحديثة المختلطة بمنطق التقليد السياسي السلطاني، دون أن ينجح في تقليص مساحة التقليد المهيمنة على منطق الدولة، واستمرت الدولة تراوح الخطوَ بين مطلب أن تكون دولةً حديثة، وهو مطلب خارجي في الأساس، وقد تحوّل، بفعل وأفعال المثاقفة، وعمليات التطوّر التاريخي الموضوعية، إلى مطلب للنخب السياسية، وبين الفكر السياسي المحايث لنظام الدولة القائمة، وهو فكر يستدعي خطاباً في السياسة التراثية سابقاً، في محتواه، مظهرَ الدولة الوطنية؛ أيّ سابقاً مرحلةَ الحداثة السياسية، التي أسّست نظام الدولة الوطنية، في الغرب الأوروبي، ثمّ بقية مجتمعات المعمورة.

إنّ سؤال الإصلاح السياسي، الذي يعود، اليومَ، ليشكّل إطاراً كبيراً للتفكير في مآلنا السياسي الراهن، هو، في العمق، سؤال الحداثة السياسية؛ فالديمقراطية، في صورها المتعدّدة، وأشكالها التاريخية المختلفة، تقوم على قاعدة مركزية مشتركة؛ قاعدة فصل السياسي عن العقائدي، وفصل السياسي عن الطوباوي، وإبراز علاقات التداخل القوية القائمة بين السياسي والتاريخي، السياسي والمجتمعي، السياسي والعقلاني، السياسي والفعل الإرادي التاريخي، الفعل السياسي والتدبير التاريخي للصور المؤسِّسة والمُشكِّلة للمجال الديني، وهذه كلّها مقدّمات حاملة لمشروع التحديث السياسي، في بعده المتعلّق بنمط الحكم الديمقراطي، باعتباره واحداً من أكثر الصيغ السياسية نجاعةً في العالم المعاصر، دون أن نمنحه، بحكمنا هذا، أيّ امتياز لا تاريخي.

نحن نعتقد أنّ مدخل التحديث السياسي يُعَدُّ المدخل المناسب لتجنّب معارك مرتقبة في الفضاء السياسي العربي، ففي كثير من مظاهر الصراع القائمة في مجتمعاتنا، الظاهر منها، والمقنَّع، ما ينبئ بوجود معارك قد تضيف إلى واقع تأخرنا معطيات جديدة، تضاعف من عنف الاستبداد القائم، وتحاصر كلّ آمالنا في توسيع دائرة المشاركة السياسية، وتعميم الوعي، بلزومها في بناء تصوّر للذات يُحصِّنها من غزو الغزاة؛ غزاة الداخل، وغزاة الخارج، حيث تكون، غالباً، مصالح الغزاة مترابطة حتى عندما تتقنَّع؛ بل حتى عندما تتّخذ، أحياناً، مظاهر الرفض الذي يغلق الأبواب ليفتح النوافذ…

إنّ تجدّد الحديث عن الإثنيات، واللغات، والأقليات، والطوائف، في الأوضاع العربية الراهنة -وهو تجدّد ينتعش ويتقوّى بصيغٍ لا تساعد على استيعابه بالأساليب التاريخية، والسياسية، والثقافية، المناسبة. ونقصد، بذلك، أساليب الوعي التاريخي القادر على التصالح الإيجابي مع مكوناته، والتسليم، في الآن نفسه، بالأهمية التاريخية، والدور المخصب للتنوع في التاريخ- يعني أنّنا، فعلاً، أمام عناصر تؤكّد حاجتنا الفعلية إلى الحداثة السياسية، إلى التدبير التعاقدي الديمقراطي للسلطة، إلى فصل السلطات، وتوسيع دائرة الوعي بقيم المواطنة، وبنبذ أخلاق القبيلة، وأساطير أشجار النسب المفترضة والمتخيلة.

ومثلما أنّ التحديث السياسي لا يعني العودة إلى الأنموذج الليبرالي، الذي يَعدّه بعضهم جاهزاً ومكتملاً، كما لا يعني العودة إلى أطروحات فلسفة الأنوار المناهضة، في أطوار نشأتها الأولى، لسلطة الكنسية، وصكوكها، فإنّ المشروع السياسي الحداثي التاريخي لا يستند إلى التصورات العرقية والدموية؛ إنّه مشروع توافقٍ يحصل، في التاريخ، بناءً على إرادات الفاعلين، وطموحاتهم المتغيرة، داخل التاريخ.

إنّ بعض مظاهر التحديث السياسي قائمة في كثير من ملامح المشهد السياسي في عالمنا، لكن البنيات العميقة اللاحمة للتحديث، والبنيات التاريخية والنظرية، التي يمكن أن يترتّب عليها طريق اللاعودة، في موضوع غرس قيم الحداثة في فكرنا ومجتمعنا، لا تزال غير قائمة؛ بل إنّنا نعاني من سيادة اللغة العتيقة والميتة في خطاباتنا السياسية، وغالباً نستعمل بعض مظاهر الحداثة السياسية في علاقاتنا بالآخرين إرضاءً لهم، وهذا المظهر من مظاهر ازدواجيتنا السياسية يضاعف من إشكالاتنا السياسية، وهو يرتبط بمظهر اللاحسم، الذي يشكّل آلية من آليات تفكيرنا وحياتنا، ليس في المجال الذهني، والمجال السياسي، وحدهما؛ بل في مختلف مظاهر حياتنا، حيث لا نزال نتشبّث بالمتناقضات حمايةً لمواقف لم تعد كوارثها، وآثارها السلبية، تخفى على أحد، على الرغم من كثرة الأقنعة والمساحيق، التي نستعملها لإخفاء درجات تأخرنا التاريخي، وفشلنا السياسي في الداخل وفي الخارج.