تعيش الحياة السياسية البريطانية على إيقاع الزلزال الذي شهدته قيادة حزب العمال، حيث تمكن جيريمي كوربين، أحد ممثلي الجناح اليساري، من الفوز بزعامته، محدثا بذلك هزة مشابهة لتلك التي عرفتها اليونان، بفوز حزب سيريزا، اليساري، والتقدم المتواصل لبوديموس في إسبانيا.
فمن هو جيريمي كوربين؟ إنه مناضلٌ من الجناح اليساري الجذري لحزب العمال البريطاني، عمره 66 سنة، نائب برلماني، ومناضل نقابي، يختلف عن القيادات الكلاسيكية لهذا الحزب، التي تخرجت من الجامعات الكبرى والمعاهد العليا، حيث توقف عن الدراسة في سن الثامنة عشرة، لكنه واصل تثقيف نفسه، يقرأ الكتب بنهم، يساند القضية الفلسطينية، يعبر عن رفضه لغزو العراق وأفغانستان، ويعارض مشروع مضاعفة ميزانية بلاده، للزيادة في التسلح النووي…
جيريمي كوربين، رغم سنه المتقدم نسبيا، ينال إعجاب الشباب والطلبة، بالإضافة إلى مساندته من طرف النقابات، نظرا للتغيير الكبير الذي أتى به في خطابه السياسي، حيث يعتبر أن سياسة التقشف التي ينهجها حزب المحافظين، الحاكم، أدت إلى إفقار الفقراء ومعاقبتهم. كما يقول إن الأجراء ليسوا مسؤولين عن الأزمة، ولذلك هناك منهجية أخرى لوضع الميزانيات، غير المنهجية التقشفية، التي تنفذها الحكومة الحالية بضرب المكتسبات الاجتماعية وتوجيه الضربات للفئات الفقيرة.
الزعيم الجديد لحزب العمال البريطاني، الذي تم انتخابه يوم 12 شتنبر الأخير، يعتبر أن الوقت قد حان لدفن الليبرالية المتوحشة، التي أتت بها مارغريت تاتشر، ولم يجرُؤ أحد بعد ذلك على مراجعتها، حيث يطالب بالزيادة في الضرائب على الفئات الغنية، وإعادة تأميم السكك الحديدية، وتحمل الدولة لمشاريع السكن الاقتصادي، وسن سياسة تضامن شاملة، في إطار مجتمع العدالة، والعودة إلى الأصول في المنظور الاشتراكي.
ويبدو من خلال التطورات التي يعرفها –حاليا- الوضع السياسي البريطاني، أن القُوى المناهضة لليبرالية المتوحشة، تتقدم بثبات، وأن خطابها يجد الصدى الإيجابي لدى الشباب وطبقات الشغيلة، حيث تقدم بدائل حقيقية، رغم كل الصعوبات، كما هو الشأن بالنسبة لليونان، من أجل مجتمع أكثر عدالة، الأمر الذي لم ينجح فيه اقتصاد السوق، الذي يعتبر عدد من الخبراء، أنه ينهار تدريجيا، وأن الأزمات المتكررة، التي تصيبه، لدليل على ذلك.
من حق القارئ إذن، أن يتساءل عن علاقتنا في المغرب بهذه الإشكالات. يمكن القول إننا في قلبها، على مستوى الاختيارات الاقتصادية، التي لاتختلف عن اختيارات الليبرالية المتوحشة، والتوجه نحو الخوصصة والمديونية والامتثال للمؤسسات التمويلية الدولية، وتحميل الشغيلة تبعات سياسات عمومية ليست مسؤولة عنها، وإفقار الفقير وزيادة “الشحمة فْظهر المعلوف”.

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •  الخميس 17 شتنبر 2015