بعد إجراء انتخابات رؤساء ومكاتب الجهات الإثني عشر أول أمس، وظهور النتائج والوجوه التي تقلدت مسؤوليات التسيير، لم يحدث الاهتمام  بأسماء ومسارات الرؤساء المنتخبين بقدر ما انصب اهتمام الناس ومواقع التواصل الاجتماعي على عبثية عدد من التحالفات الحزبية التي جرت، والتي نجحت أحيانا في تحويل الحزب الحاصل على الأغلبية إلى طرف معارض داخل مجلس الجهة.
الأمر هنا لا يتعلق بأي طعن في الأشخاص أو في مقدراتهم وكفاءاتهم، وإنما هو تسجيل لعودة ممارسات سياسية تحكمية عمياء كنا اعتقدنا أنها أفلت أو أن مهندسيها اقتنعوا بلا جدواها.
لقد أشرنا من قبل إلى كون انتخابات الرابع من شتنبر وما تلاها من استحقاقات هذا الأسبوع تندرج كلها ضمن مسار عام ابتدأ منذ الخطاب الملكي التاريخي والاستفتاء على دستور 2011 وما أعقب ذلك من انتخابات تشريعية وتشكيل الحكومة الحالية من الحزب الذي تصدر نتائجها، ومن ثم، فالدينامية المجسدة لكامل هذا الحراك المغربي المتفرد هي مسلسل يسير إلى الأمام ويمتلك نفسا ووجهة تقدميين ولا يقبل التراجع أو التجزيء، لأننا “ما قطعناش الواد وما نشفوش رجلينا”.
ما معنى إذن اليوم أن نجد أحزابا بكاملها تختار التواجد ضمن تحالف سياسي معين وفي نفس الوقت توجه منتخبيها في الجهات  للتصويت على مرشحي  تحالف آخر، بل وتجمد عضوية أو تطرد من لم يقبل بهذا التناقض؟
ما معنى أن يفوز حزب بالأغلبية الساحقة في مناطق، ويصير ذلك هو حدث هذه الانتخابات الجماعية والجهوية، وعندما يتم تشكيل مكاتب المجالس الجهوية نجده قد تحول إلى طرف معارض بلا أغلبية؟
ما معنى كل هذا الإصرار المرضي على التهكم على المغاربة والسخرية من إرادتهم؟ وكما لو أننا نقول لهم صوتوا كما شئتم وعاقبوا من أردتم  وضعوا ثقتكم في من تريدون، لكن في النهاية هناك جهة خفية غير معلومة هي التي ستقرر النتيجة وستمنح الأغلبية لمن تريد هي، حتى ولو كان ممن رفعت في وجوههم شعارات شعبية  تطالبهم بالرحيل…
إن هذه العقلية بالذات هي التي أفرزت كل التغيرات الانتخابية التي شهدها المغرب منذ 2011 إلى اليوم، والنجاح في تغيير موازين القوى لن يكون سوى بتغيير العقلية والأسلوب والسياسة، وليس بالإمعان في إعادة إنتاج سياسة الهيمنة والتحكم.
اليوم يخوض المغرب مسلسله الانتخابي في سياقات جديدة، لكن أيضا ضمن محيط وطني وإقليمي ودولي يعج بالمخاطر الأمنية والإستراتيجية والتنموية، ولذلك ليس من حق أحد أن يحرم بلادنا من ورقتها القوية المتمثلة أساسا في ديناميتها الديمقراطية وانفتاح حياتها السياسية والمجتمعية، لأن في ذلك فقط تكمن مصلحتها ومصلحة شعبنا وليس في هذه العبثية الانتخابية التي تكاد تكون… رعونة.
عندما اختار حزب التقدم والاشتراكية الإصرار على الوفاء لتحالفاته السياسية ضمن الأغلبية، فهو اختار بذلك الانتصار لقناعاته المبدئية ولرؤيته الواضحة للمستقبل وللمصالح العليا للبلاد، وللمعقول الذي كان الشعار المؤطر لحملته الانتخابية، وهو أيضا مرتاح في ذلك، لكونه كان دائما في مواجهة التحكم والهيمنة، وسيبقى كذلك دائما، وعلى الآخرين أن يستوعبوا خطورة مناوراتهم على مصلحة البلاد ومستقبلها، وأن يفهموا ماذا يعني بالضبط التصويت الشعبي لرابع شتنبر المنصرم، وأن يكفوا عن تحويل حقلنا الانتخابي والسياسي إلى سوق للمتاجرة بالضمائر والأصوات والمواقف…

  • عن بيان اليوم