أخيرا سمعنا رئيس الحكومة يتحدث بقبعته كرئيس حكومة عن الانتخابات الأخيرة.. ويعتبرها »انتصارا للوطن ككل«، هو الذي قدمها ليلة إعلان النتائج على أساس أنها انتصارحزبي حصري.
غير أن السيد رئيس الحكومة لم ينصع لوطنية الاقتراع تماما ، وكان لا بد من اللمز الحزبي الضيق من أن يمر عبر تصريح رسمي تلاه وزير الاتصال والناطق الرسمي للحكومة. وتبين أن الطبيعة تغلب التطبع، عندما قال الوزير على لسان الرئيس:« إن إجراء الانتخابات الجهوية والجماعية يعد إنجازا تاريخيا كبيرا، والتي كان البعض مع الأسف الشديد يتوقع أو يتنبأ بأنها لن تصل إلى هذا المدى». ولن نعرف هذا البعض إلا إذا قرأنا ما بعد هذا المطلع من التصريحات، إذ أنه يستثني مكونات الحقل الحزبي من الوطن عندما قال « نجاح تنظيم الانتخابات الجهوية والجماعية انتصار للوطن ككل، مما يقتضي تهنئة الحكومة على هذا العمل وعموم المواطنين والمجتمع المدني».
فهناك حزبه المنتصر، وهناك الوطن بكل مكوناته الرسمية والمدنية وعموم المواطنين، وهناك »البعض« الذي أخرجه من دائرة الوطنية ومن دائرة النصر الوطني ومن دائرة الافتخار بما يحققه المغرب.
لهذا الكلام تبعات لا يمكن أن تغيب عن متتبعي الرأي العام، فلأول مرة يتم إسقاط الوطنية عن خصم سياسي وانتخابي شريك في عملية الانتصار الوطني الذي يرفع بها رئيس الحكومة صوته.
إن منطق المشاركة والتصفيق للعملية الانتخابية يعني،أول ما يعنيه، أن الجميع يعترف بنتائجها، ويقر بشرعية المشاركين فيها، بل يدرك أن ذلك يجعل الجميع على قدم المساواة، شرعيا وقانونيا وأخلاقيا.
ويسقط حق رئيس الحكومة في توزيع صكوك الوطنية المنتصرة!
ومن المفارق أن ردود الحكومة توزعت بين نزعة دعائية حزبية ضيقة وبين تسويغ تقني قدمه وزير الداخلية في نفس اليوم عندما اقتصر على تقديم أوراق تقنية عن العملية «لا في ما يخص إعداد أو مراجعة النصوص التشريعية، أو التهييء المادي حتى تتبع العمليات الانتخابية بكل أنواعها، وإعلان النتائج».
وبالغ في التقنوية عندما تحدث عن « عدد من المستجدات، منها انتخاب أعضاء مجالس الجهات بالاقتراع المباشر من طرف الناخبين، وفتح التسجيل لمدة طويلة بواسطة «الانترنيت»، واعتماد البطاقة الوطنية للتعريف كوثيقة وحيدة للتصويت بعد إلغاء الإشعار الموجه للناخبين، وكذا بطاقة الناخب، فضلا عن تطوير وسائل التعرف على مكاتب التصويت بواسطة التقنيات الجديدة».
ولم نسمع عن المناخ العام الذي رافق العمليات الاقتراعية والذي عبر عنه، من بين تعبيرات أخرى الظهور القوي عبر الانترنيت نفسه، الذي اعتمد معيارا للمديح الذاتي ولم يعتمد كمعيار في توجيه النقد اللاذع أحيانا للانتخابات يوم 4 شتنبر.
إن التأرجح بين الانتصار للفئوية الحزبية وبين التقدير التقنوي المحض لعملية الانتخابات ، في تقديرنا لن يكون جديا في تقييم حقيقي للمناخ العام المطلوب في هكذا اقتراع، وعد به دستور 2011 كموعد للتوجه النهائي نحو المستقبل ونحو بناء مواطنة جديدة، لكل مكونات الوطن !

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •  السبت 19 شتنبر 2015