في تاريخ الأديان ظاهرة يتكرّر تواترها، هي ظاهرة الصراع على الدين بين أطرافٍ يحاول كلُّ منها احتكارَهُ، وتمثيلَهُ، والنطق باسمه، لا يشذّ تاريخ الإسلام عن هذه القاعدة؛ فلقد شهد ألوانًا من الصراع كان مدارُها على حيازة الإسلام كملْكيةِ خاصة أو، قُل، كمجالٍ حصريٍّ للسيطرة.

إذا كان من خصوصيةٍ في التجربة التاريخية الإسلامية، فهي في أن الصراع ذاك كان شديدًا، مقارنةً بالمسيحية مثلاً، لأن أطرافه كُثُر، ولأن أحداً منهم لم يستطع أن ينتزع لنفسه اعتراف الآخرين بالتمثيلية الرسمية والحصرية، حتى باستعماله القوةَ في سبيل ذلك، والنتيجة أنّ كل فريقٍ ملك لنفسه حصّةً من السلطان الديني، على الأقل في رأي جمهوره، تزيد أو تنقص عن حصّة غيره.

لم يكن الأمر كذلك في المسيحية الوسطى؛ نجحت الكنيسة، في الغالب، في أن تحتكر تمثيل الدين حتى حينما زاحمتها الإمبراطورية في ذلك أحيانًا، ولم يتأثر هذا الاحتكار بالنزاعات بين الكنيسة الشرقية والكنيسة اللاتينية، ولا بالنزاعات داخل أوروبا بين الكاثوليك والبروتستانت، ربما ضُرِبتْ وحدتُها في الصميم، وتَوزَّع التمثيل بين مراكزها المختلفة، وهذا ليس قليلاً في سيرتها، ولكن رجال الدين، من أي موقع كانوا، هُمْ مَن بسطوا سلطتهم على العقيدة، وليس ذلك ما حصل في تاريخ الإسلام.

النزاع على الدين نزاعٌ على تفسير نصوصه، ابتداءً، أو هكذا ظهر منذ البدايات منذ أحداث «الفتنة الكبرى» التي تلت مقتل الخليفة عثمان، بل إن ذلك النزاع هو نفسه ما قاد الثائرين على الخليفة إلى إهدار دمه باسم الدين؟ والحقّ أنه وراء النزاع على تفسير النصّ (الديني) طِلْبَةٌ سياسية مُضْمَرَة، وأحيانًا لا موعىً بها.

لكن الاعتراض السياسي، الذي عليه مَبْنى النزاع، لم يكن يمكنه الإفصاح عن نفسه، ساعتئذٍ، إلاّ بمفردات سياسية، ولعلّ السياقات اللاحقة للصراع على السلطة (بين الإمام عليّ ومعاوية، في حرب صِفّين، ثم داخل معسكر الخليفة عليّ بين أتباعه والخوارج المنشقين عنه، في معركة النهروان)، ستُنْضِج أكثر هذه المعادلة التي أومأنا إليها: التعبير عن المواقف السياسية بمفرداتٍ تنتمي إلى القاموس الديني؛ فلقد بات مألوفًا، منذ ذلك الحين، أن يتراشق المتنازعون بعبارات من قبيل: الكبيرة، والمعصية، والكفر، والتخليد في النار، والإيمان، والإرجاء…، ويَرْجم بعضُهم بعضًا بها، وهذه هي عينُها المفردات التي ستؤسّس صرح الكلام الإسلامي (في ما بعد مع الجبرية والقدرية وصولاً إلى المعتزلة)، والتي سينقسم على الموقف منها المسلمون إلى فرقٍ متجابهة!

لم يكن لهذا الطلاء الديني الخارجي، الذي زاد معدَّلاً في التاريخ الإسلامي اللاحق (منذ أواسط القرن الثاني للهجرة)، أن يحجُب المضمون السياسي لتلك الصراعات الطاحنة التي دارت رحاها بين المسلمين، ولا كان له أن يحجب حقيقةَ مركزية فكرة الاستيلاء السياسي (على السلطة) فيها. كان يمكن للدولةَ أن تتماسك أكثر، في بعض الفترات، في مواجهة الفوضى والفتن، فتُجبر معارضاتها على الانكفاء؛ وتلك حالها مع تولّي معاوية الحكم في «عام الجماعة»، مثلما كان تماسُكُها ذاك يتعرض، في ذروة قوّتها، لبعض الاهتزاز أمام ثوْرانٍ «ديني»، مثل الثوران الذي انطلق، بعد مذبحة كربلاء، في ثورتيْ ابن الزبير والأشعث.

لكن سيطرة السلطة على الأوضاع تبقى إلى حينٍ يَعْقُبه اجتماع شمل المعارضات عليها؛ على نحو اجتماع شمل العباسيين والعلويين والخراسانية في وجه دولة الأمويين، غير أن سلطان الدولة على الدين في الحالين في حال تماسكها وفي حال تصدُّعها، لم يكن من القوة والبأس بحيث يحتكر النطق باسمه، ويفرض على الفِرق المعارِضة التسليمَ بذلك.

لم يكن النزاع على الدين محتدماً بين هذين الفريقين فحسب؛ أعني السلطة والقوى والفرق المعارضة، وإنما جرت فصولٌ منه، لم تكن دائماً دموية، داخل المعسكر الأول نفسِه الذي تمثله السلطة، من ذلك، مثلاً، الصراع بين الدولة والفقهاء، في عهد الخلافة الراشدة، كان الفقهاء هُم أنفسُهم الخلفاء، ولم يُنَازَع الخليفة في دوره الديني إلاّ في الهزيع الأخير من الخلافة، مع تضخُّم حجم جماعة «القرّاء» في عهد الإمام عليّ، ولَوْذِ قسمٍ كبيرٍ منهم بموقع المعارضة السياسية.

وإذا كانت «ثورة ابن الأشعث»، في العهد الأموي، قد دشنت بوادر الانفصال بين الفقهاء والأمراء، فإن سمات ذلك الانفصال ستبدأ في التبيُّن، على نحوٍ ملحوظ، منذ النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة في الشام خاصة، ثم انتقالاً منها إلى العراق في النصف الأوّل من القرن الثالث، وليس ما عُرف ﺑِ«محنة أحمد ابن حنبل» ورفاقه مع الخلفاء العباسيين الثلاثة (المأمون والمعتصم والواثق)، بمناسبة فرض الدولة عقيدة «خَلْق القرآن»، إلاّ المثال الأجلى لذلك الانفصال الصِّدامي بين الفقهاء والأمراء، الذي ستتكرر نماذج منه في مصر الفاطمية والأندلس الموحّدية.

من النافل القول، إن النزاع على الدين بين الدولة والفقهاء حُسِم، في الأخير، لصالح الدولة التي نجحت في تدجين الفقهاء واستلحاقهم بها كجزءٍ من كيانها تَكِلُ إليه مهمات محدّدة، في الشأن الديني، تحت سلطة الخليفة أو السلطان، حصل ذلك في نطاق «أهل السُّنّة والجماعة»، وكان من نتيجته أن بات للفقهاء مركزٌ في الدولة محفوظ إلى حدٍّ ما، في مقابل نهوضهم بدور التسويغ الشرعي (الديني) للسلطة القائمة، وهم، في تأديتهم ذلك الدورَ، لم يكتفوا بشرعنة دولة الخلافة (العباسية)، التي لم يكن قد بقي لها من الوجود، في نهاية القرن الثالث وبداية الرابع، سوى الاسم، وإنما ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير؛ إلى شرعنة دولة الأمر الواقع القهري (دولة الاستيلاء) التي قامت نماذج عدّة منها، في القرنين الرابع والخامس، مستوليةً على أطراف الخلافة وقلبها، ولم يكن فقه السياسة الشرعية، مع الماوردي وأبي يعلى الحنبلي، أكثر من فقهِ ضرورَةٍ سوَّغ لشرعية الخليفة مهيض الجناح، قبل أن يذهب معاصرهما أبو المعالي الجويني إلى التماس الشرعية الدينية لإمارات الاستيلاء نفسها، بعد إذْ فرضت نفسَها على المسلمين كأمرٍ واقعٍ يصعب دفعُه، أما خارج هذا المعسكر فظلّ فقهاء المذاهب الأخرى (الإمامية، والإسماعيلية، والزيدية، والإباضية…)، ملتزمين مواقف فرقهم السياسية، معارضين للدولة، منازِعين إياها وضعَ اليد على الدين، بل ما تحرَّج بعضهم في الإفتاء بالخروج عليها والعصيان.

جذور الصراع على الإسلام، وتسييسهِ، وإقحامِهِ في النزعات السياسية على السلطة، تعود إلى ذلك العهد المبكّر من تاريخه، وهي استمرت تُونِع وتكبَر على امتداد تاريخه حتى العهد الحديث، كم من حركةٍ سياسية قامت باسم دعوة دينية، ثم تعاظمت قواها، واتَّسع لها نطاقُ النفوذ، في منطقةٍ من أرض الإسلام، إلى حيث صارت سلطة، وكم من دولةٍ دالت وسقطت باسم دعوة دينية معارضة، بل كم من حركة صوفية «زاهدة» أقامت مؤسّستَها الاجتماعية السياسية «الدينية» (الزاوية) ثم آلت، في ظروف الفراغ السياسي، إلى دولة، ثم كم من دعوةٍ دينية حالفت قبيلةً أو عشيرة فصارت دولة… إلخ، من يعود إلى تاريخ الإسلام، في مصادره المدوَّنة، يقف على عشرات الأمثلة لذلك التسييس الذي خضع له الدين، فأتى طامًة على الإسلام والمجتمعات والدول.

ما كانت تخفيه الحركات «الدينية» من مضمونٍ سياسيّ لها في التاريخ الماضي، جاهدةً في تظهير شأنها الديني ومنازعة السلطة على الدين، أصبح «الإسلام الحزبي» المعاصر غيرَ متحرِّجٍ في الإفصاح عنه علانيةً، منذ انطلاقته قبل قرِيبٍ من مئة عام، صحيح أنه نَحَا نحْوَ الحركات القديمة في تعريف نفسِه دينياً كدعوة، وأنّ ذلك ما طَبَعَه في أوّل أمره: لحظةَ الإنشاء. لكنه سرعان ما تخطى هذا الطور من «التُقية» لِيَلْجَ ميدان المنازعات السياسية متوسِّلاً الدين عنواناً، و«مرجعاً» وشرعيةً ومفردات، يكفي المرء أن يرجع إلى خطابات حسن البنّا وتقيّ الدين النبهاني وكتاباتهما، وأدبيات جماعة «الإخوان المسلمين» و«حزب التحرير»، ليقف بالبيّنات على وجوهٍ من ذلك الانتقال السريع من الدعوة إلى الدولة، وعلى المنوال عينِه نسجت حركات إسلامية عدّة لم يكن الإسلام، عندها، أكثر من صهوةٍ تُعْتلى من أجل «الجهاد» في سبيل الدنيا !

غير أن المشكلة مع هذا التلاعب بالدين، لدى حركات «الإسلام الحزبي» ليست في أن دعواها وأفعالها لا شرعية لها من الدين، ونصوصه وتعاليمه، وإنما هي في كونها تجد لها من السوابق، في تاريخ الإسلام، ما تَبْني عليه فعلَها الاستئنافي، وكأنّ تاريخنا محكومٌ باستمرارية انفجارية يذبَحُ فيها الدين على مذبَح الأغراض الدنيوية، ويُبْتَذَل فيها معنى السياسة التي تُخْتَزَل إلى قتل!

ليس من مخرج من هذا النفق الكالح، الذي إليه تساقُ مجتمعاتُنا، سوى بكسر هذه الحلقة المُفْرغة التي يُزَجُّ فيها الدين في معترك السياسة والصراعات على السلطة.

لا يكون هذا الكسر إلاّ ببناء دولةٍ مدنية حديثة، وتحرير السياسة ممّا يداخِلها من عوامل سياسية، ولكن ذلك لا يكون، على النحو الأمثل، إلاّ بتحرير الدين من السياسة، وإعادته إلى مكانه الطبيعي: المجتمع والأمّة.

*عن  موقع التجديد العربي

 الاثنين 21 شتنبر 2015