لا يمكن لسياسي شجاع إلا يهنيء العدالة والتنمية على الفوز، كما لا يمكن لليسار إلا أن يفكر نفسه بدون مرارة، و لا يمكنه أن يعيش مرتاحا من عقدة الخسارة….. غير ذلك سيكون حالة إنكار جديرة بالتحليل النفسي وليس بعلوم السياسة وقواعد النضال ..

1 – لا محالة أن الوضع سيزداد تعقدا، مع استقرار البلاد في منطق المحافظة، واستقرار العدالة والتنمية في سدة الحكم ، بما يعني أن التفكير اليساري يجب أن يتجاوز اللحظة إلى منطق الديمومة..ويفكر استمراره الذاتي على المدى المتوسط والبعيد، لا على اللحظة الواقفة، إذا كان يُعرِّف نفسه كنتاج تاريخي وليس كترتيب تنظيمي..
وبهذا التوضيب، تقتضي لياقة الشجاعة أن نهنيء العدالة والتنمية على الفوز، وأن نقول بصراحة إنه حزب حقيقي، وأن نخرج من شبكة القراءة البوليسية للتاريخ الحديث لهذا الحزب!،أن نستخلص ما يجب استخلاصه كيسار،لا كتشكيلات حزبية، وأول الخلاصات أن الطبقة الوسطى التي حملت اليسار وقبله القومية ومنهجية النهضة، نحت جانبا وأصبحت تحمل المشروع الأصولي لهذا أصبحت له قاعدة اليسار، ثانيا أن التيار الأصولي أصبح في جزء من المجتمع هو اليسار الاجتماعي..

2 – يمكن أن نشك في درجة النجاح، ولكن لا يمكن أن نتهم طبيعته!
وبعيدا عن التبرير العقيم، يمكن أن نتذكر ما كان الأديب الفيلسوف غوستاف تيبون يقوله »في اليمين ننام، وفي اليسار نحلم«. وتصدق القولة على أن اليمين ينام من فرط الراحة والموجة..واليسار ما زال في حلم اليقظة!

3 – في تقدير الفشل، يميل جزء من اليسار الى أن يجعل له جذورا! كأحسن طريقة في التصرف عنه والتنكر للحقيقة. الحل عند هذا اليسار هو أن يجعل للفشل جدورا لكي يعفي نفسه من المحاسبة والمسؤولية. وهذا المنطق يقول خسرنا في 2015، بعد أن خسرنا 2011 وقبلها 2009 وقبل هذه التواريخ كلها 2007 و2002… وهلم خسارة!
ليكن، ولنسلم بهكذا منطق:تستوجب استقامة التحليل أن تكون النتيجة، بالنسبة للمسؤولين والمناضلين نفس النتيجة ونفس الدروس..!
على ضوء هذه المفارقة:إعطاء الفشل جدورا، بدون أن تكون نفس النتيجة على المستوى الداخلي، هو أننا لا نخرج من منطق الهزيمة إلا إذا دخلنا منطق .. الملهاة والسخرية السوداء.. وعوض أن نقيم الهزيمة على أساس أنها هزيمة تاريخية نحيلها على التفسير المجالي: من من حلقات البناء المؤسساتي يجب أن يحاسب؟
وهو أول تعبير عن الخروج عن المنهجية العقلانية في تحليل الأزمة، لأن المسؤولية يؤسسها أولا منطق المسؤولية والسلطة التي تعطيها لمن يمارسها، لا خارج ذلك، فالمحاسبة والمسؤولية مرتبطان دستوريا وأخلاقيا وسياسيا ارتباطا عضوريا حاسما..
لنترك المسوولية وننتقل الى أخلاق المسؤولية بالنسبة لليسار الذي يعطل نفسه فيفتح المجتمع على الهاوية.
تفكير اليسار الوطني كان دائما واضحا:لا نتفاوض مع الوطن، بل نعطي للقرابة الأممية ( الاشتراكية واليسارية عالميا ) زيها المغربي . ونربط بين بقاء اليسار وبقاء التعددية في المغرب وبقاء المشروع الحضاري المنتمي إلى البشرية، بما تعنيه المحافظة في العكس (أي تبرير الاستبداد ، سياسيا وثقافيا أو تبرير الانغلاق الهوياتي …).
هناك وضعية هزال لم يستطع اليسار الخروج منها، وكل الوصفات التي يعطيها لنفسه للخروج منها تلغيه!
لا يفكر الحل إلا من خلال الانتحار وليس غيره، وهومفارقة تاريخية حقيقية تجعل من قوى الفكر والثقافة والمشروع الحضاري تفكر ببنية القبيلة والتوزيع الانتخابي للوجاهة، والحفاظ على البقاء حتى ولو كان قوقعة فارغة وبلا حرارة فكرية أو بشرية أو مجتمعية.

4 – إسقاط البند الاخلاقي من ممارسة المسؤولية هو الطامة الكبرى في التحول الذي يعرفه اليسار اليوم، ففي الوقت الذي يتعالى صوت الأخلاق( نسميها المعقول تارة ونسميها النقد الذاتي تارة أخرى والتواضع للشعب الذي نبتنا فيه تارة ثالثة) في المجتمع وتستعيد المقولات التأسيسية للسياسة النبيلة وهجها، يتوزع اليسار بين تفكير براغماتي غير نظيف أو انتهازي أو يدخل في جوقة التوزيع الانتخابي للانتماء اليساري( فيودالية الدوائر الانتخابية ومن يملك مفاتيحها..).

(يتبع)