*عن صحيفة العرب 

نشر بها السبت  26 شتنتبر 2015

يكمن التاريخ الحقيقي لنشاط الإسلام المتطرّف الحديث، على الرغم من امتداد جذوره الفكرية إلى بوادر الصراع السياسي حول السلطة في العالم الإسلامي وظهور الغلو والتطرف والتكفير في عدة تيارات دينية، في التحدي الإسلامي المغالي والمناقض للوسطية والهوية الوطنية منذ تاريخ إلغاء الخلافة الإسلامية وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وما صاحب ذلك من ردود وحملات عنيفة من طرف مناصري دولة الخلافة على من يناصرون نشأة الدولة الوطنية الحديثة واعتبارهم من أنصار الغرب. حيث كانت الثورة الوطنية العربية موجهة للتخلص من نير الاستبداد العثماني من منطلق وطني وعقد اجتماعي، يحكمه مبدأ أنّ المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وسمو القانون ومبدأ المواطنة والتشبث بالروح والوعي المدنيين وسيادة الإرادة الشعبية والاستقلال، حيث قامت الثورة العربية الأولى في الحجاز، وتم تحرير الشام وحصل استقلال مصر، وتأسيس دولة العراق وأخرى في شرق الأردن، وقيام المملكة السعودية في شبه الجزيرة العربية.

وعلى إثر ذلك فرضت تحديات الأمن القومي العربي وإعطاء هذا الأخير شرعية إقليمية ودولية، تأسيس جامعة للدول العربية المستقلة، وانبعثت من ثمّ روح التكامل والتعاون لتعزيز التضامن العربي في مواجهة التحديات والأطماع الخارجية. بالمقابل استمر معارضو الدولة الوطنية الحديثة في مجابهة هذا التحول الكبير، وأمعنوا في الدفاع عمّا أسموه الهوية الإسلامية في مواجهة الهوية الوطنية، ومضوا في الدعاية للخلافة الإسلامية بطرق شتى، ممّا أوقعهم في مطبَات التكفير والتعصب وعدم فهم فقه التحولات الاجتماعية والسياسية في ظل صراع المحاور الإقليمية والدولية، حيث بتنا اليوم أمام مفارقة تاريخية تضعنا أمام سيناريو تفتيت الدول العربية وتفجير كياناتها أو سيناريو السقوط في براثن “دولة الخلافة” كنموذج دولة سنية في مواجهة دولة شيعية، وأحلاهما مرّ.

ولعل استمرار هذا التجاذب اليوم يمثل خطرا كبيرا بعودة دولة الخلافة على قاعدة منطق عقائدي أيديولوجي، ففي الوقت الذي استطاعت فيه الدولة الوطنية الاستمرار رغم الصعوبات التي واجهتها، وتمكّنت من ترسيخ شرعيتها في مواجهة دعوات الدولة القومية الواحدة القائمة على منطلقات أيديولوجية، والتي فشلت في الانفتاح على المجتمع المدني، واستبدت بالسلطة في عناوينها الأكثر تجليا في ارتباطها بالإقصاء السياسي والاجتماعي، ورفض التعددية. ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه الدولة العربية الحديثة والنظام الإقليمي العربي الذي انحسرت فكرته كثيرا، هو أن دوله مهددة بالتفتت والدخول في أتون حروب أهلية مدمرة، وعجزها عن مواجهة جشع المحاور الإقليمية والدولية.

ويتمثل التهديد الجديد المتعلق بسيناريوهات مستقبل النظام العربي، في تبلور ظاهرة تنامي مخاطر إحياء النزعة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة على يد حركات سلفية جهادية، ليس من منطلق تكوين دولة إسلامية جامعة، يرى الجميع استحالتها اليوم، بل من منطلق تهديد حقيقي يكمن في مخاطر التقسيم المذهبي والطائفي والمناطقي والعشائري، حيث بات الخطر الذي يهدد الدولة العربية الحديثة خطرا حقيقيا.

وتثبت الأوضاع التي تشهدها كلّ من ليبيا واليمن وسوريا والعراق من تلاعب مذهبي وتناحر طائفي، بما لا يدع مجالا للشك، كيف تساهم دعوة الهوية الإسلامية البديلة في تمزيق الكيانات الوطنية، وتجرها إلى الاحتراب الداخلي والتقسيم وهدم أسسها، إن لم تفكك أوصالها وتفتتها وتفكك وحدتها خدمة لرسم خارطة شرق أوسط جديد.

وقد أصبح دعاة القومية العربية والدولة الوطنية، في هذا السياق، يتحسرون على إهدار فرص تكوين دول وطنية مدنية يسودها القانون، وباتوا يتطلعون إلى الحفاظ عليها، كأنها غاية أساسية، وذات الأولوية القصوى في ظل سيناريو التفكك والانهيار، وتغيير معالم الخرائط والحدود، هذا في الوقت الذي كشفت فيه بعض التجارب الإسلامية التي وصلت إلى السلطة عن نظام سلطوي متدثر بعباءة إسلامية، ورفضت كغيرها التخلي عن السلطة مثلما فعل من قبلهم إسلاميو إيران، الذين ينفردون بالسلطة إلى حدّ الآن، فيما يحاول الإسلاميون الأتراك سلك نفس السبيل بإصرارهم على رفض فكرة اقتسام السلطة، وعدم إتاحة فرص متساوية أمام الأحزاب المختلفة معها، بل ثمَة سعي حثيث إلى احتكار جميع مفاصل السلطة وتأبيد مُقامهم فيها.

لذلك، إن فشل انتفاضات الربيع العربي، وظهور تصدع الهوية العربية الإسلامية بفضل التصدع الديني وتآكل لحمة الرابطة الوطنية، يرجع إلى الذاكرة أن تجارب الشعوب في الصين واليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل لم يكن متاحا لها أن تُحقّق تقدمها الحالي في ظل غياب الوحدة الوطنية وبناء دولة مدنية.

وبناء عليه فإنّ استمرار وجود جماعات متطرفة تسعى إلى إضفاء القداسة على خطابها الذي يصب في سياق تقسيم المجتمعات، والزج بها في بحور من الفوضى والانقسامات الطائفية والمذهبية، يدفع لزاما إلى تصدع الكيان الوطني الرابط والجامع الذي هو الدولة، لذلك فإن الحفاظ على الحصانة الفكرية ومقومات الهوية العربية والإسلامية الجامعة التي ترفض القتل والبطش والعنف الغارق في فقه التكفير المغموس بعلم التفجير والاغتيال، يفرض معرفة مسارات انتقال أجيال العنف وتحولاتها الفكرية والوظيفية.

 
 

         أجيال العنف الجهادي..

ظهرت على مدى التاريخ حركات جهادية تتبنى العنف يمكن تصنيفها كالآتي:

* جيل العنف الأول:

يتميز المسار التكفيري بسمة مركزية هيمنت على العقلية الجهادية الأولى وتمحورت في نشأتها على التأرجح بين الجمع بين العمل الدعوي المنظم، والتنظيم العسكري السري المسلح، حيث ارتأت جماعة الإخوان المسلمين مبكرا، اختيار العنف وسيلة تمكنها من الوصول إلى السلطة و”أسلمة” المجتمع بما يناسب خياراتها ومصالحها الدنيوية ومشاريعها السياسية، فيما سبقتها ظاهرة العنف الشيعية مبكرا مع اغتيال ناصر الدين شاه القاجاري في إيران من طرف ميرزا رضا كرماني بفتوى دينية، وكان أول اغتيال سياسي ينفذ استجابة لفتوى رجل دين سياسي. وقد أفرزت هذه الواقعة المبكرة بوادر منطقية تشكّل من حولها عنف الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني في العصر الحديث، خاصة وأنّ الفكر الشيعي المتطرف والحركي تقمص وجها عسكريا محضا في بدايته، وصولا إلى ميليشيات الحشد الشعبي وحزب الله وجيش المهدي وعصائب أهل الحق حاليا.

* جيل العنف الثاني:

ويشكل اللبنة الأساسية التي تطور منها العنف الجهادي، وتشترك جميع تنظيماته في اعتبار جماعة الإخوان وتنظيمها السري بمثابة الجماعة الأم، والمدرسة التي تربوا في كنفها فكريا ودعويا وتنظيميا، حيث يلتف الجميع حول عباءة شعارها القديم “الجهاد غايتنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، لذلك لم يكن غريبا أن تتناسل هذه الجماعات الجهادية على هذا المنوال أو ذاك، وخلقت عقلية جهادية خاصة بها فيما بعد، وذلك لتوظيفها حركيا وسياسيا، معتبرين أن “الجهاد هو طريق إقامة الدولة الإسلامية، وأنه لا يجوز موالاة الكفار والأنظمة الكافرة، ومن فعل ذلك فهو كافر”، كما يعتبر صالح سرية في أدبيات عام 1973 والتي وضعها قبله سيد قطب، حيث قلَما خلا تنظيم من تبني هذه الأدبيات الجهادية الداعية للإطاحة بالأنظمة الوطنية على قاعدة فهم قاصر للنصوص وتأويل سطحي مفرط في فرض القيود وسد الذرائع، سواء تنظيم الجهاد المصري سنة 1958 أو الجماعة الإسلامية في مصر التي غيرت نهجها في العام 1997 أو الشبيبة الإسلامية في المغرب أو عصبة الأنصار في لبنان أو الجماعة السلفية للدعوة والقتال أو الجماعة الليبية المقاتلة أو حركة المجاهدين وغيرها الكثير.

وقد تفرعت جل هذه التنظيمات في أغلبها عن التنظيم المركزي، وتفرعت عنها بدورها تنظيمات أخرى تشترك معها في نفس الأسس ولا تختلف عنها كثيرا في وسائل تحقيق الغاية، لكنها تمتاز بسمة مركزية قائمة في فكر قطب القاضي بمنح الأولوية لـ”جهاد القريب” وجهاد التمكين، أي استهداف نظم الحكم في العالم العربي والإسلامي بفعل عجزها عن تقديم ما يُلائم سنة التطور، وخارج مدار تبرير نهج تكفير المجتمع والقتل والاغتيال.

ولعلّ أسامة بن لادن والشيخ عزام يعتبران أبرز تمثيل لجيل مخضرم انقلب على النزعة الإصلاحية الدينية إثر الانقلاب الذي وقع في النزعة السلفية المحافظة والحركة الإخوانية الحركية، حيث سرعان ما خرج من تحت إبطهما رافد سلفي جهادي، استغل التدخل العسكري الأميركي في دول المنطقة لكي ينقلب عليه بعد أن تعاون معه في أفغانستان ضد السوفييت، مما دفع إلى تحول استراتيجي في خطط الجيل الثاني بعد دعوته إلى تأسيس “الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين”. حيث رأى بن لادن في نهاية عام 1985 أن الجهاد الأممي، هو الكفيل برد الغزو الأجنبي للأمة، فيما دعا الشيخ عزام لعدم إراقة دماء المسلمين، وأعلن مع بن لادن أن حركة الإخوان المسلمين في سوريا وليبيا والجزائر فشلت في اتجاهها نحو محاربة العدو الداخلي، ونفرت منها الرأي العام بفعل أخطائها الفادحة وتعثر مسيرتها، وحيث كان إعلان أيمن الظواهري تخليه مرحليا آنذاك عن جهاد “العدو القريب” وتحوله إلى “الجهاد البعيد”، تحولا خطيرا في توجهات الجهاد المصري، حيث أحجم الجيل الجهادي الأول والثاني في أغلبه عن محاربة “العدو البعيد”.

* جيل العنف الثالث:

ويشمل خروج بقايا تنظيم القاعدة من أفغانستان الذي شهد انعطافا نحو قتال “العدو القريب” و”طوائف الردة”، كما دعا إلى ذلك أبومصعب الزرقاوي في بلاد الرافدين، حيث اشترط موافقة بن لادن على قتال “طوائف الردة” للبيعة، وقد كانت الضربات التي تلقاها تنظيم القاعدة الأم، سببا في سكوت القاعدة عمّا تقوم به هذه التنظيمات الأكثر تطرّفا من خلال دعوتها إلى قتال البعيد والقريب معا، فكان التوافق حول “التعاون على الخير والتعاضد على الجهاد” نوعا من التوافق الذي اقتضته طبيعة المرحلة ونتج عن تراجع قوة تنظيم القاعدة.

لكن التنظيمات التي أتت في ركابه، باشرت إلى تغيير مركزي تمثل في الدعوة إلى إقامة “دولة الخلافة” على الرغم من أن الجيل الثالث سقط في إشكالية تناقض الأهداف وانقسام حركاته بدخولها في حرب مفتوحة على التكفير والتفجير.

*الجيل الرابع وريادة العنف..

تميّز ظهور جيل رابع من الحركات الجهادية التي تتبنى العنف، باتجاه هذا الجيل إلى التفكير في تثبيت وجودهم بالتركيز على الأرض واستغلال حالات الفوضى التي عمّت العديد من البلدان العربية على خلفية اندلاع ثورات ما سمي بـ”الربيع العربي”، من خلال إيجاد حاضنة اجتماعية تعزّز انتشارهم الأيديولوجي، وإعادة الأمة إلى حالة الوحدة بالقوة. وقد شهدنا مع هذه الموجة الجديدة تطوّرا من الفكر الجهادي إلى الفعل الجهادي، وتبني العنف العشوائي، حيث أضاف هذا الجيل إلى ما سبق هدفا جديدا يتمثل في تكوين “إمارات” أو “ولايات إسلامية”، في سبيل استعادة أو تحقيق “دولة الخلافة الموعودة”. ويبدو أنّ الموقف العام لهذه الجماعات يتجه نحو خلق كيانات مؤسساتية هنا وهناك، لتثبيت سلطتها على الأرض.

وقد شكّل ذلك خلافا جذريا بين أجيال التنظيمات الجهادية حول إقامة كيان جغرافي تحت مسمى “الإمارة الإسلامية” أو “نواة” لها عن طريق العنف، وإرغام الناس على الطاعة حتى وإن اقتضى الأمر الدخول في حرب مع تنظيمات إسلامية متطرفة أخرى كما وقع بين داعش وجبهة النصرة في سوريا.

وهنا تتحدد تحولات العنف الإسلامي مسارا وميلادا بعد انتقال أفكاره نحو تبني العنف العابر للقارات والحدود، وسياسات الاستنزاف على الأطراف، كمحاولة خلق فروع لها، و تأسيس “إمارة سيناء” مرورا بإمارة شمال مالي الإسلامية في أبريل 2012، أو إعلان دولة “الخلافة الإسلامية” في سوريا والعراق.

والحال أنّ هذا المسار بوجه عام، يعدّ بديلا للدولة الوطنية وللديمقراطية والسيادة الشعبية والقوانين الوضعية، حيث لا تعترف هذه الجماعات بالكيانات القائمة، وترفض منظور الدولة الحديثة جملة وتفصيلا، علاوة على أنّها تعتمد سياسة التدمير والتفجير والتهجير القائمة على “استباحة الجميع”، والإفراط في استعمال العنف إلى حد الجنون، وذلك كرد فعل على سلمية الثورات العربية التي رفعت مطالب الحرية والديمقراطية، واحترام المواطنة، وفصل السلطات، وإقامة حياة نيابية وبرلمانية تسمح للجميع بالمشاركة السياسية، مما كشف عن انفصام وتباعد كبير مع ادعاءات هذه التنظيمات وواقعها.

وهذا الجيل الرابع من التنظيمات الجهادية على خلاف الجيل الأول والثاني والثالث، يبدو أكثر تجانسا في جهاده الوظيفي والفكري، حيث يشغله بالأساس هاجس تأسيس “الدولة الإسلامية” والخلافة، وهو ما بات يخلق اليوم حدثا فارقا في مسار التيارات الإسلامية الجهادية الأكثر عنفا، على الرغم من أنّ الأوراق ما زالت مختلطة في أدبياته بين جهاد “العدو القريب” و”العدو البعيد”، ثم بين العقائدي والمذهبي، واستراتيجية تعدد إنشاء الملاذات والمواقع والكيانات الجغرافية البديلة. وقد شكل ابتداع هذا الجيل الأكثر عنفا لما بات يسمى بتجنيد “الشهيد الافتراضي” في العوالم السبيرية حدثا مهما في استغلال دعاية منقطعة النظير، تيسرها الثورة المعلوماتية من تطور في استغلال العالم الافتراضي للتجنيد واستقطاب الجهاديين. كما أن أكبر وأخطر تحول بدأ مع صعود النمط الداعشي في إصراره على الامتداد الخارجي، وتوسيع نطاق العنف وتهديد الأمن الدولي، والعمل على خلق تنظيمات جهادية فرعية تابعة له وعابرة لمختلف الحدود وتفجير الصراع الطائفي. كما أن نظرة هذا الجيل للإسلام غارقة أكثر من أي وقت مضى في التطرف وتبني العنف والعسكرة كأسلوب لتحقيق الأهداف.

وعلى ضوء ذلك، تتحدد مكافحة هذه الجماعات السلفية الجهادية في مواجهتها الفكرية، فضلا عن اجتثاث منابع تمويلها واستئصال العوامل الذاتية والموضوعية المؤدية لتغذيتها، ليس فقط عبر المواجهة الأمنية، بل عبر تأكيد سيادة القانون والحفاظ على حقوق الأقليات، وتسفيه الفكر التكفيري وتحجيمه بتصحيح المفاهيم الإسلامية، فضلا عن احترام حقوق الإنسان ومحاربة عقلية التناحر السياسي، ومحاربة الفساد وعدم التبعية للقوى الغربية، وتنويع الشراكة الدولية، والقيام بحملات إعلامية ضد استغلال الدين لأجل مصالح دنيوية، فضلا عن إصلاح الفكر الديني بفك الارتباط المعلن من طرف هذه الجماعات بين الإسلام كدين سماوي وسلوكيات الجماعات الجهادية التي تعتبر العمل السياسي مجرد غزوة.

وبالتالي فإن التدهور القائم اليوم لن يقف عند حدود معينة، إذا لم يوضع له حدّ، كما أن استمرار منطق التدهور، ينتج بالضرورة ودائما تدهورا آخر.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون