نسبت الصحافة لوزير الداخلية محمد حصاد أنه قال في المجلس الحكومي الأخير أن حميد شباط قد ابتز الدولة وهددها إذا لم يتم ضمان أصوات الناخبين الكبار لفوزه بالجهة. ونسبت له أنه هدد بتغيير تموقعه واللجوء إلى البيجيدي إذا لم يضمن الفوز.
حزب الاستقلال رد بمطالبة الوزير بإثبات الابتزاز، وإقامة الحجة.
وإذا كانت هي ذي المرة الأولى التي يتولى فيها الحقل السياسي الحديث عن عملية ابتزاز مكشوفة، وبحمولة قوية، فإن الخطير والذي يجب أن يثير النقاش هو….» الابتزاز بالبيجيدي«.
ففي هذه القضية، تبدو الدولة، بناء على خيالها الخاص، كما لو أنها زوج جنى على نفسه بأن نام في فراش امرأة أخرى، التقطت له شريط فيديو وهددته بأن ترسله إلى زوجته..إن هو فكر في الابتعاد عنها.
وإذا كانت التشبيهات تقود الخيال الأدبي إلى الإحالة الجسدية، فإن فكرة الحريم غير بعيدة عن منطق الحكاية، فكرة تنبني على وجود المحظيات اللواتي يؤنسن السلطان في لياليه وتدور بينهن حروب لن تكفي »ألف ليلة وليلة« لروايتها كلها.. ولا استطاعت شهرزاد أن تعبر بها كلها إلى شط المكتوب!
إن الأمر المتحدث عنه ضمنيا في علاقة شهريار بشهرزاد:»هات حكاية وإلا قتلك«، يصبح في »ألف ليلة وليلة« السياسة :»هات كرسيا وإلا هجرتك إلى .. غريمك«.
لنقلها بوضوح:لم يكن من الممكن أن تولي الدولة رواية الابتزاز بالبيجيدي، لو أن علاقتها بهذا الحزب كانت عادية…
كما لو أن وجوده هو بحد ذاته دليل علاقة شبهة..!
ليس الابتزاز بالبيجيدي دليل على ذكاء خارق، بل هو إعمال شبهة الجفاء بين الدولة وبين البيجيدي بخاطرة جنائية.. ومحاولة اقتناص الفرصة من أجل مكسب..
فالابتزاز يحاكم بالقانون الجنائي.. ولهذا لا يكون السياسيون خارقي الموهبة وهم ينزعون نحو الابتزاز باسم البيجيدي ويلوحون به في وجه الدولة، إنهم ، في الواقع يقدمون الحل للدولة، كما يقدم الجاني دليل مطالبته بالشيك،:عليها أن تطبع علاقتها بالبيجيدي حتى لا يبقى حزب بنكيران ورقة ابتزاز!
ويفترض وجود الابتزاز، حتى وإن لم يثبت لحد الساعة وجود ما يخيف، أن الدولة رهينة . وهو ما يجب على الدولة أن تقطع معه، وتعتمد المنهجية الشرعية :»البيجيدي..« حزب كبير وحقيقي وإنها كي تحرر نفسها من أي نزوع ابتزازي أن تقيم علاقة صحية معه وتعتبره شريكا كالآخرين.. وكفى!
الأديب الانجليزي المتحرر أوسكار وايلد كان يرى أَنْ ليس هناك من حل لتحرير النفس من الرغبات سوى بالرضوخ لها.. وليس الرضوخ لمن يبتز!
آن الأوان لكي تتخذ الدولة الموقف الصحيح بأن تضع البيجيدي في المعادلة الصحيحة »كشريك في الاستفزاز الديموقراطي«… وتحصن نفسها من الابتزاز به، سواء من مكونات سياسية نعرفها أو من مكوناتها العميقة نفسها.
نقطة أخرى تتعلق بالابتزاز بالبيجيدي، وهي أنها تجعل اتهامه من قبل قوى سياسية كثيرة، وضمائر وطنية عديدة وأصحاب رأي كثر، ولعل العبد الضعيف لربه وشعبه قد كتب في هكذا سياق، بالابتزاز السياسي للبلاد، عندما كان يضع بقاءه في السلطة شرطا لاستمرار الاستقرار أو عندما كان يهدد بالنزول إلى الشارع وهو في أعلى الهرم الدولة، ابتزازا ذا مصداقية، ويطبع سلوكا ليس جديرا ببلاد تجتهد لكي تصنع استثناء سياسيا في الأخلاق واستثناء أخلاقيا في السياسة..
كما أنه يعطي قوة لأي ابتزاز مضاد، يقوم على قاعدة المعادلة التالية: من حقي أن ابتز الدولة إذا كان آخرون يبتزونها ..بي!
و من حق الحزب الوطني، الاستقلال على الدولة أن تفتح تحقيقا كما طالب بذلك، ومن حقه عليها أن تقدم ما يطالب به، فلا يعقل أن يتقدم المغرب، في شخص ملكه إلى القضاء الفرنسي، لكي يضع حدا لابتزاز تعرض له من طرف صحافيين (لا أقل ولا أكثر ) لكي يقول القضاء والأمن كلمتهما في النازلة ولا يتم وضع الحقيقة كلها في قضية اتهام حزب الاستقلال بالابتزاز في حق الدولة المغربية!
من حق المغرب على حزب وطني كبير أن يعرف الحقيقة كاملة ويتم وضع النقطة على الحروف ووضع النقطة إلى السطر، لعل الابتزاز يعرف النتيجة التي تليق به وننتهي من التخويف بحزب يتسلم السلطة وله قاعدة انتخابية أهم من الجميع، ومع ذلك يتم التعامل معه على أساس أنه شبهة..وقد ترمي العار على من يقيم معه علاقة!
الابتزاز بالبيجيدي لا يسير في اتجاه واحد، بل يذكر كل الذين تتبعوا صعود الإسلام السياسي كيف أن جزءا من القوى الوطنية تعرض للابتزاز أيضا.. بالبيجيدي:حالة الترويع التي كانت تطالب بالمزيد من الانكماش أو الانحماء حتى لا تمر وصفة البيجيدي، بناء على تقدير و يقدم كثابت قائم على العداء الإيديولوجي أو استبدال المعادلة المغربية في التعاقد (وطنيون – قصر) بمعادلة جديدة (إسلام سياسي – قصر)..
هذا ابتزاز تدفع كلفته المكونات الأصلية في المجتمع والقوى السياسية التقدمية بالأساس، وتتراجع مقولات الديمقراطية لفائدة مواجهة العدوان والاختراق، بدون الحاجة إلى مرتكزات في المجتمع، بل تعويض الجدلية المجتمعية بتخطيطات سياسية وانتخابية لا غير!
إن أخطر ما يمكن أن يحصل في السياسة هو أن يتحول الصراع ، بين مكونات المجتمع إلى ابتزاز، وأن يصبح الجامع بين الدولة والمجتمع هو الابتزاز.. فذلك إيذان بنهاية المجتمعات برمتها وليس السياسة فقط..!
وأن يصبح هو علاقة التمفصل بين الدولة والمجتمع، فتلك نهاية عقد اجتماعي معين وبداية عقد آخر لا توجد ملامحه في أي دروس التاريخ!

  • عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
  •  السبت 26 شتنبر 2015