الانتخابات  الأخيرة، حملت في طياتها مستجدات ومعطيات جديدة. متقلبة تهم التركيبة الناخبة والتركيبة المترشحة والتركيبة الخفية التي تخلط أوراق الأولى بالثانية لتنتج تحولات  أكثر تعقيدا متباينة المسارات بواقع جديد  قديم ممارسةََ وتوجهاََ. يعود بالبلاد الى قوة السلطة المتجبرة المطلقة مما يجعل مصير البلاد مقترنا بصيغة التشاؤم أو على الأقل الشعور ببطء التحول.   

الوضع متشابه ولا يقتصر على ما هو محلي. توجه مدروس محبوك بجدية بالغة وبقوة خفية. توجه عام موحد بالنسبة للمدن والحواضر التي حملت شعارا واحد ألا وهو المصباح. وتوجه مجزء بين فصيلين أو ثلاثة فصائل بالمداشر والقرى والجبال بين البام والاستقلال والأحرار. فهل اندثرت باقي الأحزاب الأخرى؟؟ أم قامت القوة الخفية بتشكيل أقطاب غير متجانسة المكونات؟؟ تتناوب مرحليا حسب الظروف الداخلية والعوامل الخارجية للبلاد. قطب الفائزين بالمرحلة الجديدة المتكون من الأحزاب الأربعة السالفة الذكر وقطب المنهزمين والذي جمع حزب الاتحاد الاشتراكي بالدستوري والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية .ما يجعل الأقطاب غير متكافئة وغير متجانسة..فإذا اعتبرنا وجود الاتحاد الاشتراكي على قائمة الترتيب جنبا إلى جنب مع التقدم والاشتراكية فما الذي يبرر وجوده إلى جانب الحركة الشعبية والحزب الدستوري وغيرها من أحزاب أقصى اليمين، ولو أن الأخير  يشاركه مرحليا مقاعد المعارضة البرلمانية ،في غياب أي  نازع بينه وبينهم أو قاسم مشترك يلتقي به معهم، وفي عدم وجود أي توازن طبيعي قد يقدمه بجانبهم سوى صراع ابدي بين قوى الشعب وبين قوى النظام السابق، التي تأسست في حقبة ما قبل العهد الجديد.

خطابات جلالة الملك الأخيرة استبقت النتائج ودعت إلى الحد من التشتت والتفرقة الحزبية وتجزئة المشهد السياسي الذي تجاوز عدديا الأربعين حزبا لشعب لا يتجاوز الأربعين مليونا.فكان الداعي والحاجة إلى أقطاب متجانسة تتوحد رؤاها وتتقاسم أدبيات تأسيسها ولها أرضية مشتركة أمرا ملحا لجمع الشتات السياسي والفكري المبلقن. والعودة إلى زمن الأقطاب  ولو بشكل مختلف ومغاير لما كانت عليه الكتلة مثلا. فالأقطاب الجديدة وبناء على نوعية تركيبتها يتضح أنها –الأقطاب- ستشكل رقما فارقا في المعادلة التاريخية التي تنهجها الدولة المغربية العميقة للحفاظ على ثوابتها نظرا للتوقعات التي تستشف غضبا شعبيا على أعتاب المستقبل. غضب مرتقب في ظل تأزم الأوضاع بشكل كبير. ولتحمي الدولة نفسها من جديد ستحتمي فوق هذه الأقطاب فيما الأخيرة تسيطر على قواعدها ومكونتها وستشكل صمام أمان يمتص نسبة مهمة من موجات الغضب.فخطابات جلالة الملك تدعو في ظاهرها ومغزاها  إلى تخليق الحياة العامة ولكن الأمور قد تتجه إلى مسار مغاير لما  يتم التخطيط له وتصح مقولة حق يراد به باطل أمرا محتملا في واقعنا السياسي. فلا اعتقد أن الدولة العميقة ستعود بقطب الكتلة  الذي كان يتكون من الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال و حزب التقدم والاشتراكية و منظمة العمل الديمقراطي…وترأس  مكونتها لوقت طويل خيرة مناضلي الوطن وشرفائه عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي عن الاتحاد الاشتراكي وبوستة عن الاستقلال وعلي يعتة عن التقدم وبنسعيد عن منظمة العمل..ولكل اسم من هؤلاء تاريخ حافل بالنضال والتضحية والالتزام بالروح الوطنية الصرفة.

حيث كان التجانس ظاهرا يعبر بصدق وقوة معا عن روح الشعب ويمثل كيانه وتصوره وقراره . في المقابل اعتمدت الدولة العميقة على قطب  الوفاق المكون من :

– حزب الحركة الشعبية بزعامة احرضان وزير الدفاع السابق الرجل المدلل لدى فرنسا واحد رجالاتها إبان الفترة الاستعمارية والذي تتلمذ على يدها وفي منشاتها بداية من مركز ازرو وتخرج جنديا في صفوفها وعين عاملا على البيضاء بعد الاستقلال.. أسس الحزب رفقة صديقه الخطيب صديق الملك المرحوم الحسن الثاني.

– التجمع الوطني للأحرار  أسسه وقاده احمد رضا كديرة صديق الملك الحسن الثاني. بعدما كان مستقلا مارس عدة قطاعات حكومية.عين كوزير دولة في أول حكومة للمغرب المستقل بقيادة البكاي.رفقة ستة من الأحرار لمضايقة الاستقلاليين والشوريين الذين يتوفرون على رصيد نضالي وقيادات بارزة قاومت المستعمر الفرنسي. وعينه الحسن الثاني في حكومة باحنيني وأسس جبهة الفيديك (قطب الأحزاب المدافعة عن العرش) وقال في زمن احتقر فيه المخزن العباد والبلاد “”يوشك خصوم الحرية أن يختنقوا بهذه الحرية التي أتاحها لهم جلالة الحسن الثاني والتي يفتخر كل مغربي بأنه يتمتع بفضلها بأوسع حرية في العالم” قال هذا سنة 1963  خلال سنوات الجمر والرصاص. ورغم ازدياده سنة 1920 لم يكن له تاريخ نضالي إبان الاستعمار الفرنسي.ولكن اختار التنقل بين المغرب وفرنسا التي احتضنته ومنحته زوجة من نبلائها ومن عائلة لها تاريخ عسكري كلاسيكي ينحدر إلى فترة نابليون.خلفه رئاسة الحزب عصمان صهر الملك.

-الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة ارسلان الجديدي المنشق عن التجمع الوطني للأحرار والمكلف بمضايقة المنتخبين الاتحاديين في دوائر الجديدة. لينال رضي السلطات المغربية كما كان يصرح قيد حياته فلم يتردد بتهكم في تجمع خطابي في كشف أسباب مجيئه إلى الجديدة، حين خاطب الحاضرين بملاح بمدينة الجديدة “”حنا جينا نجلبو لبوصفير “”في إشارة منه للاتحاديين، وأضاف ملقيا  في أعراض  الشرفاء كما يفعل الآخرون ألان ” أن الاشتراكية هي الشرك بالله”. بعد وفاته خلفه القادر الذي يعتقد انه كان جنرالا سابقا.

– الحركة الدستورية الشعبية المنشقة عن احرضان بزعامة الخطيب رفيق دربه. لا هم له سوى تقربه من القصر.وتفعيل خطط جهنمية كأحداث الريف  بعد الاستقلال التي لازالت أرواح الشهداء في عنقه .وان لم يكن مشاركا فعلى الأقل شاهدا.

– حزب الحركة الشعبية المنشقة عن حركة احرضان 1986 بقيادة تلميذه النجيب  العنصر  الذي تولى عدة وزارات منذ 86 إلى الآن كانت بينها  وزارة الداخلية قبيل التعديل الثالث بحكومة بنكيران.

– الحزب الدستوري بزعامة المعطي بوعبيد الذي انتهى حزبه في يد ساجد خلفا للأبيض. وجميعهم سمن على عسل الى أقصى مدى مع السلطات الحاكمة.وكانوا يمثلون توجه الدولة الرسمي.

– الحركة الاجتماعية بزعامة ضابط امن سابق كوميسير عرشان الذي جاء متأخرا نهاية التسعينات واستجمع إلى جانبه في تمثيل الحزب كوكتيل من الاسلامويين كالسلفيين وأعضاء الشبيبة الإسلامية وهو الكوميسير السابق الذي شارك في اعتقالات وقمع  ضد  مناضلين من أبناء الحركة الوطنية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية..فجل هاته الشخصيات إن لم نجزم بمشاركتها في قمع المواطنين في مجموعة من الأحداث فعلى الأقل هي شاهدة على ما حدث واستكانت لمحور القمع بدل اصطفافها إلى جانب الشعب المغربي.

فالقطبية ليست وليدة اليوم ولكن لها امتداد تاريخي في الشأن السياسي المغربي. والغرض من هذا الموضوع المطول والذي سينشر أجزاء.عبارة عن سرد تاريخي لأهم المحطات وليس جلها. والتذكير بما عاشته الساحة السياسية المغربية وما عاشه المغاربة والوطنيين. والتعريف بكل هذه المكونات السياسية التي صارت تدبر شأننا المحلي والوطني في ظل مقارنة بين الأمس واليوم بين الوطني والمحلي. فكل قراءة للحاضر لابد من المرور على أحداث الماضي،وان تأخذ بعين الاعتبار المقارنة بين المكونات السياسية خلال الممارسة النضالية بالشارع وخلال الممارسة من داخل المؤسسات لتكتمل الصورة لتحصيل رؤية معمقة يمكن من خلالها فرز الناضج من الغوغائي والصالح من الطالح والوطني من العميل لاستخلاص الدروس من محطات مهمة من تاريخ المغرب ،خاصة وان الملاحظ أن الجيل الأخير لم يعد يعلم عن فترات مهمة في تاريخ بلاده لعبت فيها أحزاب تقدمية ومحافظة أيضا كحزب الاستقلال والاتحاد- الوطني-الاشتراكي- للقوات الشعبية  والتحرر-التقدم- والاشتراكية  ومنظمة العمل الديمقراطي والشورى أدوارا طلائعية أسعفت البنية السياسية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية نوعا ما.فيما أحزاب أخرى وضعت يدها في يد السلطات التي كانت تقمع المواطنين بشدة وبطريقة وحشية بصمت على واقع عقود وصفت بسنوات الجمر والرصاص، سنوات وصلنا منها الصدى فقط وحكايات أشبه بالمتخيل كالحكايات الخرافية.مما جعل السلطات خاصة وزراء الداخلية ووزراء الدفاع كافقير والدليمي والبصري يدعمون هذه الأحزاب الإدارية (الوفاق) بطرق مختلفة لبقائها حيث أنها نالت رضى المخزن و نالت ما نالت من سخط الجماهير أنذاك. وللتأكيد فان احرضان في مذكراته وصف اوفقير بالوطني والمهدي بن بركة بالخائن. والحقيقة أن احرضان لا يحتاج لتذكيرنا بعلاقاته مع الأجهزة القمعية والفرنسية أيضا.

يتبع