بقلم :فاطمة الزهراء كريم الله

قلّل محمد اليازغي، الكاتب الأول السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ووزير الدولة السابق، من أهمية ما راج بخصوص اعتزام الحكومة السويدية الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية الديمقراطية”، وأوضح في حوار مع “العرب”، أن اعتراف ستوكهولم بجبهة البوليساريو، والجمهورية الوهمية التي يروّج لها أنصارها، هو في الحقيقة ليس اعترافا رسميا بل مجرد مشروع قانون عرض على البرلمان، وهناك احتمال كبير للتراجع ورفض هذا القرار، الذي يمس السياسة الخارجية السويدية.

وكان البرلمان السويدي قد صادق نهاية 2012 على قرار الاعتراف بجبهة البوليساريو لكن تم تجميده من قبل الحكومة السويدية السابقة.

واستطرد اليازغي مضيفا أن خطوة مشروع القانون السويدي، في حدّ ذاتها، مع الأسف موقف مخيف لا يساعد على حل مشكل الصحراء، وستكون السويد بذلك البلد الأوروبي الوحيد الذي سيعترف بهذه الجمهورية المزعومة، وهذا يمكن أن يعتبر موقفا خطيرا وضد الأمم المتحدة، وبالتالي فإقدام السويد على الاعتراف بالجبهة يمكن أن يخرجها من حل هذا النزاع ولن يبقي لها أي دور في المنطقة.

وأضاف اليازغي، الذي يعتبر من العارفين بخبايا قضية الصحراء “هنا يكمن دور الدبلوماسية الموازية ودور الأحزاب السياسية من خلال فتح حوار مع الجانب السويدي، للتأكيد على أن المغرب لن يفرّط في صحرائه”.

ومن المنتظر أن يسافر إلى السويد، خلال الأيام القليلة القادمة، وفد مكون من قادة تسعة أحزاب سياسية مغربية، (4 من قادة أحزاب الائتلاف الحكومي و5 من المعارضة)، لتوضيح الموقف المغربي وشرعية حق الشعب المغربي الثابت في وحدته الترابية. وتم إقرار هذه الزيارة، خلال الاجتماع العاجل الذي ترأسه رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران، بحضور ممثلي الأحزاب التسعة، بينها الحزب الاشتراكي.

في ذات السياق، ذكرت مصادر رسمية مغربية أن وزير الخارجية المغربي، صلاح الدين مزوار، التقى على هامش الدورة الـ70 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بنظيرته السويدية، مارغوت فالستروم، حيث نقل لها الموقف الشعبي والحزبي المغربي الرافض لقرار بلادها الاعتراف بجبهة البوليساريو و”جمهوريتها” الوهمية، واصفا القرار بالخطأ الاستراتيجي.

الجهوية الموسعة

طرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية كحل لإنهاء النزاع. ويقترح الحل منح إقليم الصحراء المغربية حكما ذاتيا موسعا مع الاحتفاظ برموز السيادة كالعلم والسياسة الخارجية والعملة. وتلاقي مبادرة الحكم الذاتي دعما دوليا واسعا، غير أن إصرار جبهة البوليساريو على خيار الانفصال ورفضها التفاوض حول المقترح المغربي، دفع المغرب إلى البدء بإنزال مشروع الحكم الذاتي عبر العمل على تطبيق الجهوية الموسعة.

في هذا السياق، قال محمد اليازغي، الذي تقلد، خلال حكومة التناوب التي شكلت سنة 1998، حقيبة وزارة إعداد التراب والسكنى والتعمير والبيئة، وتوج حينها بالمصادقة على الميثاق الوطني لإعداد التراب، إن اختيار سياسة الجهوية الموسعة سيكون فيه تماسك قوي للبلاد، وهو خطوة جاءت في وقتها، حيث لا ننسى أن المغرب طرح مبدأ الحكم الذاتي كحل لقضية الصحراء، معتبرا أن مفتاح قضية الصحراء يكمن في الإصلاح والديمقراطية والجهوية، ونحن مضطرون إلى أن نسير في اتجاه الجهوية المتقدمة كحل يناسب الظرف الراهن حتى لا يغلق الباب نهائيا على فكرة الحكم الذاتي.

وحول السيناريوهات المحتملة في قضية الصحراء المغربية، قال الوزير السابق إن “قضية الصحراء اليوم مطروحة أمام مجلس الأمن للبحث عن حل سياسي متوافق عليه من جميع الأطراف، مؤكدا أن الحكم الذاتي يظل رهينا باتفاق مع البوليساريو، فإذا لم يوافق فلا وجود للحكم الذاتي.

وتابع حديثه قائلا “دائما ما يتردّد، في المحافل الدولية أن قضية الصحراء طالت أكثر من أربعة عقود، والجميع، بما فيهم مجلس الأمن، يعرفون أن القضية تكلف ملايين الدولارات تصرف على بعثة المينورسو كل سنة، لكن يجب ألا نتأثر بذلك وألا نعتبره مضرا لنا، لأن المغرب متمسّك بصحرائه وكل شبر من ترابه، حتى لو طالت القضية مئة سنة”.

ونبّه اليازغي المجتمع الدولي إلى الأوضاع المأساوية التي يعيشها سكان مخيمات الحمادة وتندوف، معتبرا أن استمرار هذه الأوضاع تنتج كارثة، والمجتمع الدولي له مسؤوليات في ذلك وهي جريمة في حق الإنسانية، مشيرا إلى أن ما يشغل بال المغرب في هذا النزاع هو وضعية اللاجئين، حيث أن الحكومة الجزائرية لا تزال ترفض الإحصاء لسكان المخيمات، ومسألة الإحصاء فيها ضمانة ليعرف المجتمع الدولي ما الذي تمثله جبهة البوليساريو في خارطة الصراع.

واعتبر أن هناك عناصر مهمّة تصب في مصالح المغرب وتقوي جانبه كلما طال النزاع، ومن ذلك الاختلاط بين مغاربة الشمال والجنوب، خصوصا أن 90 في المئة من سكان الصحراء هم حضريون، وهو ما اعتبره عنصرا مهما بالنسبة إلى مستقبل قضية الصحراء، وسيجعل القضية غير قابلة إلا باعتراف المجتمع الدولي بالوحدة الترابية للمغرب. ودعا إلى استمرار دمقرطة المغرب واحترام حقوق الإنسان وحمايتها، وفتح نقاش وحوار واسعين مع أبناء المنطقة والشباب الصحراوي.

سياسة انتخابية جديدة

بخصوص أول انتخابات بلدية وجهوية منذ التعديل الدستوري، والتي أجريت يوم 4 سبتمبر الماضي، وكانت نتيجتها فوز حزب الأصالة والمعاصرة بالمرتبة الأولى بينما أقصى حزب الإستقلال المعارض حزب العدالة والتنمية من المرتبة الثانية، قال محمد اليازغي إن نتائج الانتخابات تشكل مرحلة جديدة في إطار الدستور الجديد، خصوصا أن الجهة أخذت طابع اللامركزية وأصبح رئيس الجهة هو المسؤول الأول.

وأشار إلى أن التحالفات الحزبية بعد الانتخابات، خلقت مفاجآت كبيرة لدى الرأي العام المغربي، وهذا راجع إلى أن التحالفات المحلية لم تكن اختيارية بل فرضتها الظروف التي يعيش فيها المستشارون المنتخبون. ورغم أن حزب العدالة والتنمية كسب أغلبية مطلقة في بعض المدن والقرى، لكن أحزابا أخرى تقاسمت معه المقاعد في عدد من البلديات المتوسطة والصغيرة. هذا ما قد يجعل، وفق اليازغي، الانتخابات التشريعية المقبلة ساخنة وربما حتى المشاركة سترتفع نظرا إلى الجو المتميز الذي خلقته هذه الانتخابات المحلية والجهوية.

وفي سياق الحديث عن الانتخابات، تطرّق محمد اليازغي إلى موضوع الأحزاب الإسلامية ومدى تأثيرها على الرأي العام، لافتا الانتباه إلى وجود قوة إسلامية كبيرة لا تشارك في الانتخابات، وهي جماعة العدل والإحسان، أما بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية فقد كسب الرهان هذه المرة، لكن ما يهدده ويطرح بعض التخوفات لدى الرأي العام، هو تواجد الفكر الإخواني في صفوفه، وقال الاتحادي المغربي إنه يقصد بالتحديد حركة التوحيد والإصلاح، الذراع الدعوية للعدالة والتنمية.

وتابع قائلا “إن الأحزاب اليسارية اليوم مطالبة بإعادة تقييم وضعيتها وتقديم تحليلات جديدة لواقع الشعب المغربي، تساعد في المرحلة المقبلة على ترسيخ الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية”.

وأرجع السياسي المغربي أسباب تراجع الأحزاب اليسارية إلى ما يعرفه المغرب في السنوات الأخيرة من تغييرات، مشيرا إلى أن اليسار لا يزال يحمل فكرة الحداثة والتطور والعدالة الاجتماعية، وبالتالي فكيفما كانت المشاكل التي تعانيها الأسرة اليسارية، فمن المحقق أن اليسار هو من سيكون البديل من أجل حل المشاكل الاجتماعية في المستقبل.

وطلب، في ختام حواره، من قادة اليسار وفصائله، أن يجتهدوا ليكونوا في سنة 2016 مزودين بنظرة مستقبلية واضحة إلى مشاكل المواطنين الذين انتصر بعضهم للحركات المحافظة بسبب تراجع دور اليسار والقوى الحداثية. وشدد على أن الشعب المغربي ينبغي أن يظل يقظا في المرحلة المقبلة، ولا ينبغي أن يكون ضحية الرجوع إلى الوراء، وينقلب على مكتسبات دولة الاستقلال.

  •  نشر بصحيفة العرب يوم الجمعة 2 شتنبر 2015