بانتخاب أعضاء مجلس المستشارين، تكون الهندسة المؤسساتية التي تولاها الدستور الجديد، قد استكملت حلقاتها كلها، من البرلمان إلى الجهة، مرورا بالمجالس الجماعية ومجالس المدن..
وتم انتخاب الغرفة الثانية على أساس التوزيع المنصوص عليه دستوريا، بما يعني ذلك : ثلاثة أخماس الأعضاء يمثلون الجماعات الترابية، يتوزعون بين جهات المملكة بالتناسب مع عدد سكانها، ومع مراعاة الانصاف بين الجهات. ينتخب المجلس الجهوي على مستوى كل جهة، من بين أعضائه، الثلث المخصص للجهة من هذا العدد. وينتخب الثلثان المتبقيان من قبل هيئة ناخبة تتكون على مستوى الجهة، من أعضاء المجالس الجماعية ومجالس العمالات والأقاليم؛ ثم خمسان من الأعضاء تنتخبهم، في كل جهة، هيئات ناخبة تتألف من المنتخبين في الغرف المهنية، وفي المنظمات المهنية للمشغلين الأكثر تمثيلية، وأعضاء تنتخبهم على الصعيد الوطني، هيئة ناخبة مكونة من ممثلي المأجورين.
ونحن نتابع هنا التمفصل بين المكونات الدستورية للهندسة المؤسساتية الجديدة.
و من المحقق أن الانتخابات الأخيرة قد أعادت إلى الوعي الجماعي أن الأجندة التي انطلقت في فاتح يوليوز مع التصويت الساحق على الدستور، ما زالت قائمة، لأنها ببساطة، لم تستنفد مخزونها المؤسساتي.
وتعيد سلسلة الانتخابات هاته إلى الذهن ?أيضا- تأخيرا دام 4 سنوات، كأقل تقدير، بحيث عشنا نوعا من التفاوت الدستوري بين اللحظة السياسية المنبثقة عن انتخابات 25 نونبر وبين اللحظة الدستورية لفاتح يوليوز، وهو تفاوت كان له -ولا شك- تأثير على السير المتوازن للمؤسسات، مؤسسات تنتمي زمنيا وسياسيا ودستوريا للنص الجديد، ومؤسسات ظلت تعطل المسيرة، لأنها تنتمي إلى زمن سياسي مغاير ولحظة مؤسساتية قديمة.
ومن المحقق أن ميلاد الهندسة الجديدة، سيتأثر بظروف النشأة والمحيط الذي رأت فيه النور، سواء في ترتيب الناخبين الكبار أو تشكيل المجالس أو في الاقتراع الخاص بالغرفة الثانية، وهي ظروف لا يمكن -بحال من الأحوال- اعتبارها سليمة سلامة تطمئن حول الانتقال النهائي إلى الزمن السياسي السليم والديمقراطي.
ونظرا للأدوار الجديدة للبرلمان ، ولعل أقواها المصادقة على مراجعة الدستور وفق أحكام الفصل 174؛ و الاستماع إلى التصريحات التي يقدمها رئيس الحكومة؛ و عرض مشروع قانون المالية السنوي؛ فإن التأثير على الحياة الوطنية وتوازن السلط وعلى تسريع وتيرة البناء الديمقراطي سيكون جليا.
ومن هذه الزاوية، فإن نظامنا البرلماني المبني على الغرفتين، تتشكل قاعدته الفقهية والسياسية من تدعيم شرعية المؤسسات السياسية من خلال تمثيلية متنوعة ومتكاملة تضم ممثلي الجماعات الترابية ، والنقابات وممثلي رجال الأعمال ، والفاعلين الاقتصاديين .وبذلك يكون المجلس فضاء للتفاوض السياسي والاجتماعي والتعاقدي باستمرار، وهو ما سيشكل إضافة ، من حيث المبدأ ، للحياة الوطنية ونقاشات الفضاء العمومي.. وغنى حياتنا السياسية إذا كانت تلك الأهداف محترمة وتحظى بنفس درجة الاهتمام من الجميع.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

    الاثنين 5 اكتوبر 2015