أعود الى الشرق، لكي أجد ذريعة عاطفية واحتفل مع الفلسطينيين، وهم ينشدون الهواء لعلمهم.
وهم يلوحون به لعل الغد يتعرف على ملامحهم…وينصفهم من بين الجثث!
وأعود معهم الى الشرق، وأقول مع الشاعر التونسي :»لا شعب في الشرقيين منتصر ليحتفل بانتصاري»..
والشعوب في الشرق تدخل التاريخ بالقهقرى:هنا ضاعت دول أخرى، ليتها كانت مهزومة وحرة:لكنها مهزومة وغير حرة..
والطائرات تقصف من مسائها سماء أخرى يحلم بها الأبناء قبل الآباء اليوم.
لا شعب في الشرقيين منتصر ليحتفل بانتصار فلسطيني بسيط:علم يرفرف بين أعلام كثيرة ويجرب قسطه من نسمات الهواء الأمريكي..ويشرئب إلى هناك، إلى الممكن الفلسطيني وسط الدمار الشامل في الشرقيين!
من كم سنة كانت هزيمة العرب في 1967، بوابة لكي يعيدوا صياغة هاويتهم:هل انهزمت برجوازية العرب أم اندحرت جيوشهم ؟
وكان واضحا أن السوسولوجيا والعلوم العسكرية متلاطمة في الدهن العربي، والفرق ضعيف بين شذو الربابة والمارش العسكري!
لكننا – مع ذلك – استطعنا أن نقترب من التاريخ قليلا، واستطاعت نخبة يسارية كانت متأثرة أساسا بالغرب الاشتراكي وتنأى عن الاستبداد الشرقي أن تصوغ هوية كفاحية للشعوب في الغرب الإسلامي العصي..
واليوم نريد أن نمدح الهزيمة الأولى لأن هزائمنا المتتالية اليوم لا تغري بأي دهشة، هزائمنا اليوم لا تحرك الجثث المثخنة بالخسارات قبل طائرات الدول الصديقة والشقيقة والنائمة في السرير العربي من الشرق إلى ال…. الشرق!
منذ 1967 لم يجرب العقل العربي أن ينجدب إلى الضوء، وتكرست مقولات الهوية الجامدة أكثر ووجد الاستبداد الشرقي إسمنته الثقافي والعقائدي.. وبدأ يكبر؟
لقد أسقطت الهزيمة الأولى الاشتراكية العربية كما تعلمها العسكر، فهل ستقود الهزائم الحالية إلى سقوط الإسلام الحزبي ؟
سؤال لا تحدوه أية نية في الأمنية أو الأمل..
لقد ذهبنا بعيدا في الهزيمة، تغلغلت في الأعماق لهذا نبدو مثل البلهاء في شارع الدول العصرية..
هذه الهزيمة يلزمها نابليون وقنينة شامبانيا:عند الهزيمة نكون في حاجة ماسة إلى الشامبانيا للمواساة، أما في النصر فنحتاجها للإحتفال..
لم يبق للمنهزمين سوى .. القناني الفارغة، بلا رسالة بداخلها!
هناك من يرى في الهزائم المتتالية منطقا جديدا، يجعلها نصرا: فالنصر الصغير في المحصلة الأخيرة ما هو إلا هزائم نسلم بها..
لتكن الهزيمة ولكن لنجد لها اتفاقا عليها فتتحول بقدرة سيكولوجيا الإنسان المقهور إلى نصر مبين!!
بلغة أخرى فالهزائم التي نتقبلها تتحول إلى حالات نصر صغيرة ..!
لهذا لم تسلك الدول من انتصارات الآخرين.
ولم تسلم الشعوب بدورها من زعماء يرون في كل دباباة أجنبية أو قاذفة صواريخ من دول الجوار أدلة دامغة على النصر الذي يحققونه بهزائمهم!
لا إحساس بالخجل:
ولا شعور بالمسؤولية
ولا حالة عزة تجعلهم يقبلون بالحقيقة:يلزم المنهزم قوة نفس عالية وشعور بالاعتزاز كبير لكي يشعر بجرح الهزيمة، وهو ما لا تقبله الدويلات المسماة شرق -أوسطية!
لهذا أمدح هزيمة 1967، على الأقل بالنسبة لجيل تكون على هزيم الرعد ، هزائم بالصوت والصراخ .. لا الهزائم الصامتة نقبل بها بدون أن يعلم الجيران، شمالا أو غربا!
تستعد الشعوب والإدارات المفوض لها تدبير فقرها وجهلها وتخلفها، لهزائم طويلة الأمد، ستكون إسرائيل فيها الحاكم القوي على مدار 150 كلم من كل الجهات.
وتستعد الشعوب لكي تفتح دكاكين طويلة للموتى، من بين الطوائف:حيث ما كانت طائفية هناك الهزيمة، من أبسط مجموعة بشرية إلى أكبر الدول!
هي ذي الشعوب الشجاعة، تتمرن على الإقدام في القبول بالهزيمة، كشكل مقبول من أشكال الشجاعة.
أعود الى الشاعر:لا الغرب غرب
ولا الشرق شرق..
هناك، في تكدس التاريخ بين عواصم هارون الرشيد لا تستطيع الهزيمة أن تحرر شعوبها وناسها من الخوف، ولا تستطيع أن تحررهم من أشباحها..
وليس للهزيمة… سوى جواب واحد، كما قال ونستون تشرشل هو.. الانتصار !
لعلي نطقت بكلمة من لغة ميتة؟

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

   الاثنين 5 شتنبر 2015