كانت دراسة أمريكية، صدرت منذ سنتين، قد دقت ناقوس الخطر حول ما وصفته ب “الاجتفاف العاطفي” للفرد الأمريكي، بسبب مناهج التعليم.. المناهج، التي تصنع “التقنيين” من مختلف التخصصات، الذين تحتاجهم سوق الشغل، لكنها “تقتل” الإنساني في الإنسان. أي أنها مناهج، من حيث إنها تبحث عن عناصر فاعلة، ضمن دورة الإنتاج، وآلتها الصماء الهائلة، انتهت بعد 3 أجيال (منذ نهاية الستينات)، إلى إنتاج “آلات بشرية جامدة صماء”. ولقد وضعت تلك الدراسة، في موقع الاتهام كل سياسة “نظام السوق”. وخلصت إلى أنه أصبح إلزاميا، إعادة مواد العلوم الإنسانية إلى كل مناهج التدريس سواء العلمية أو الأدبية أو التقنية. مع تركيز خاص، على مواد الأدب والفنون، ثم التاريخ، وعلم الاجتماع والفلسفة.
الحقيقة، إن قراءة، أفقية، تراكمية، لقصة النسيج الاجتماعي للمجتمعات الغربية منذ نهاية حرب الفيتنام، أي عمليا منذ 1976، تجعلنا نكتشف بوضوح، أن الفرد الغربي (خاصة الأمريكي، ثم تبعه في ذلك الفرد الأروبي 15 سنة بعد ذلك)، قد بدأ يستقيل من سؤال الجماعة، بالمعنى الفكري كقلق عمومي، منذ ثورة ماي 1968، الشبابية والطلابية، تلك التي برزت فيها إعلاميا، 3 محطات كبرى، هي: ثورة طلاب فرنسا سنة 1968، تلك التي جعلت الجنرال دوغول يخرج بسرعة ليقول جملته الخالدة “لقد فهمتكم”. وجعل النخبة الفرنسية الحاكمة، سليلة الجمهورية الخامسة، لما بعد الحرب العالمية الثانية، تقرر تفكيك البنية الجغرافية والتدبيرية القوية للنسيج الطلابي بفرنسا وشبيبتها (حينها برزت أول مشاريع إخراج الكليات من السوربون إلى هوامش وأطراف باريس). ثم ما عرف ب “ربيع براغ” بأروبا الشرقية في ذات 1968، بشيكوسلوفاكيا (قبل تقسيم البلد سنة 1990 إلى التشيك والسلوفاك)، والذي كان ربيعا شبابيا، ثقافيا وسياسيا بامتياز، ووجه بالنار، حين نزلت دبابات موسكو وبريجنيف لوضع حد “لوقاحة وبسالة” أولئك الشباب. وأخيرا، حركة الشباب السود بأمريكا، المتعاضدة مع حركة مناهضة حرب الفيتنام، وحركة العصيان التي قادها طلبة جامعة بيركلي بسان فرانسيسكو. والتي ووجهت جميعها بالقمع البوليسي لحفظ “النظام العام” بواشنطن.
عمليا، إذن، فقد اعتمدت منهجية تأطيرية، عبر التعليم، وعبر الإعلام، وعبر السينما وعبر الغناء، وباقي أنماط الاستهلاك، لإبعاد الفرد الأمريكي والغربي (خاصة فئة الشباب) من سؤال الشأن العام، من خلال الإعلاء من نموذج “التقني والمستهلك”. فكانت النتيجة بروز تطرف في “الاجتفاف العاطفي” أصبح مقلقا من ناحية الأمن الاجتماعي والأمن العام وعلى “نظام السوق” في مجتمع مثل المجتمع الأمريكي. فكانت النتيجة هي عودة المطالبة بإلحاحية إعادة مصالحة الفرد هناك مع سؤال العلوم الإنسانية. والغاية هي تلطيف عين الحياة تحت سماء تلك البلاد. وسينجحون في ذلك.
هذا عندهم. ماذا عندنا؟.
هذا سؤال كبير. لا يستطيع المرء أن يدعي غير أن يعطي ملامح عناوين أجوبة حوله. أولها، التساؤل: أين يذهب اهتمام كل جيش شبابنا المغربي والعربي، ذاك الذي لا يذهب إلى مسرح أو سينما. ذاك الذي موسيقاه صخب وكلام “خاسر”. ذاك الذي لا يملأ صف مكتبة ولا عاد ينظم رحلات تخييم جماعية طلابية وتلاميذية؟. إنه، أكيد، يذهب إلى ظلام النت، إلى عزلة الذات وعزلة نظرة العين إلى الحياة. وهناك ينتظره ويقتنصه خطاب يتأسس على بنية تأويلية توسع فقط من جواب التطرف.
أليس ما حدث من كارثة إنسانية في الحج بمنى، قد كان واحدا من المادة الغنية للاشتغال على نوعية النقاش الذي أثارته عربيا وإسلاميا تلك الكارثة. النقاش الذي مقلق فيه جديا، ذلك الخلط بين الموت كقدر وبين تبرير القتل بسبب سوء التنظيم. إن ما يهمنا هنا، هو ترجمة ذلك النقاش لشكل السؤال الذي أصبح مؤطرا للفرد العربي المسلم، التبريري، اليائس. الذي أصبحت الجملة السادرة بقلق في كل جغرافيات مدن الجزائر وتونس والقاهرة وبيروت هي: “هادشي للي عطا الله”.
إن “اجتفافنا العاطفي الرؤيوي” عربيا وإسلاميا يضع في العمق نظامنا التعليمي موضع سؤال وموضع اتهام. إن التحدي عندنا اليوم، ليس فقط توفير كسرة خبز وشربة ماء وسقف بيت آمن للفرد العربي المسلم، بل مصالحته مع ذاته ومع حضارته ومع التاريخ ومع بنية التقدم.. مع الأمل.. غير ذلك، أخشى أن نكون لا قدر الله إنما “نعلف غولا” من الجهالة سيهدم البيت على من فيه بعد جيل أو جيلين.