اختيار السلطات العمومية المغربية لوفد حزبي يساري لزيارة السويد قصد التباحث مع مختلف المسؤولين هناك لم يكن اعتباطيا، بحكم أن العائلة السياسية المهيمنة على مراكز القرار في السويد تنتمي لليسار. من هنا دواعي إرسال كل من نبيلة منيب (الاشتراكي الموحد) ورشيدة الطاهري (التقدم والاشتراكية) ومحمد بنعبد القادر (الاتحاد الاشتراكي) إلى ستوكهولم لكي يشرحوا للبرلمانيين والحزببين هناك أطروحة المغرب بشأن ملف الصحراء وإبراز التداعيات السلبية لاحتمال اعتراف السويد ب “دولة البوليزاريو”. ولمعرفة أسباب تشنج اليسار الأوربي عامة واليسار الاسكندنافي خاصة، مع القضايا المغربية، اتصلت “أنفاس بريس”” بالقيادي الاتحادي محمد بنعبد القادرالذي ينقل للرأي العام المغربي – في هذا الحوار- قرائته الخاصة لهذا التوتر:

* كشفت الأزمة الأخيرة بين المغرب والسويد أن المغرب لم يتمكن من اختراق العقل السياسي اليساري بأوروبا، لماذا هذه الحساسية لذا هذه الأحزاب؟

** لا يمكن في اعتقادي اختزال مهمة التصدي للأطروحة الانفصالية والدفاع عن سيادة المغرب ووحدته الترابية في عملية ذهنية، تقتفي تسللا دماغيا في جسم اليسار الأوروبي أو اللاتينو أمريكي، لأن الدفاع عن مغربية الصحراء في المحافل السياسية الدولية تحكمه براديغمات متعددة يتفاعل معها الفاعلون الدوليون بهذا القرار أو ذاك، ثم إنه لا يجوز التعميم والتجريد عند الحديث عن عقل يساري عابر للقارات، فليس هناك “عقل يساري” منسجم ومطلق ويصدر عن نفس المقولات ويشتغل بنفس الآليات . أنا على الأقل وبحكم التجربة المتواضعة أميز في هذا الصدد بين اليسار الحالم واليسار الآثم. فاليسار الحالم (العاطفي) هو يسار السوسيوديمقراطيين السكندناف وفي مقدمتهم السويديين. وهؤلاء ما يميزهم هو أنهم أبدعوا نموذجا متوفقا في دولة الرخاء الاجتماعي والحداثة السياسية، إلى درجة لم يعد أمامهم أي قضية يستثمرون فيها مخزونهم النضالي وجدانيا وسياسيا، ولم تبق أمامهم فئة اجتماعية يسبغون عليها فائض عطفهم ويفرغون فيها شحنة رفاقتهم. لذلك راحوا يبحثون في خريطة بؤر النزاعات الدولية عن “شعوب” وقبائل وأقليات وقوميات يحملن جراحها على عاتقهم ويؤتثون بها فضاءات مؤتمراتهم وفق مقاربة رومانسية سانحة لا تستند على أي فهم أو قرب من سياقات النزاع وخلفياته ورهاناته الحقيقية على الأرض.

وهناك اليسار الآثم وأقصد به أساسا ( اليسار الإسباني والفرنسي) وما يميزه هو أنه يسار مثقل بالشعور بالذنب كقوة استعمارية سابقة في المنطقة إنه يسار معقد، لم يصفي حسابات ماضيه (بلغة فرويد) ولم يتخلص من عقدة ذنبه  décomplexerلذاك نراه ينطلق من خطاطة ذهنية تبسيطية مشدودة تجعل من صاحب الحق (المغرب) جلادا وتخلق له شعبا (صحراويا) لا يوجد له أي أثر كشعب في أرشيف الحماية الإسبانية أو الفرنسية. هذا اليسار الآثم بدأ يتعافى في السنوات الأخيرة من عقدته اتجاه المغرب في سياق تداخلت فيه عدة عوامل في مقدمتها الاشتغال الاتحادي الدؤوب في هذا المجال، حيث أن جل التنظيمات الاتحادية بأقاليم إسبانيا يتوفر مناضلوها على عضوية مزدوجة في الاتحاد الاشتراكي والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، بالإضافة للحوار السياسي المفتوح بين قيادتي الحزبين، وقد بدأت الثمار الأولى لهذا العمل تظهر مع حكومة ثباتيرو الاشتراكية، التي انتقلت بمفهوم الحياد السلبي للموقف الإسباني إلى حياد إيجابي تمثل في تدعيم مقترح الحكم الذاتي واتخاذ مسافة نقدية من جبهة البوليساريو، ولعل الأفق الانفصالي في كتالونيا سيدفع في تعزيز هذا التوجه، ونفس الأمر بحدة أقل يمكن سحبه على اليسار الفرنسي.

* معلوم أن اليسار المغربي منخرط في الأممية الاشتراكية وفي علاقات ثنائية مع اليسار الأوروبي، لماذا لم يستغل هذه العلاقة لصد الضربات ضد المصالح الاستراتيجية للمغرب؟

** إذا أردت أن أستعرض أمامك عدد وحجم الضربات التي تصدى لها الاتحاد الاشتراكي فلن تكفيك صفحات هذا العدد من “الوطن الآن”، لذلك أحيلك فقط على البوابة الرقمية للأممية الاشتراكية لكي تتبع بنفسك تطور الأدبيات الأممية بخصوص الصحراء المغربية، الذي ليس لهم إلمام بالعلاقات الدولية، يعتقدون أنه يكفي أن تكون على الصواب لكي يصفق لك الآخرون، ولا يعرفون أن اليسار المغربي كان في المؤتمرات الدولية يتدخل في جميع قضايا البشرية باستثناء الصحراء لا يسمع له فيها صوت، بمجرد أن تطرح القضية حتى يسلط  على رقبة اليسار المغربي سيف الأغلبية العددية، فتمرر القرارات والتوصيات لفائدة الانفصال في أقل من لمح البصر. هذا الواقع عشناه بكثير من الألم والضغط العصبي والإرهاق النفسي منذ انخراطنا في العلاقات الخارجية للشبيبة الاتحادية.  لكن لماذا اليوم تتجاهل الصحافة الوطنية أن الانفصاليين نزلوا إلى مجلس الأممية الاشتراكية بباريس بكل ثقلهم ودعاماتهم الافريقية واللاثينو أمريكية والاسكندنافية  لاستصدار بيان للأممية يدين تورط المغرب في “مذبحة أكديم ازيك”؟ ولماذا لم يصدر هذا البيان الذي زرع البوليساريو في مسودتهم أن أحداث” أكديم إزيك” هي الشرارة الحقيقية للثورات الربيع العربي، ولماذا ضغط الانفصاليون وأنصارهم الوازنون من أجل ترقيتهم من عضو ملاحظ إلى عضو كامل العضوية في الأممية الاشتراكية، فتم رفض الطلب ثلاث مرات متتالية قبل إغلاق الملف نهائيا، ولماذا؟ ولماذا؟

 أنا أخجل من نفسي كاتحادي، أن أواصل استعراض المكتسبات في التصدي للضربات ضد مصالح المغرب، لأن هذا ليس من أخلاقنا، فنحن نشتغل في صمت وتواضع وأحيانا نعود ظافرين من معركة طاحنة فنقدم تقريرنا للقيادة الحزبية ونعتذر للجريدة ( يقصد جريدة الاتحاد الاشتراكي- المحرر) عن إعطاء أي تصريح في الموضوع. وحتى عندما تزايد علينا بعض الصحف في هذا الصدد فإننا نتحاشا البوليميك في القضية الوطنية. فالمهم هو مصلحة الوطن وليس أن نظهر بمظهر الفرسان.

  • أنفاس بريس :  حاوره: أحمد لفضالي