حاول أحد الأساتذة في كلية أصول الدين، بجامعة عبد المالك السعدي، توفيق الغلبزوري، الرد على العمود الذي خصصته، في هذا الركن، لموضوع الانتقادات التي وجهها، أحد قياديي حزب العدالة والتنمية، الأمين بوخبزة، لأعضاء من نفس الحزب، وخاصة رئيس الجماعة الحضرية، محمد إدعمار.
غير أنه اختار في رده ميدانا آخر، اعتقد أنه سيهاجمني فيه، على مستوى الدين والعقيدة، لأنني اعتبرت أن الفتنة الكبرى، التي تواجه فيها صحابة، هي طعن في مصداقيتهم ودينهم… كما اتهمني بنسخ ما جاء في بعض كتب المستشرقين وتأثري بما كتبه طه حسين في هذا الموضوع، إلى غير ذلك، من مناهج التشكيك.
الحقيقة أني معجب بكتابات طه حسين، خاصة كتابه «في الشعر الجاهلي»، الذي أثار إشكالات حقيقية تهم كيفية قراءتنا للتراث، وغيرها من القضايا التي تستوجب إعمال مناهج البحث العلمي، الأمر الذي جر عليه هجوما عنيفا لم يسبق له مثيل، وصل إلى حد التكفير، بدل مقارعة الحجة بالحجة.
أما بالنسبة للفتنة الكبرى، فهناك مراجع عديدة، من الكتب التراثية، التي تعتمد في تاريخ الإسلام، لم يؤلفها المستشرقون، وقد اعتمد عليها محمد عابد الجابري، مثلا، كما اعتمدها المؤرخ التونسي، هشام جعيط حول هذا الموضوع.
كتاب هشام جعيط، المؤلف تحت اسم «الفتنة الكبرى»، باللغة الفرنسية، والذي ترجمه خليل أحمد خليل، للغة العربية، ونشرته دار الطليعة، يعتمد في أغلبه على الطبري، وإبن سعد، والبلاذري وإبن النديم، وإبن الأعثم، والمسعودي… وهؤلاء ليسوا مستشرقين، بل إنهم المرجع حتى للمفكرين المحافظين، الذين ينتقون من مؤلفاتهم ما يساير رؤيتهم الإيديولوجية، وينكرون ما يخالفها.
من هذه المراجع التراثية، يدرس جعيط تاريخ الفتنة الكبرى، في أدق تفاصيلها، مستعينا بمناهج البحث العلمي، والتحقيق، كمؤرخ، بل إنه يخصص فصلا كاملا للتمحيص في الروايات التي استند إليها أصحاب هذه الكتب، التراثية، حيث إن ما نقل كان في أغلبه شفويا، قبل عصر التدوين. وتتحدث هذه المراجع عن المواجهات التي حصلت بين عائشةَ، زوجةِ الرسول، والصحابيين، طلحة والزبير، من جهة، وعلي ابن أبي طالب، من جهة أخرى، واستمرار التطاحن، بين معاوية وعلي، والاصطفاف الذي حصل في هذا الصراع، والذي كانت دوافعه سياسية وقبلية وليست دينية. ويمكن القول، إن ردَّ الغلبزوري، وهو منسق ماستر الفكر الإسلامي، بالكلية المذكورة، يجعلنا نتساءل، بقلق بالغ، عن مصير المناهج العلمية، التي من المفترض أن تتوفر في التعليم الجامعي، ولو كان في كلية أصول الدين. وهذا من الإشكالات الكبرى التي تعيق تطور دراسة تراثنا الديني والحضاري، حيث يسيطر عليه الجمود العقائدي، الذي يناصب العداء لكل اجتهاد معتمد على مناهج العلوم الإنسانية والعقلانية.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

بالفصيــح | فتنة الجمود العقائدي/ يونس مجاهد

     الثلاثاء 6 اكتوبر 2015