ليس مطلوبا أن تفكر منطقيا في وضع غير منطقي، ولكن من الضروري تمرين العقل على أسئلة ليست بالضرورة بحاجة لجواب الآن و الـهنا.
هو تمرين يكاد يكون رفاهية، في زمن البحث عن صنوها العبث، عندما لا يكون هناك لزوم للتفكير حتى ..!
وأكثر ما يغري هو التفكير في الدولة
والتفكير في السلطة
والتفكير في السياسة
والتفكير في كل ذلك من شرفة الوطن.

* الدولة في الوطن؟

هل يمكننا أن نحارب من أجل الوطن تحت راية ..الدولة، عندما نكون في صراع معها؟.
ليس المهم أن نجيب من داخل المنطق، بل لا بد من التجربة، والذين عاشوا الصراع المر حول الشرعية التاريخية والتحررية، بين القوى الوطنية وبين الدولة، يعرفون أن الجواب كان في بدايته.. كلا.
ثم بدأ الحوار ينضج:إذا كنا نريد أن تكون الدولة وطنية، أي تدافع عن الوطن ولا تخدم الامبريالية والعالمية وقوى الاستعمار الجديد، فلماذا نرفضها أن تدافع عن التراب الوطني، ونرفض أن نتعامل معها على قاعدة الوطنية ذاتها؟.
كان عبد الرحيم بوعبيد المعارض الأخلاقي للنظام لا يتردد في حمل حقائبه والتوجه في مهام شاقة للدفاع عن الوطن… في الهند والسند!
حدث ذلك و إخوانه يعدمون ويشنقون ويرمون في الأقبية السرية والبعيدة..
كان يردد بأن السياسة أخلاق:أي لا يمكن أن نتفق على الدفاع عن الوطن ثم يتم الغذر بنا!
في معادلة كهذه لا نخسر سوى.. حسن نيتنا!
الوطن يحتاج أحيانا أن نسلم للدولة بأولويتها في الدفاع عن شرعية وجوده وشرعية مطالبه، يحتاج أن نتنازل عن العداء لها ونتنازل لها عن شرط وجودنا:انتفاؤها السلمي من الفضاء العمومي!
يحتاج الوطن أن نجد للدولة أدوارا، عندما لا تتخلى عن دورها، في الوطنية.
ولا حاجة لنا للبحث في انتماء أممي عما يقلص عضويتها الوطنية.
ولا أن نجد في الدم بيننا ما نهدم به الجسور معها.
يحتاج الوطن أحيانا كثيرة أن »نتمخزن.. قليلا« من أجله!

* تدبير السياسة من داخل السلطة أم تدبير السلطة من داخل السياسة!

من الأعطاب الكبرى أن يظل تدبير السياسة من داخل دائرة السلطة هو الاحتمال الوحيد لبقاء الشرط الديموقراطي قائما في العيش المشترك.
وأن يزداد الابتعاد عن الانتقال التدبيري للسلطة من داخل دائرة السياسة.. فصلا آخر.
ولنا أن نتساءل إلى أي حد تصدق هذه المعادلة في دولة المغرب الباحثة عن الديموقراطية، بدون الحاجة إلى نظريات البحث البوليسي في التاريخ.
فقد استكملنا المسلسل الانتخابي بعد أزيد من 3 سنوات عن الإعلان الرسمي لنهايته، فكان أن بقي البناء الموسساتي معلقا حتى تدبرت السلطة الشأن السياسي بما يقلص من هواجسها.
ولم يعد صالحا التعطيل من جديد، أو يعود صالحا البحث عن تكييف قصري للزمن السياسي.
ومن كان يتوقع أن ندخل في السلاسة السياسية والديموقراطية في حينها، ونحن ننظر بخوف السلطة إلى .. الفعل السياسي ونتوجس – بعاطفة من الدولة – من صناديق الاقتراع، كان يزيد في عمر الوهم فصولا جديدة..
لم تكن هناك مفاجأة، لاعتبارات عديدة، عما كانت تتخوف منه دوائر الصراع السياسي منذ 2003.
لم يكن هناك مجهود لتقديم عرض آخر من خارج التدبير السلطوي للسياسة!
وبدا واضحا أن المعادلة لن تخرج عن استشعار مخاوف دوائر القرار من صلب صندوق الاقتراع.
لا المعارضة معارضة
ولا الحكومة حكومة..
هناك جسور كثيرة يتم تشييدها بين المواقع والهويات، حتى لا تكون هوية واحدة كاملة في العرض المقدم إلى المغاربة!
وحده التاريخ، يبدو قادرا على بناء فكرة ما عن الراهن وربما عن المستقبل..
تاريخ العقيدة
أو تاريخ الفكرة اليسارية..
هناك توازنات تقوم مقام المشاريع، التي أطرت الصراع في المغرب منذ قيام الفكرة التقدمية على تراث الحركة التحررية، ومنذ أن تحول الآباء المؤسسون للفكرة الوطنية إلى آباء مؤسسين للفكرة اليسارية، وانبرت الدولة لتقديم النموذج السلطاني – كحل تاريخي للصراع معهم.
توازنات تقوم على مخاوف السلطة، واستباقها إلى بناء البدائل قبل أن تنضج في المجتمع..توازنات قيصرية لا ترك أي شيء ينضج نضجه الطبيعي، لهذا نتذوق هذه المآدب بمذاق من يتذوق عنبا حامضا….!

  *في الوطن، والدولة والسياسة والسلطة؟

هل يمكن أن نجمع بين التأملين في تأمل واحد؟
ممكن للغاية إذا ما قلمنا السلطة، وعقْلنَّا الدولة واحترمنا السياسة .. ورفعنا من ترتيب الوطن في الأولويات الراهنة!
يحتاج الوطن أن تصغر الدولة أمامه
يحتاج أن تتزين السياسة له بنبل..
يحتاج الوطن أن تنام السلطة بعيدة عن أحلامه.
يحتاج الوطن.. لا وطن مثله!

*

كسر الخاطر * تأملات لا رابط بينها .. سوى الهم!*بقلم :عبد الحميد جماهري

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الاربعاء 7 اكتوبر 2015