يتمتّع رجال الدين في إيران، منذ أواخر القرن الثامن عشر، بمكانة هامة تجلّت بالأساس في أدوارهم المؤثّرة على المسرح السياسي. وتوصلوا لأن يتمتعوا باستقلالية إزاء الدولة والمجتمع معا. وصار بإمكان آيات الله أن يفتوا في سائر الأمور، وهذا يعني، في مجتمع إسلامي، أولويّتهم بالنسبة إلى السلطة السياسية.

هذا ما جعل البعض مثل بيار جان لويزار يذهب في كتابه «التاريخ السياسي للإكليروس الشيعي» إلى اعتبار رجال الدين الشيعة «إكليروسا» لاستقلاليتهم عن الدولة وأجهزتها وللتنظيم والتراتبية التي يخضعون لها.

أما كيف توصلوا إلى لعب هذا الدور، فربما يعود ذلك في جزء منه إلى السياسة التي اتبعتها الدولة العثمانية التي لم تعترف بالشيعة كملّة؛ ما سمح لرجال الدين بالقيام بتدبير أمور تابعي المذهب الشيعي بشكل مستقل عن هذه الدولة في الولايات الخاضعة لها بسبب إهمالها لهم وعدم الاعتراف بهم. لكن الجزء الآخر الأهم يعود إلى خصوصية نشأة الدولة الصفوية وتطورها.

يفصّل فرنسوا تويال، في كتابه “الشيعة في العالم”، عن دار الفارابي، كيف حصل تمكين رجال الدين الإيرانيين على مرحلتين؛ المرحلة الأولى عندما فرضت السلالة الصفوية التشيع على إيران السنية بالقوة، وذلك إبان حكم القاجاريين من أواخر القرن الثامن عشر وحتى العام 1924، حيث يمكن الحديث عن اهتداء ثان إلى الشيعية: الأول كان عن طريق السلطة السياسية. أما الثاني فكان من فعل رجال الدين أنفسهم الذين قاموا بدور مميز طيلة القرن التاسع عشر، وعملوا على تنظيم تراتبية الهيئة الدينية الشيعية وتقويتها وقوننتها. ففوق الأئمة كان هناك دائما علماء الدين.

وخلال هذه المرحلة أنشأ رجال الدين مراتب بطبقات ثلاث: حجة الإسلام وآية الله وآية الله العظمى. وهذا الترتيب الداخلي عزّز سلطة شاغلي هذه المراتب على رجال الدين العاديين، وفي الوقت نفسه قوّى سيطرة حاملي الرتب الدينية العليا على سكان الإمبراطورية. وهكذا فإن سلطة مضادة بدأت تتركز في البلاد، وهي سلطة قوية بمقدار ما هي مستقلة ماديا.

من الدين إلى السياسة

بعد ضعف الدولة (شبه المستعمرة من الإنكليز) وجد رجال الدين أنفسهم يخرجون من الدائرة الدينية ليدخلوا الدائرة السياسية، عندما قاموا بمواجهة احتكار زراعة التبغ من قبل الإنكليز؛ التدبير الذي اعتبره الشعب إهانة. وهذا التدخل الفاعل لرجال الدين نقلهم من طور القوة الدينية ليصبحوا ضمانة للنزاهة وحقوق الأمة في وجه السلالة المتداعية.

وابتداء من هذه المرحلة أخذت هبات الشيعة من خمس وزكاة وإرث وأوقاف تذهب إلى رجال الدين من دون المرور بالدولة. وهكذا نالوا حظوة فائقة في القرن التاسع عشر، لأن هذه الأموال والأوقاف كانت توزع على المحرومين بإشرافهم وتستعمل لإنشاء المدارس القرآنية.

ومع هيكلة الهيئة الدينية وتأطيرها وتحديد مسؤولياتها ودورها في العمل الاجتماعي وجدت نفسها في موقع قوة؛ إضافة إلى أنها صارت تستدرّ تقوى الجماهير، وشجّعت زيارة أضرحة الأئمة كما لجأت إلى تشجيع ما يمكن أن يسمّى بالتأطير والاحتضان الاجتماعيين من خلال مجالس التعزية، مدعمة سلطتها على الجماهير عن طريق المسرح الديني من خلال تمثيل كربلاء واستشهاد الحسين؛ فربطوا الناس بهم باستدرار العاطفة الشعبية والأحاسيس الدينية حول مأساة كربلاء وتكرار تقديمها للناس.

وبدا رجال الدين الشيعة أمام الجماهير وكأنهم ضمانة العدالة والحقيقة إزاء أي شكل من أشكال الطغيان. وهكذا سيفرض رجال الدين أنفسهم كسلطة مضادة إزاء السلطة القاجارية الواهنة.

أما المرحلة الثانية فحصلت في العام 1906. وفي تلك الفترة كانت العناصر المتنورة في المجتمع الفارسي، التي تستوحي الأنظمة الغربية، تحاول إيجاد دستور في الإمبراطورية القاجارية، وإنشاء مجلس نيابي والقيام بإصلاحات تحد من السلطة التشريعية المحصورة برجال الدين. هذه المطالب فجرت الأوضاع، لأن رجال الدين ما كانوا يرغبون بعصرنة إيران. في المرحلة الأولى خضع الشاه للإصلاحيين وسلّم بالإصلاحات تحت ضغط السلاح. وهذه الأزمة الدستورية -كما سميت في إيران- انتهت بهزيمة رجال الدين، أو على الأقل بانكفائهم وتراجعهم.

وأدّى الاستياء العام للطبقة السياسية ورجال الدين إلى الانقلاب على القاجاريين فأزيلت السلالة القاجارية وحل آل بهلوي. ووصل العقيد رضا خان على رأس السلطة. وأعلن طرد المحتلين الأجانب مستندا إلى جيش قوي، مهمّته مقاتلة القوى الأجنبية وخنق الانتفاضات الداخلية المتتالية.

وكان الشاه يسعى إلى وضع بلاده على طريق الحداثة متأثرا بتجربة تركيا. لكن إرادته في تحديث الدولة اصطدمت بمقاومة رجال الدين. كما أن رجال الدين في تركيا لم يكونوا على قدر كاف من التنظيم كما في إيران ما فرض عليه الحذر.

وكان هدف الشاه، أيضا، إرساء دولة على الأسس التي تقوم عليها الدولة الغربية مع الحفاظ على الخصوصية الدينية الشيعية. لكن هذه الاندفاعات بلغت حدا لم يقبله رجال الدين بسهولة، خاصة قراره أو غلطته المميتة في فرض منع ارتداء الحجاب بالقوة. وهكذا احتفظ رجال الدين بتأثير كبير على الجماهير.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية واحتلال إيران وتنازل الشاه القسري عن العرش لابنه محمد رضا من 1941 إلى 1979. وتميزت هذه المرحلة بالاضطرابات في شمال إيران. ومحاولات انفصال أذربيجان وكردستان (ايحاء ستالين) لكن المشكلة الأساسية كانت في النفط. فالرأي العام الإيراني لم يتحمل بسهولة الاحتلال الخفي المفروض على البلاد من البريطانيين.

وقاد هذا الوضع إلى تجربة محمد مصدق، رئيس الوزراء الذي حاول بقوة وبمساعدة اليسار والقوى الدينية أن تكون ثروة البلاد النفطية في خدمة الإيرانيين أولا.

وفي هذا الصراع ضد المصالح الإنكلو- سكسونية فقد مصدق دعم الّأوساط الدينية. لأنه كان ذا ميول عصرية وتقدمية وما كان يرضى بعودة رجال الدين إلى مقدمة المسرح السياسي عن طريق النضال ضد الاستعمار.

ثورة آتية

نجحت وكالة الاستخبارات الأميركية والأوساط السياسية الإيرانية المحافظة في إفشال هذا الصراع. كما أن صالحت الحرب الباردة والتهديدات التي كانت تتسبب بها لإيران الأوساط الدينية مع حكم الشاه، ولو مؤقتا؛ خاصة مع بروز خطر جديد: حزب تودة الشيوعي.

وكان الشاه يحلم بجعل إيران شرطي الخليج والشرق الأوسط فلم ينتبه إلى أن عصرنة البلاد نفسها حملت عنصرا مفجرا لثورة آتية. لكن رجال الدين تنبهوا للأمر قبل سواهم وكانوا ينتظرون ساعتهم.

كما أن الإصلاح الزراعي الذي هدف إلى إيجاد مزارعين يملكون أرضهم ويخلصون للنظام، جاء ليهدد الأملاك والأوقاف الدينية مباشرة. وقد ساعدت العائدات النفطية على بروز برجوازية جديدة متغربنة جاءت، بدورها، لتمثل تهديدا لمصالح ما يسمى بالبازار، أي البرجوازية التجارية التقليدية التي كانت لها دائما علاقات بنيوية وعائلية مع المراتب العليا لرجال الدين الشيعة.

لم يشكل رجال الدين طيلة تلك المرحلة سلطة سياسية مضادة، لكن امتيازاتهم الاجتماعية لم تمس، واستقلاليتهم المالية -وهي القاعدة الحقيقية في مواجهة دولة آل بهلوي العصرية- بقيت قائمة.

أما سياسة التحديث التي اتبعها الشاه محمد رضا فكانت تزيد من الظلم الاجتماعي. وللجم الاستياء منها كان القمع يطال مختلف طبقات المجتمع، بمزيد من القسوة شملت رجال الدين المعارضين الذين كانوا ينفون إلى الخارج، وبخاصة الخميني الذي وجد ملجأ في العراق.

بالإضافة إلى أن جزءا من النخب كان قد تلقى دروسه في الجامعات الألمانية، حيث خالط اليسار الماركسي، ما أدى ببعض المثقفين إلى الاندماج المفاجئ بين التيارين الشيعي والثوري الماركسي.

أشهر مثال على ذلك هو علي شريعتي، الذي دعا للعودة إلى الجذور الشيعية، ليظهر كم أن هذا التيار يشكل قوة ثورية قادرة على التأثير، بانتظار عودة الإمام الغائب. هذه الأطروحة المبتكرة لقيت اهتماما بالغا في أوساط المثقفين الإيرانيين. حتى لو بقيت الثورة على مسافة من علي شريعتي الذي توفي قبل انتصارها، فإن التلاقي الضمني بين هذين التيارين راح يعبئ القسم الأكثر تطورا من الرأي العام الإيراني.

كان شريعتي يميز بين شيعيتين: شيعة الدولة الصفوية -مع رجال دين فاسدين وغير نافعين- وشيعة علي صهر النبي، التي تجسد في جوهرها الصراع من أجل العدالة والحقيقة. ففي قلب القرن العشرين، الذي يتلقى الأفكار التقدمية والعالمثالثية، تبدو الشيعية كأنها قوة استلهام وتغيير وثورة ورفض للنظام القائم. وللأسف هذا ما جيّره رجال الدين لمصلحتهم.

السلطة المطلقة

على الصعيد السياسي، تميزت السنوات التي سبقت 1979 بالاضطرابات الأكثر أهمية. فكان رجال الدين لا يشاركون فيها في الاعتراض السياسي فحسب، بل كانوا مصممين على أن يكونوا رأس حربة بسبب قدرتهم على التعبئة التي تفوق قدرة سواهم في الأحزاب. ولم تبق الشيعية الإيرانية مجرد سلطة مضادة ظهرت في القرن التاسع عشر، بل صارت في قمة السلطة. وسرعان ما أصبحت السلطة المطلقة.

للمرة الأولى في التاريخ أصبحت الشيعية في إيران دين دولة. ورجال الدين الشيعة، الواثقون من سلطتهم وأهمية رسالتهم، سيستولون على دولة مهمة ويحكمون مجتمعا أكثريته شيعة. وهذا لم يحصل أبدا في الماضي.

الأمر الذي جعلهم يحلمون باستعادة الأمجاد الغابرة للامبراطورية الفارسية عبر استغلال “بعض” الشيعة العرب وعسكرتهم من أجل اختراق النسيج العربي والهوية العربية عبرهم وخوضها الحروب ضد الدول العربية بالواسطة وتحت مظلة مناصرة المظلومين ومقاومة إسرائيل.

لكن كما سبق لشريعتي أن ميز بين شيعتين واحدة فاسدة وأخرى خيرة، كذلك يفعل المفكر الإيراني عبدالكريم سروش الذي يجد أن الدين أسوأ أداة للشخص السيئ لأنه يصبح قادرا على ارتكاب أسوأ الأمور باسم الدين. فيكون بوسعه أن يقتل، وأن يعذّب، وأن يمارس الإرهاب، وكله باسم الله. ذلك أنه مع الدين، يمكن لإنسان طيب أن يصبح أفضل في حين أن الشخص السيئ يصبح أسوأ. وهذا يشبه الخمر. الخمر يعرّي الإنسان. هنالك خمر حتى في الجنة، مما يعني أن الخمر الموجود في مكانه المناسب يمكنه أن ينجز أعمالا بنّاءة.

لكن إيران لم تنتبه إلى أن الاحتقان العربي الذي تسببت فيه سينفجر بوجهها حروبا مكشوفة ولن تؤدي أفعالها إلا إلى المزيد من العنف قبل أن تنكفئ إلى حدودها الطبيعية.

 عن صحيفة  العرب    نُشر  بها في 07/10/2015، العدد: 10059         منى فياض                                                                     بقلم …منى فياض  * كاتبة لبنانية