بنشيخ عبد اللطيف

 

تارودانت :عبد اللطيف بن الشيخ

السلطات والهيئات الحقوقية جنا لجنب.

مثل دكرني به احد عمال فندق السلام المغلوب على أمره، وأنا عائد من معاينة خاصة.خلته يليق بحالة صبيحة يوم الخميس 08 أكتوبر 2015 التي عرفت وفود العنصر البشري الإفريقي .ونحن كحقوقيون دائما نقحم كالعادة المواثيق الدولية ونسقطها على حالات كثيرة دون أن نجد لها مكانا يسعها في شمال إفريقيا .. أجد نفسي أمام واقع أخر ومشهد غير مألوف، وأنت أيها القارئ أمام ذهول الحالة تكاد تعثر على إشارة توحي لك بان الذي يلبس الرداء الأمني أو العسكري هو من السلطة المغربية بل تخاله مسعفا وطبيبا يشفي الجراح ببلسم السلوك الإنساني المجسد بصورة حضارية خلال هذا الصباح البارد.بالاعتماد على مجموعة الحماية للجنة الجهوية التي مثلتها الأستاذة المحامية زينب الخياطي قبل مجيء الرئيس الجهوي محمد شارف والتجاني الحمزاوي اللذين تابعا مجموعة تارودانت ومجموعة تيزنيت في نفس اليوم.هذا التحول الجذري تجسد على مستوى :

– تفريق احتجاج العناصر الإفريقية هذا الصباح اتسم بالرحمة والرأفة وأسلوب الإقناع رغم أن الأخيرة سدت منافذ الطريق.
– المعاملة مع الأجنبي (ليس أجانب الاستثمار ) بإقناعهم بقبول دار المخزن الأولى ومقر البلدية الأول للنزول بها، ريثما يطفو في وقت لاحق حل أخر على السطح.
– الاهتمام بصحتهم بحيث جلبت السلطات طبيبا لمعالجة الكدمات أو الحالات المرضية التي تشكو منها هذه الفئة.
– الخدمات المقدمة من أكل وسجائر ودواء وأغطية وألبسة .
– حثهم على نظافة ابدأنهم والجولان بالحديقة العمومية.

لقد أثارني فعلا هذا التحول الذي يعكس بحق استجابة السلطات الرودانية على الخصوص والسلطات المغربية عموما للأصوات المنادية باحترام الإنسان كيفما كان جنسه،ويعكس صورة جميلة تجعلنا نشعر بفخر أننا قطعنا أشواطا وحرقنا مراحل انتقال ..ودخلنا عالم معاملة الإنسان في ضوء حقوق الإنسان بمنظور خدمة الإنسان،الذي أعلنت عنه الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 144/40 بتاريخ 13/12/1985 المتعلق بحقوق الأجانب داخل تراب بلد أخر ويتضمن في مجمله 18 حقا خاصا بالأجانب في وضعية قانونية.اضافة للمادة 30 من الدستور المغربي التي تنص على تمتيع الأجانب بالحريات العامة المتاحة للمواطنين..

أما والحالة هاته فان السلطات الإقليمية والوطنية اجتهدت وتجاوزت رحمة المواثيق الدولية وأدرجت في قائمة المستفيدين من الحقوق حتى مهاجرو جنوب الصحراء السريين،وأعظم من ذلك تعدت سقف الحقوق لتضمن لهم المأكل والملبس والدواء والإقامة والتطبيب بفضل تدخل السلطات ومندوب الصحة شخصيا وتدخل الجمعية الإسلامية لتوفير أسباب الراحة وتجنيب الضيوف كل ما من شأنه أن يقلق راحتهم ..

وللمعلومة  فان مجموعة كبيرة من الأفارقة المدرجين في قائمة الهجرة السرية نقلتهم مصالح الداخلية من تطوان وطنجة إلى جنوب المغرب مستهدفين إقليم تارودانت عبر وسائل النقل (الحافلات) دون علم المرحلين .فتم إنزال مجموعة باولاد تايمة ومجموعة بتاروادانت المدينة ضمت 110 عنصرا وهي موضوعنا تغطيتنا هاته .ومباشرة بعد إنزال مجموعة تارودانت قرب مدارة  القصر البلدي تجمهر المهاجرون  وسدوا منافذ الطريق الرئيسية التي هي الطريق الوطنية رقم 10 وعطلوا  السير بها  ، مما اضر بمصالح المواطنين، لأجل ذلك اتخذت السلطات كل التدابير من اجل الاخلاء والتفاوض المباشر ….

مغرب الاجانب
ومن خلال نظرة مركزة بقرب البناية التي احتضنت الفوج الثاني وفي وسط المشهد البانورامي (الحدائق.الاسوار.البنايات المخزنية العتيقة والحديثة) تتبين مفارقة صارخة تخفيها بضع شجيرات نخيل وسور يفصل بين البنايتين التاريخيتين ..البلدية القديمة وقصر فندق السلام الذي عمق جراح مغاربة شمال إفريقيا..

العنصر الأخير (والذي كان مصدر عنوان هذا المقال) يعاني الجوع والفقر بكل تجلياته بسبب عدم صرف أجور عمال السلام وطرد تعسفي في حق 33 عاملا لازالوا جميعهم يحتجون في مواجهة الجوع والحرمان والفاقة دون أن تتمكن الجهات المعنية المذكورة أعلاه من مندوبية الصحة او سلطات او وزارات تعنى بالتشغيل والشؤون الاجتماعية او جمعيات لمساعدة اسر ضحايا السلام التي ذاقت وقع التشرد والمتابعات القضائية بسبب عدم قدرتها على تسديد نفقات الحياة من ديون وإيجار البيوت..

.. أنا الآن أقف بين برزخينحيث النخلات  تفصل بين مغرب يقدم المساعدات والهبات للأجانب بشكل رسمي وليس إحسانا من أشخاص معينين، وبين مغرب يهمش بطلاقة أهل الداخل وأبناء المغرب لذنب اقترفوه أنهم ولدوا مثل في هذا الوطن..

من خلال كتابتي هاته لا اقصد أن أكون عدميا أو أحاول إظهار السلطات عاجزة عن القيام بدورها .بل  لاحدد فقط مجال حقوق الإنسان الذي عانينا لأجله كثيرا…واتسأءل عن جدوى تخزين المساعدات الطبية وغيرها من ألبسة وأغطية وظهورها في هذه المحطة بالضبط رغم أن عائلات مغربية بالمدينة والقرى تتوسل أمام الصيدليات لشراء علبة دواء.
وقوفي مقابل الفاصل بقرب حديقة إبراهيم الروداني ،جعلني اجتر ذكريات وتجارب محلية و وطنية و دولية ، وتداخلت الصور المتعددة والكثيرة التي جعلت من المغرب رائدا من الرواد في مجال المساعدات الدولية ونحن نستحضر المستشفيات العسكرية التي تنصب في بقاع إفريقيا والعالم بأحدث التجهيزات وامهر الأطر الطبية تداوي جراح الغير زاحمتها صورة مرضى مغاربة داخل الوطن يموتون إهمالا وبسبب الخصاص المهول في الأطر والمستشفيات معا لذنب اقترفوه أنهم ولدوا فقراء فكان لزاما عليهم ان يموتوا فقراء.وعلى الصعيد المحلي فالعجب العجب أن يقوم مندوب الصحة بتوزيع الأدوية والجميع يعلم أن إدارة مستشفى المختار السوسي تقوم بتعبئة ورقة الوصفة الطبية بخربشات لا تؤدي إلى أي نتيجة دون أي مساعدة طبية هذا إذا لعب الحظ مع المريض وتواجه مع الطبيب دون ان يتعرض لاستفزاز او متابعة قضائية بتهمة كيدية.والوقائع كثيرة وأنا شخصيا أقدم ذاتي في هذه الكتابة ألاذعة بحكم تجربتي القاسية مع هذا المستشفى والذي اعرف عنه الكثير والوضع الذي يحتاج معه ساكنة تقف في صف واحد لمواجهة الفساد أينما حل وارتحل بالطرق السلمية التي ينص عليها الدستور.
الصورة الثالثة التي ارادت أن تعبر بسرعة،وهي قمع القوات المساعدة وقوات التدخل السريع بالهراوات في مظاهرات سلمية بل متابعات بتهم كيدية في أروقة المحكمة الابتدائية بتارودانت،وأخرها اعتقالي وإنهائي العقوبة الحبسية إضافة لمحاكمة جارية ومتابعة سابقة لم تصل بعد لردهات المحاكم جميعها تحصيل حاصل من وقفات سلمية.والجميع يعلم الطابع الاحتجاجي الذي قدناه بالمدينة والإقليم والذي يتصف بمصداقيته أولا وسلميته ثانيا.عكس الأجانب الذين سدوا منافذ الطريق وتحصلوا على الاهتمام ..
الصورة الخطيرة تكمن في الحديث عن ملف الهجرة السرية بالمغرب هو حديث متشعب يستحضر أوجه متعددة يتحكم فيها ماهو دولي وماهو وطني أيضا.ونحن نستحضر كتجربة في الجوار الاقليمي كيف كان يعبئ القدافي الأفارقة لتهديد أوروبا بزحفهم وتهديد الثوار عن طريق تجنيدهم كمرتزقة عاتت فسادا وتقتيلا في أطراف ليبيا الجنوبية .ونحن بالمغرب نتمنى ألا تكون لهم في يوم من الأيام سلطة علينا،وإلا سيعود جيش البخاري من قبره لمجده واو يعود جيش سنيكال يسقط الأرواح الشهيدة المغربية بسلاح فرنسا .المحطات التاريخية كثيرة مع العنصر الإفريقي الجنوب صحراوي،وهي محطات يجب ان تنسى لأنها وصمة عار في جبين الإنسانية.وحتى لا تذهب مخيلتي بعيدا فحكاية طنجة اقرب من جيش سنيكال حيث احتل الأفارقة عمارات سكنية دون أن يدفعوا إيجارا لأصحابها المغاربة لسنوات وحين طالب المغاربة بشققهم واجههم الأفارقة بعنف وقوة أسالت الكثير من الدماء كعادة المواجهات التي يكونون فيها طرفا.هي قصة تعبر عن مدى شجاعة الأفارقة وهم في حضن دولة أجنبية ومدى ضعف المغاربة بداخل وطنهم،ففي هذا اليوم بالذات طالب احد العناصر 110 من عون سلطة سيجارة ليجيبه الاخير بكونه لا يدخن ورد عليه الإفريقي بجرأة:-قلت أريد سيجارة فتوصلت المجموعة كاملة بعلب سجائر . فكيف يمكننا ان نفسر كل هذا الضعف من قوة نعلم عنها أنها تفضل الصفع بذل الحديث والحوار.وما مبرره خاصة وان الشارع الروداني لم يتقبل فوجا بهذا الحجم تخوفا من عمليات النشل والاعتداء والأمثلة في هذا الصدد كثيرة لا المجال لذكرها.

دركي اوروبا.
فإشكالية الهجرة السرية لم تكن قضية أو رهانا وطنيا،بل كانت إشكالية أوروبا التي عانت من تدفق مئات الآلاف كل سنة، فأوكلت بمهمة الحد من هذه الظاهرة لاسبانيا كجدار يحمي الاتحاد الأوروبي من هجمات إفريقيا البشرية،فعرفت الأخيرة كيف تفرض شروطا مالية وسياسية واقتصادية على الاتحاد الأوروبي للقيام بهذه المهمة المربحة ماديا.وفي النهاية أرغمت المغرب على القبول بمهمة دركي أوروبا بدلها مع استفادة تبقى ضعيفة مقارنة مع الهبات السخية التي تتدفق على اسبانيا.وبموجب اتفاقية وقعها المغرب مع الاتحاد الأوربي سنة 1991 وجاءت بعدها اتفاقية تعاون ثنائي «المجموعة المشتركة الدائمة المغربية الإسبانية حول الهجرة» نجح المغرب في الحد من تدفق المهاجرين من الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط صوب أوروبا بنسبة 90./. منذ سنة 2004 حسب إحصائيا وزير الداخلية المغربي.ولكن هذا التحول قلب الأوضاع داخل المغرب الذي تحول من بلد مصدر إلى مستقبل للهجرة السرية. قبل أن يدرك أن جهوده في هذا المجال لا تسع حجم الضغط المتواصل جراء تزايد المهاجرين المتصاعد .كما أن المنح الأوروبية لم تعد قادرة على تغطية نفقات هذا الملف الإنساني الاجتماعي العويص. وأخرها منحة 10 مليون اورو (10 مليار سنتم) في ضل الانتقادات اللاذعة من المنظمات الحقوقية في قضية تعاطي المغرب مع المهاجرين السريين التي تؤثر حتما على جهود المغرب لتسوية قضية الصحراء المغربية.
لذلك وفي وقت سابق اجتمع جلالة الملك محمد السادس مع لجنة مصغرة وأعطى تعليماته لتسوية أوضاع المهاجرين السريين الإدارية والاجتماعية وإدماجهم عن طريق تعليمهم وتأطيرهم وتكوبنهم مهنيا.إلا أن الوضع بلغ احتقانا غير مسبوق خاصة مع تفاقم مسببات الهجرة بدول جنوب الصحراء من أوبئة وأمراض معدية وحروب قبلية …مما يتوجب على الاتحاد الأوروبي مضاعفة مساعدته للمغرب قصد حماية الأخير لها من الهجرة غير الشرعية.خاصة وان الحماية باتت تتطلب مقاربة إنسانية حقوقية تهتم بهذه الفئة. فكان قد عبر في وقت سابق مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة والشؤون الاجتماعية ديميتريس افرامويولوس عن استعداد الاتحاد الأوروبي لدعم المغرب قصد تطبيق مجموعة من البرامج الاجتماعية لإدماج مهاجري أوروبا بالمجتمع المحلي المغربي، لضمان احتجاز الأفارقة بشكل إنساني تحت خط الجدار الذي رسمه المغرب والاتحاد الأوروبي الممنوع تجاوزه.(الحدود المغربية الاسبانية البرية والبحرية). وهذا ما لمسناه محليا ويبرر جرأة الأفارقة وسلوك بعضهم تجاه السلطات المغربية والمواطنين غير المبني على الاحترام وفيه الكثير من الاستعلاء. ونستحضر صورة أخيرة قبل شهرين إبان توافد الفوج الأول لهذه السنة وإنزالهم بالخيرية الإسلامية ورفضوا الأكل مما يأكل منه نزلاء الخيرية من المغاربة فاستجابت لهم الجهات المعنية بتعاقدها مع ممون الحفلات وهذه الحكاية راجت بشكل كبير في الأوساط الرودانية يوم أمس الخميس تزامنا مع وفود الفوج الثاني لهذه السنة.لذلك اوضح رؤيتي الخاصة بان نطالب بدولة الحق والقانون ونطالب أيضا أن نكون أسيادنا في وطننا على الأقل، فلا يجب بأي حال من الأحوال الاعتناء بالأخر على حساب ذواتنا.

 مهاجرون افارقة بتاردانت / المغرب