الدخول السياسي في مغرب اليوم.. متطلبات التنمية و الإصلاحات الاستراتيجية .. معوقات الانتقال الديمقراطي و تضادها مع مفهوم الأصولية السياسية .. المال السياسي القذر و الخريطة الانتخابية ، الدولة الخفية و الظاهرة في الحياة السياسية الوطنية .. أهم ما اخترق التحليل الذي يسوقه الدكتور محمد الرضواني في هذا الحوار الذي خص به الجريدة .. لعل في الأجوبة تفاصيل مهمة و ذات نفس أكاديمي رصين بعيدا عن «الفهلوة» و حضيضية القراءات المتعفنة التي تصم بها آذاننا جرائد وصحافة الأجندات ..

* المغرب يعيش دخولا سياسيا على إيقاع اختتام المسلسل الانتخابي الذي استمر لشهور .. ما هو تعليقك .. أستاذ على ذلك ؟
* الانتخابات الجماعية والجهوية والمهنية وانتخابات مجلس المستشارين أفرزت جملة من المتغيرات التي سيكون لها تأثير دون شك في المشهد السياسي المغربي، يمكن الإشارة من بينها إلى ما يلي:
– تراجع كبير للأحزاب الصغرى، حيث يمكن القول أن دورها في المحطات الانتخابية المقبلة سيتأثر بنتائجها في الانتخابات الحالية، وهو ما يعني اتجاه المشهد السياسي المغربي نحو بروز أقطاب حزبية واضحة.
– مراجعة أحزاب المعارضة لأسس وأهداف التنسيق فيما بينها، لاسيما أن الانتخابات الأخيرة بينت بوضوح ضعفا كبيرا في هذا الصدد،وسعي حزب إلى الاستفادة المطلقة من هذا التنسيق على حساب أحزاب أخرى، وإلى توجيه أحزاب المعارضة؛ فمراجعة هذا التنسيق سيؤثر على مواقعها ومواقفها داخل المؤسسات وخارجها.
– دور المجالس الجهوية ونخبها في تنزيل مشروع الجهوية، ومدى ممارستها لاختصاصاتها الفعلية، وفي تحقيق التنمية، وما سيرافقها من نقاش قانوني وسياسي لاسيما في علاقتها مع السلطات المركزية.

* دخول سياسي يلازمه نقاش ساخن حول ما جرى في الانتخابات من استعمال واسع للمال و شراء ذمم الناخبين الصغار والكبار .. إن ذلك أصبح إشكالا حقيقيا يؤطر العملية الانتخابية ؟
  *يهم استعمال المال في الانتخابات علاقة الدولة بالمجتمع لا سيما ببعض القوى التي أصبحت تطرح تحديات أمام السلطة؛ بسلوكياتها العنيفة وبأساليبها المسائلة لهيبة الدولة، فرواج المال الانتخابي وانتصاره، وتأثيره في النتائج يعني أنه أصبح عاملا مهما وإن لم نقل حاسما في العملية الانتخابية، وهذا يطرح إشكالا كبيرا حول الصيرورات الخفية التي تحكم هذا العامل، وحول ما إذا كان عاملا بديلا لصنع التوازن في الخريطة السياسية وآلية لمراقبة الانتخابات من طرف الدولة، وحصر مجال تنافسيتها لاسيما أمام استمرار حياد السلطة.

* المال القذر يهز مصداقية العملية السياسية برمتها ..؟
* إن استعمال المال في العملية السياسية يؤثر على رهانات الدولة في الانتخابات في زمن ما بعد “الربيع العربي”، وعلى مصداقية خطابها الإصلاحي، باعتبار توظيف المال لا يؤثر على النتائج فقط، بل يؤثر كذلك على مصداقية المؤسسات السياسية والقضائية، وعلى مصداقية النخب التي ستقود مشروع الجهوية وتنزيله على أرض الواقع، كما سيؤثر على الانتخابات التشريعية المقبلة.

* في نفس الاتجاه .. لأول مرة يتحدث مسؤولون حكوميون على الغش والاستعمال المفرط للمال ، مما يضع الاستحقاقات التي مرت أمام سؤال و محك المصداقية و النزاهة ؟
* يمكن إبداء جملة من الملاحظات بخصوص حديث المسؤولين الحكوميين عن الغش واستعمال المال في الانتخابات؛ أولاها تسجيل تناقض المسؤولين الحكوميين في هذا الإطار؛ فبالرغم من إشادتهم بتنظيم انتخابات نزيهة في ظل هذه الحكومة، إلا أنهم يصرحون بتصريحات راديكالية حول استعمال المال؛ تصريحات تفوق في حدتها تصريحات أحزاب وجمعيات غير مشاركة في الانتخابات. والتفسير الممكن، في هذا الإطار، أن هذه التصريحات تدخل في إطار اللعب على وترين؛ وتر الأغلبية الحكومية، ووتر الخطاب المعارض المفيد في كسب الأصوات الانتخابية، الذي دأبت هذه الحكومة على إتباعه منذ توليها مقاليد السلطة.

*إلام تعزو هذا المنحى الذي أخذه منتجو هذا الخطاب الذي يتموقع فيما هو اغلبي و يتقوقع تارة فيما هو معارض..؟

* إن مثل هذا الخطاب يدخل في إطار استراتيجية الاستحواذ التي يتبعها الحزب القائد للحكومة؛ الاستحواذ على المجال الحكومي ومجال المعارضة، وهذا توجه ديكتاتوري لا صلة له بالديمقراطية. ويمكن القول في هذا الإطار أن هذا التوجه يرتبط باستراتيجية كبرى متمثلة في الدولة البديلة التي تطرحها الأحزاب والحركات الإسلامية.
ثانيا، إن الإقرار باتساع ظاهرة استعمال المال في الانتخابات، من طرف المسؤولين الحكوميين دون فتح تحقيقات واسعة وجدية، وهيمنة الانتقائية في إثارة الملفات في هذا الصدد، يعني أن الحكومة فشلت في تهييء وإجراء انتخابات نزيهة بالرغم من تمتعها بسلطات واسعة في ظل دستور 2011. وعندما تفشل الحكومة في تدبير محطة أساسية من محطات بناء الديمقراطية، فإن منطق الديمقراطية يقتضي تقديم الحكومة لاستقالتها، ذلك أن تحمل المسؤولية لا يتمثل في رصد الاختلالات وإثارتها، بل يتجسد أساسا من خلال الاستقالة الفردية لبعض الوزراء أو الاستقالة الجماعية للحكومة.

* أمام كل هذا .. هل يمكن الكلام عن خريطة انتخابية حقيقية و فرز سياسي موضوعي في نظركم .. ؟
* التداول الكبير للمال الانتخابي، والاستعانة بالبلطجية من طرف عدد كبير من المرشحين، واستغلال المشاريع الحكومية بشكل انتهازي للحصول على أصوات الناخبين، وارتفاع نسبة العزوف السياسي المتمثلة في مقاطعي الانتخابات وغير المسجلين في اللوائح الانتخابية، أمور تجعل من الصعب الحديث عن خريطة انتخابية حقيقية؛ فنسبة المشاركة تبقى متواضعة أمام نسبة الناخبين الحقيقيين غير المشاركين، وتأثير المال في النتائج الانتخابية يجعل هذه الأخيرة بعيدة عن الواقع.

* يلاحظ على الفاعل الحكومي انخراطه في الحسابات الصغيرة للسياسة و ركن التأويل الديمقراطي للدستور جانبا … هل المسألة مرتبطة لديه بالضعف و القصور، أم برغبة حثيثة و مباشرة في الانتصار للتأويل المحافظ جسده و يجسده “العقل الحكومي” من خلال الرئيس عبد الإله..؟
  *بعد دستور 2011 تراجعت الأصوات المطالبة بالتغيير العميق، لاسيما التغيير المرتبط بممارسة الحكم، وقد نجح النظام في تحويل الأنظار بشكل كبير إلى مستوى الحكومة، ففي مغرب اليوم قليل من يتحدث عن الملكية البرلمانية وشروطها، وعن الديمقراطية الحقيقية وآلياتها. وقد قدم عبد الإله بنكيران وحكومته خدمة كبيرة للنظام السياسي في هذا الإطار، من خلال تركيزه على تصور معين للملكية في المغرب قائم على التبعية وعلى التنازل عن الاختصاصات الدستورية لرئيس الحكومة، ومن خلال تركيزه على مرجعية محافظة قائمة على استحضار الله والأبوية في السياسة، وكذا على خطاب مليء بالخرافات والبهلوانيات والتفاهات إلى درجة أصبحت فيها هذه الأمور الموضوع المهيمن في النقاش السياسي عوض السياسات العامة والمسؤولية والإصلاح، لذلك فالمشكل الحقيقي في المغرب ليس في الدولة الخفية فقط، بل أيضا في الدولة الظاهرة التي يعتبر رئيس الحكومة من أبرز ممثليها.

  *الرهانات المطروحة على المغرب السياسي كبيرة .. مواصلة الإصلاحات ذات الطبيعة الاستراتيجية المرتبطة بالدولة و مؤسساتها .. تقوية مداخل التنمية .. هاته الأمور تشتغل عليها المؤسسة الملكية بسرعة وإيقاع لا تستطيع الحكومة الغارقة في تناقضاتها ملاحقة تلك السرعة و ذلك الإيقاع…؟

  *أعتقد أن هذه الأطروحة سادت منذ فترة في المغرب، والجديد في هذا الإطار أن الواقع المغربي في ظل هذه الحكومة يكرسها بشكل كبير، ذلك أنه بالرغم من الإصلاحات الدستورية والانتخابية وما رافقها من نقاش حول بروز موقع رئيس الحكومة في النظام السياسي المغربي، إلا أن بنية الحكومة الحالية وممارساتها، ومحدودية ابتكاراتها التدبيرية، وضعف الحس التأسيسي لدى رئيسها، أمور تحد من دورها في السياسات الاستراتيجية.

  *سؤال أخير .. لم يعد أحد يتحدث عن الانتقال الديمقراطي .. هل توقف .. هل تم إضعاف مداخله التاريخية و العلمية و السياسية .. ما هذا الذي يمكن أن نطلقه على ما يحدث في مغرب اليوم ..؟

  *إن طول الانتقال الديمقراطي وتراجع نسبة مؤيديه، وتآكل القوى المدافعة عنه سياسيا واجتماعيا، وصعود قوى محافظة في المجتمع المغربي لاسيما على مستوى الحكومة، وسقوط أنظمة سياسية في العالم العربي وانهيار الدولة في بعض المناطق، يمكن اعتبارها من العوامل المباشر في تراجع التركيز على الانتقال الديمقراطي، مقابل صعود الخطاب المركز على الاستقرار السياسي. فالاستقرار السياسي أصبح أهم من توطيد آليات الانتقال الديمقراطي حتى وإن تم ذلك بإجراءات وممارسات تكرس سوء التنمية السياسية.

*عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

 * السبت 10 اكتوبر 2015