ضمن منشورات الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وبمناسبة الذكرى الخمسين لاختطاف الشهيد المهدي بن بركة،  يصدر قبل متم الشهر الجاري كتاب جديد موسوم بـ «هكذا تكلم المهدي بن بركة ( حوارات في سيرورة بناء المجتمع المغربي )».
 ووفق ما جاء في مقدمة الكتاب الذي أشرف على تنسيق وتحرير مواده شعيب حليفي ومحمد عطيف، فالمؤلف يتضمن «حوارات مع المهدي أجراها السيد جان رايمون ( المدير السابق للمركز الثقافي الفرنسي بالدار البيضاء) لفائدة دار النشر بلون Plon في أواخر يونيو من سنة 1959، ونشرته في كتاب ضمن سلسلة « المنبر الحر» العدد 52 بعنوان :
Problèmes d’édification du Maroc et du Maghreb
«وقد جاءت هذه الحوارات في صورة أسئلة وأجوبة ضمن أربعة محاور تقارب مشاكل بناء الاستقلال في المغرب وشمال أفريقيا.
ـ الحوار الأول، حول مشاكل الاقتصاد والتنظيم بالمغرب؛
ـ الحوار الثاني، عن المشاكل السياسية والعلاقات بين المغرب وفرنسا؛
ـ الحوار الثالث، هَمَّ مشاكل المغرب العربي والقضية الجزائرية؛
«وقد كتبت جريدة لوموند الفرنسية، بعد صدور هذا الكتاب/ الحوارات قائلة: « كثيرا ما تأسفنا لكون الرجال الشبان الذين قادوا المغرب نحو الاستقلال لم يحاولوا، منذ ثلاث سنوات، التحدث عما كانت عليه معركتهم والتعبير عن آمالهم ، مما جعلنا نستقبل بارتياح الكتاب الأخير من – سلسلة المنبر الحر- ومن بين جميع العاملين في الوطنية المغربية، أعطيت الكلمة للسيد المهدي بن بركة بدلا من علال الفاسي أو عبد الرحيم بوعبيد، في شكل أربعة أحاديث حول مشاكل البناء في المغرب، والمغرب العربي.»
وقد عززت الحوارات الأربعة، يوضح منسقا الكتاب، بأربع حوارات أخرى تستكمل رؤية المهدي في بناء المغرب، الأول مع جريدة الحياة الفرنسية ( سنة 1959) حول انتفاضة 25 يناير؛ فيما كان الحوار الثاني مع وكالة الشرق الأوسط (سنة 1959)؛ أما الحوار الثالث فكان مع المهدي وعبد الرحيم بوعبيد سنة 1963 مع مجلة جون أفريك ؛ الحوار الأخير ، أدلى به الشهيد المهدي للكاتب المصري محمد حسنين هيكل أياما قليلة، وهو بالقاهرة ، قبل حادث اختطافه واغتياله.. وسيتم نشر جزء منه بجريدة الأهرام يوم 12 نونبر 1965.»
وبالإضافة إلى تقديم المؤلف الحامل لعنوان «المهندس الكبير»، يضم الكتاب بين دفتيه نصا لمحاضرة كان الشهيد المهدي قد ألقاها بمدينة تطوان بمقر حزب الاستقلال، ليلة 31 يوليوز 1958 تحت عنوان « نحو بناء مجتمع جديد»، باعتبارها تتضمن أهم الأفكار والقضايا التي وردت في الحوارات والتي كان يدافع عنها.
«الاتحاد الاشتراكي» حصلت على نسخة من الكتاب قبل طبعه، ومنه انتقينا للقراء بعض النصوص التي نقترحها عليهم مع شكرنا الجزيل للصديقين شعيب حليفي ومحمد عطيف على حسن استجابتهما وتعاونهما.

وكالة الشرق الأوسط (1959):

       *قضايا الساعة

أدلى المهدي بن بركة ،رئيس المجلس الوطني الاستشاري سابقا، بحديث خاص إلى مندوب وكالة أنباء الشرق الأوسط تحدث فيه عن ميثاق الجامعة العربية، وعن قضية الجزائر، وبيان ديكول، وعن القومية وعن الموقف السياسي، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المغرب، وعن تصفية قوات الاحتلال الفرنسية والاسبانية والقواعد الأمريكية في المغرب.. فقال :
تعديل ميثاق الجامعة

إن المغرب كان ضمن الدول التي دعيت إلى تعديل ميثاق جامعة الدول العربية في اجتماع مجلس الجامعة الذي عقد في سبتمبر الماضي ببيروت، وأن تعديل الميثاق أصبح ضروريا ولازما لأن الظروف الحالية للبلاد العربية تختلف كثيرا عما كانت عليه في سنة 1945، وأن التجربة برهنت على ضرورة هذا التعديل لضمان فعالية هذه المنظمة وزيادة قدرتها على تحقيق آمال الأمة العربية. لقد لوحظ ،مثلا، أن المودة الظاهرية كانت تغطي أحيانا خلافات خطيرة في السياسة الخارجية والاتجاهات الداخلية مما جعل أيدي الاستعمار تواصل عبثها بمصالح الأمة العربية وتهدر كيانها بصفة مباشرة أو غير مباشرة وخاصة عن طريق بعض العملاء الذين لم يكن لهم تجاوب مع الشعوب.
أما وقد قفز وعي القوى الشعبية في البلاد العربية وأزيل القناع عن كثير من عملاء الاستعمار في الصفوف العربية، فقد أصبح لزاما على الجامعة العربية أن تسجل هذا التطور وتكون أداة قوية لتلبية أهداف الشعوب العربية.
قضية الجزائر

إن قضية الجزائر هي قضية العرب، لا بدافع التضامن المبدئي مع سائر الشعوب المكافحة في سبيل التقدم والتحرر فحسب، بل كذلك بسبب المصير المشترك في هذا الجزء من العالم العربي الذي لا يمكن أن تتجزأ فيه الحرية.
إن مجموعة المغرب العربي لن تحقق استقلالا صحيحا إلا بعد أن تتحرر من قيود الاستعمار تحررا شاملا وتحصل على إمكانيات التقدم والنمو الاقتصادي والازدهار الاجتماعي والفكري.
ونحن نعتقد اليوم أن شعب الجزائر المناضل استطاع بفضل بسالته وتضامن الشعوب المتحدة معه أن يفرض على الحكومة الفرنسية قبول مبدأ تقرير المصير، وبذلك اضمحلت حجة فرنسا في الاستمرار في حربها العدوانية ضد الجزائر.
بيان ديكول

إن هذا البيان[ بيان الجنرال ديكول] يثبت ما قلته عن تطور وجهة نظر الحكومة الفرنسية، وموقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المغرب هو موقف الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ونعتقد أن على الحكومة الفرنسية أن تتفاوض مع ممثلي الشعب الجزائري المناضل في موضوعي إيقاف القتال وتحقيق شروط تقرير المصير بحرية إذا كانت العروض الفرنسية صادقة.
وعلى أية حال، فإن تحقيق السلام وتلبية رغبة الشعب الجزائري في الحرية والسيادة سيمكنا شعوب المغرب العربي من التفرغ إلى كفاح من نوع آخر لبناء مجتمع أفضل وضمان الازدهار والنمو في هذه البقعة من العالم في دائرة تعاون صادق مع سائر الشعوب المحبة للتقدم والسلام.
الموقف الداخلي
ــ وحول الموقف السياسي الداخلي في المغرب تجاه المؤامرات الاستعمارية فأجاب قائلا:
هناك حادث مهم الآن في المغرب يدل على أن الاستقلال الوطني انتقل من شكله السياسي إلى جوهره الاقتصادي بسبب القرارات التي اتخذت منذ أسبوع. وللأسف فإن هذه القرارات لم تنقل عنها الوكالات حتى الآن إلا جانبا واحدا يتعلق بالعملة المغربية الجديدة وهي الدرهم وقيمتها الذهبية كما حددها صندوق النقد الدولي.
أما القرارات الحقيقية فهي تتصل بفصل الاقتصاد المغربي عن الفرنسي الذي بقي مهيمنا عليه أكثر من ثلاث سنوات بعد الاستقلال.
لقد تقرر فرض رقابة على نقل رؤوس الأموال من المغرب إلى فرنسا، وبذلك توقفت عمليات استنزاف الثروة الوطنية التي استمرت في خدمة المصالح الاستعمارية، وبذلك دخلنا معركة الاستقلال الاقتصادي وأمكن تنظيم تعبئة القوى المنتجة الوطنية لصالح الشعب المغربي.
أما مسألة قيمة العملة فإنها تهم تجارتنا الخارجية وتمكننا من المحافظة على السوق التي اشتدت فيها المنافسة في الشهور الأخيرة.
ولا شك في أن المعركة الاقتصادية التي نخوضها اليوم يجب ألا تنسينا ضرورة تصفية مخلفات الاستعمار من الناحية العسكرية، وهي وجود قوات فرنسية وإسبانية وقواعد أمريكية تعمل الأمة بأسرها، ملكا وحكومة وشعبا، على إجلائها عن تربة الوطن.
لعلكم سمعتم عن المحادثات التي أجراها أخيرا السيد عبد الله إبراهيم رئيس الوزراء المغربي مع الرئيس إيزنهاور حول هذا الوضع. وليس لدي سوى معلومات محدودة في هذا الشأن، ولكن ما بلغني الآن يدل على أن وجهة النظر الأمريكية هي تحقيق الجلاء بعد أجل مدته سنتين، ووجهة النظر المغربية هي ضرورة الجلاء وتكوين لجنة فنية فورا لدراسة سبل تحقيق هذا الجلاء.
توحيد القوة الشعبية

ونحن أقرب إلى تحقيق هذه الغاية من أي وقت مضى بسبب توحيد القوى الشعبية في نطاق اتحادها الوطني الجديد، وبسبب فعالية السياسة الخارجية التي تسلكها الحكومة اليوم تطبيقا لمبدأ عدم التبعية الذي هو التعبير المغربي لمبدأ عدم الانحياز.
القومية العربية

ـ وحول مدى تمسك الشعب المغربي بالقومية العربية بعد فشل الاستعمار في عزل المغرب عن شقيقاته الدول العربية، فأجاب بقوله :
لا شك أن وفود الدول العربية التي زارت المغرب بمناسبة انعقاد دورة الجامعة العربية الأخيرة في الدار البيضاء استطاعت أن تتأكد من أن قلبا عربيا فتيا يفيض في هذا الجزء من القارة الإفريقية ، وأن كفاح المغرب في سبيل التحرر والتقدم هو جزء لا يتجزأ من كفاح الأمة العربية جمعاء ،مع اختلاف الظروف بسبب اختلاف أنواع الاستعمار التي ابتلينا بها في البلاد العربية
وكان لهذا الاجتماع بالدار البيضاء، بعد الاتصالات التي مهدت له خلال هذه السنة، فضل كبير في إبراز الروابط التي تربط بين الشعوب العربية في المشرق والمغرب واتحاد أهدافها لتحقيق مصير مشترك يضمن لسائر أبنائها حياة كريمة تتفق مع انطلاق البشرية في الوقت الحاضر.
ولقد أدرك إخواننا، وخاصة مندوبو الجمهورية العربية المتحدة في المؤتمر، مدى امتنان الشعب المغربي لإخوان لهم في العروبة ناصروهم وأيدوهم مدة كفاحهم ضد الاستعمار وما يزالون مجندين لتصفية رواسب الاستعمار وتحقيق التحرر الكامل والتقدم الصحيح.

حديث لوكالة الشرق الأوسط بالقاهرة عن جريدة « الصحافة «اللبنانية نشرته جريدة « التحرير» في عددها الصادر يوم الجمعة 6 نونبر 1959

آخر حديث بين المهدي بن بركة ومحمد حسنين هيكل ( أكتوبر 1965) :

            *أشعر بالخطر أكثر من أي وقت آخر

قبل أيام قليلة ، من حادث اختطافه واغتياله ، كان المهدي بن بركة بالقاهرة رفقة عائلته الصغيرة . وصادف – كما تعوّد دائما – أن زار مقر جريدة الأهرام المصرية ، عند صديقه الكاتب والإعلامي محمد حسنين هيكل حيث جرى بينهما الحوار التالي الذي سينشره هيكل ، بعد الاختطاف .

في آخر مرة عاد فيها المهدي بن بركة إلى القاهرة، وكان ذلك قبل أيام قليلة من الحادث، جاء إلى « الأهرام» ودخل مكتب محمد حسنين هيكل يتحدث معه طويلا في عديد من المسائل ، ثم يقول فجأة وسط الحديث :
إنني أشعر بالخطر الآن أكثر مما شعرت به قبل ذلك في أي وقت من الأوقات !
لقد قررنا – كان يقصد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الحزب الذي يعتبر بن بركة أكبر البارزين من زعمائه- أن نمد يدنا للملك الحسن الثاني الذي مدّ يده إلينا وطلب تعاوننا بعد قطيعة سنوات .ولقد قبلنا بذلك رغم علمنا بأن تعاوننا مع الملك ينطوي على عدد من المحاذير .ونحن لا نريد أن نخدع أنفسنا.إن الجيش المغربي هو العقبة التي تسد طريق التطور الديمقراطي في وطننا هذا فضلا عن طريق الثورة.
والجيش المغربي يختلف عن أي جيش عربي آخر . فهو جيش محترف لا يقوم على فكرة الخدمة الوطنية، سواء كانت خدمة متطوعة أو إجبارية ، ومعنى ذلك انه بعيد تماما عن النبض مع الشعور الشعبي ، ومع أن جنوده المحترفين من أبناء الشعب إلا أن الظروف، واستغلال هذه الظروف، تسعى دائما إلى إقامة سد بينه وبين الجماهير. فوق ذلك، فإن عناصر موجِّهة في قيادته ذات ماض مشبوه تلقت تدريبها وخدمت واشتهرت وكوفئت وترقت في المعارك الاستعمارية التي خاضتها الإمبراطورية الفرنسية في مرحلة اليأس والتي كانت آخرها معارك « ديان بيان فو» و» الجزائر» .
وقيام دولة مستقلة في المغرب، لم يغير نظرة هذه العناصر إلى نضال الشعوب ، بل استمرت تنظر إلى شعبها ومطامحه المعلنة أو المكبوتة بنفس مزاجها الذي تكوَّن لها من خلال تجاربها الذاتية.
وبهذا الموقف منها في مواجهة شعبها، فإنها تحالفت تلقائيا مع العناصر المستغلة داخل المغرب ، وكذلك مع القوى الأجنبية التي تمثل الاستعمار الجديد بمصالحه المالية الواسعة وبأجهزته الإرهابية السرية.
وحينما قررنا أن نمد يدنا إلى يد الملك الممدودة لنا، فإننا لم نفعل ذلك عن خطأ في تقدير حقائق الموقف، ولا عن طمع في الحكم، ولكن قررنا ذلك عن تحليل موضوعي للواقع المغربي في هذه المرحلة.
صحيح أن الملك الحسن استغل الجيش أكثر من مرة في ضرب الحركة الشعبية حينما صُورت الأمور أمامه وكأن الحركة الشعبية هي الخطر الدائم على عرشه.لكنه صحيح أيضا أن الملك بدأ الآن يشعر- هو الآخر- بالقلق.
إن الحكم كان يزداد عزلة عن الشعب ، وكلما تأزم هذا الوضع أخذ الملك يشعر أنه ، في النهاية، لن يجد معه غير قيادات الجيش المسيطرة .هم رجال مصالحهم وارتباطاتهم وليسوا رجاله . أو هم رجاله بقدر ما يرضى بأن يكون رجلهم. وقد يكون بالأمس حليفهم، لكنه يخشى أن يتحول غدا إلى أسيرهم. وهذا وضع شعر الملك به أخيرا ومن ثم فإن المخرج المنطقي أمامه هو أن يمد يده للقوى الشعبية . وحتى لو كانت يد الملك التي امتدت إلينا مجرد تكتيك مؤقت فنحن نقبل أن نمد له يدنا.
إن الملك ،إلى هذه اللحظة، أمل المغرب في تجنب حرب أهلية ، ومهما كانت النتائج فنحن لا نريد له- لصالح شعب المغرب- أن يتحول إلى أسير العناصر المسيطرة والمشبوهة في الجيش.نريد أن نمكنه من الصمود وأن نقوي مركزه في مواجهتهم، ونأمل من هذا الطريق أن نفتح له باب الالتقاء مع القوى الشعبية في مواقعها.
ولقد حاولوا نسف فرص التقارب بين الملك وبيننا بكل وسيلة ، لكننا صممنا مهما كانت الظروف أن لا نمكنهم من ذلك.والآن يجدون أن تعاوننا مع الملك قد اتصل أو كاد يتصل، وعليهم أن يتحركوا أو يفقدوا الجولة الأولى:
ـ إما أن يمارسوا على الملك ضغطا لا سبيل إلى مقاومته.
ـ وإما أن يوجهوا إلينا نحن ضربات تصفية حاسمة مهما كانت الوسائل.
وإذا ضاعت الجولة الأولى فإن الجولة الثانية قد تواجههم باحتمالات لا تضمن عواقبها.
قد يجدون أنفسهم في موقف يقدمون فيه على خلع الملك إذا لم يخضع.
وقد يجدون أنفسهم في موقف الانفجار الكامل إلى حد الحرب الأهلية.
وربما يجدون أنفسهم أمام الموقفين معا ! ؛ولا أعرف ماذا تجيء به الأيام، ولكن الإحساس بالخطر لم يدهمني من قبل بكل الأثقال التي تضغط علي الآن !».

جريدة «الأهرام»المصرية (12 نونبر 1965)

        *  سيرة زعيم شجاع

بعد 29 أكتوبر1965 ، لحظة انتشار خبر اختطاف الزعيم السياسي المعارض ،المهدي بن بركة ،سيتحول هذا الرمز المغربي إلى قيمة إنسانية أخرى ما زالت حاضرة ، حتى الآن ، في وجدان وحياة الزمن المغربي والإنساني ؛ سواء في استحضار حادث الاغتيال السياسي الأشهر والأعنف في تاريخ المغرب الحديث، عبر تورط أجهزة الدولة المغربية في جريمة جرّت على المغرب عارا تمثل في كيف يتم التخلص من شخصية بارزة من الطراز العالي ، تفكيرا وممارسة .كما يتم استحضار شخصية المهدي ،باعتباره، فكرا متوهجا له قدرة على التشخيص والتحليل واقتراح الحلول لبناء مجتمع مغربي متقدم .
ولد المهدي بن بركة سنة 1920 من أسرة تنحدر من أصول تنتمي إلى منطقة أولاد سيدي عمر ببن سليمان الشاوية ، حيث هاجر جد المهدي إلى الرباط .
التحق بالمدرسة في سن الثامنة من عمره ، وفي سن الرابعة عشرة انخرط في النضال الوطني قبل أن يلتحق بحزب الاستقلال ، فاستمر يتابع دراسته ونضاله الذي رسم من خلاله طريقا واضحا وصحيحا سيشكل جوهر حياته ومطلق تفكيره.سافر لإتمام دراسته العليا في الرياضيات بالجزائر والتي سيعود منها واحدا الأساتذة المغاربة الأوائل في مادة الرياضيات ، بثانوية كورو ثم المدرسة المولوية .وفي 11 يناير 1944 كان أصغر الموقعين على وثيقة الاستقلال .
أصبح للمهدي في هذه السن المبكرة ذلك الحضور الآسر لشاب متعلم يحمل مشروعا كبيرا لمغرب متحرر.وقد تم اعتقاله ضمن مجموعة من المناضلين من طرف سلطات الحماية ، وبعد خروجه أصبح أهم محرك للحزب وأخطر عدو للإقامة الفرنسية .
في سنة 1951 سيتم إبعاده إلى جنوب الأطلس ، تحت المراقبة، في عزلة ستمكنه من تعلم الأمازيغية وتعميق معارفه في الاقتصاد واللغة الانجليزية والتعرف على المغرب العميق ، إنسانا ومجالا وفكرا.
عاد في سنة 1954 ليلعب دورا أساسيا في استقلال المغرب الذي تحقق في ثاني مارس 1956 ، وهي المرحلة التي ستليها المرحلة الأصعب بانخراطه في التأسيس لمغرب جديد ، وهو ما تجلى في ممارسته الدائمة للنقد الذاتي من أجل تجاوز الأخطاء القاتلة والمعرقلة ، وأيضا حضوره القوي في مجموع المغرب وحرصه البليغ في الدفاع عن المؤسسات والديمقراطية واستكمال التحرر الاقتصادي والثقافي .
اتضحت رؤية المهدي في كونه كان مهندسا لأهم المشاريع الكبرى ، منها تأسيس أول منظمة نقابية بالمغرب ثم طريق الوحدة ، وقيادته لانتفاضة 25 يناير 1959 التي تأسس على إثرها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
كانت رؤيته لا تنحصر في بناء مغرب حداثي جديد إلا ضمن مغرب عربي وضمن ارتباط بحركات التحرر العالمية وبزعمائها التاريخيين ( عبد الناصر، سيكوتوري ، هوشي منه ، كاسترو ، مانديلا ..) في إطار حرصه على مؤتمر القارات الثلاث للشعوب الأمريكولاتينية والأفروأسيوية .
اختُطف واستشهد المهدي بن بركة في عز شبابه ، وهو ابن الخامسة والأربعين سنة ، وأيضا في أوج عطائه النضالي والفكري .وقد كتبت عنه الكثير من المؤلفات والأبحاث ، كما نُشرت بعض آثاره الفكرية ، ومنها الحوارات التي أجراها الكاتب الفرنسي رايمون جان ،ومما قاله عن المهدي في تصدير هذه الحوارات :
« ليس دائما من السهل وصف أو تحديد صفات أي رجل- وخاصة إذا كنتَ في مواجهته- وعندما قبِل المهدي بن بركة مبدأ إجراء مُذاكرات وأحاديث، أخذتُ أطرح عليه تصميم هذا الكتاب، إذاك شعرتُ بأن ثمة شيئا لا يمكنني أن أتحكم فيه نظرا لحضوره الجسدي القوي، بل هناك ما هو أكثر من الحضور الجسدي لهذا الرجل، الذي كله حيوية وديناميكية ودقة ولمعان وتبصر.
العمل عند المهدي بن بركة يبدو غير منفصل عن التأمل والنقد. وبينما كان يستقبلني في مكتبه الفسيح بالمجلس الوطني الاستشاري وكانوا يصبّون الشاي في كؤوسنا، كنتُ أتأمل ملامحه وأنا في استسلام مطلق لتحركاته الهادئة والتي توحي بالذكاء وسيطرته على مُجريات النقاش.
وما كان يثيرني أكثر هو وضوح الرؤيا عند المهدي بن بركة وسرعة رد فعله وتواضعه المطلق، ومن جراء ذلك ما يمكن أن يتصوره الإنسان عما للرجل من طاقة استثنائية وقدرة على العمل.
إنها طاقة ثقافية مجموعة في كيان هذا الجسم ذي القوة العصبية وفي تعبيرات ملامحه ونظراته التي كلها حرارة وحياة.
لا مجال للغموض والتشتت عند المهدي بن بركة كإنسان أو كأفكار يتحلى بها رئيس المجلس الوطني الاستشاري الذي يقود الآن تنظيما سياسيا جديدا في المشهد الحزبي المغربي ألا وهو الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال.
هذا هو الرجل الذي يقول عنه جون لاكوتور بأنه «دينامو» المغرب الجديد. وقد قال عنه المقيم العام ، الجنرال جوان، سنة 1951 : «هذا أخطر أعدائنا». وبعد ثمان سنوات، ربما سيضطر من كانوا أكبر منه من رفاق معارك الأمس ضد الحماية إلى ترديد نفس المقولة الشهيرة للجنرال جوان لحسابهم، أي «هذا أخطر أعدائنا»، لأن المهدي بن بركة بعدما حشد كل الطاقات وعبأها للقضاء على الحماية، هو من يقود ،الآن، انتفاضة القاعدة الحزبية ضد قيادة الحزب الذي حقق الاستقلال الوطني للمغرب.
ويتابع جون لا كوتور وصفه للمهدي بن بركة: قليلا ما تكون الرياضيات مدرسة للوطنية، فالحقوق والبلاغة والآداب أو عالم المال والأعمال هي المجالات التي تكون لها علاقة أكثر بعالم السياسة، بينما نجد أن الهندسة هي المادة العلمية التي قادت المهدي بن بركة إلى النضال السياسي؛ لكن أن يكون للإنسان إلمامٌ بمادة الهندسة، فهذا لا يعني أنه بالضرورة مجردٌ من حس اللباقة السياسية…
صغير القامة، كل حركته حيوية ونشاط لا يوحيان أبدا بالجمود، بل إن لملامحه تعبيرات مثيرة.
سيقول عالم الاجتماع عن المهدي بن بركة بأن هذا رجل ينحدر من وسط عائلي متواضع ويحدد له بتلقائية موقعا في اليسار. ولكن إذا اعتبرته اشتراكيا ثوريا، فستصدمك مهارته التاكتيكية التي يمكن أن تؤدى به إلى مسالك أخرى.
فالمهدي الذي يمكن اعتباره من دعامات البناء الديمقراطي بالمغرب، قبِل أن يترأس مجلسا استشاريا تمت تركيبته من أعضاء عينهم كلهم الملك محمد الخامس. رجل يسار، هذا أمر مُحقق ولكن القدر السياسي ربطه بالجماهير وبالحركة النقابية التي كان واحدا من مؤسسيها بالمغرب، إلا أن المهدي بن بركة كسياسي ماهر لا يرفض أي وسيلة لبناء دولة قوية.
ما يُستنتج من هذا التحليل، لمسناه من عدة شهادات لأصدقاء سياسيين للمهدي أو ممن كانوا أساتذة له في الجامعة أو ممن كانوا معه في الدراسة .والشباب المغربي ينظر اليوم بكل ثقة إلى المهدي بن بركة على اعتبار أنه أحسن من يقدم لهم التوجيهات والنصائح.
لقد وجدته في أحسن أحوال نشاطه الذي لا يتوقف: أوراش طريق الوحدة الذي اعتبره مجالا للتوعية والتربية الوطنية أو شرح سياسة التعليم العالي والبحث العلمي.
ولقد أصبحت المواقع السياسية للمهدي بن بركة بعد التحولات التي عرفها حزب الاستقلال في بداية 1959معقدة أكثر مما كان عليه الأمر في ما قبل، ولكنه في جميع الحالات يظل بدون منازع، رجل التواصل مع الجماهير ورائد حركة اقتصادية واجتماعية لمغرب الغد.
وفي خضم الصراع الحاسم بين القديم والحديث يعتبر المهدي بن بركة شاهدا وفاعلا سياسيا من الدرجة الأولى».

***
شهادة ، ضمن مئات الشهادات التي قيلت فيه بعد ثلاث سنوات من الاستقلال، لم تكن إلا إشارة في طريق زعيم مفكر وشجاع سيعرف خلال سنوات الستينيات توسعا كبيرا في ديناميته وتحليلاته وعلاقاته واقتراحاته الموسعة .لذلك فإن الذين دبّروا جريمة اغتياله كانوا مُدركين فعلا لأهميته وأهمية تحركه. لقد كان نارا تحرق كل الهشيم لتطهر الأرض وتجعلها مستعدة لحياة جديدة .

*: من تقديم الكتاب

*

 *عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

       الثلاثاء 13 اكتوبر 2015

*الاتحاد الاشتراكي تنفرد بنشر مقتطفات من كتاب جديد قيد الطبع حول عريس الشهداء هكذا تكلم المهدي بن بركة

إعداد وتقديم: سعيد عاهد