الحوار منقول عن الاحداث المغربية

الثلاثاء 13 اكتوبر 2015

 

للدكتور عمر بنعياش قراءة متميزة لنتائج الانتخابات الجماعية والجهوية، فهو لا يقف عند حدود تحليل المعطيات الرقمية بل يقدم تحليلا يكاد يكون متكاملا وانطلاقا من النتائج المعلن عنها يستنبط دور كل هيأة أو تكتل سياسي وهو دور لا يقف عند حدود المجال السياسي بل يتجاوزه ليطال موقعه الحالي وحركته المقبلة داخل رقعة الشطرنج الكبيرة.
عن المد الأصولي وإسلام السوق ومجتمع الاستعراض والفرجة وقيم اليسار المتراجعة وظاهرة ابن كيران يتحدث عمر بنعياش انطلاقا من موقعه كباحث في علم الاجتماع رغم إقراره بأن شروط التحليل الموضوعي غير متوفرة بشكل ينتج تحليلا سوسيولوجيا دقيقا، وهو ما يدفعه في كثير من الأحيان إلى القفز على أسئلة المحاور وتسييجها بأسئلة كثيرة ومستفزة تنقله إلى نقط متقاطعة لمجالات مختلفة لكنها لا تخرج عن السياق الصحيح لتحليل المشهد السياسي وامتداداته الاجتماعية. وهذا ما سنتعرف عليه في الحوار التالي:

س: إلى أي حد يمكن اعتبار الانتخابات الجماعية و الجهوية انتصارا لقيم معينة على حساب أخرى؟ و هل فعلا تعكس هذه النتائج الصراع الأيديولوجي السائد داخل المجتمع ؟

ج : إذا كنت تقصد بالقيم قيم الحداثة التي يرفع شعارها حزب الأصالة والمعاصرة مقابل قيم المحافظة التي يرفع شعارها حزب العدالة والتنمية باسم الدين، فأنا أعتقد أن الصراع اليوم مازال يدخل في إطار حرب المواقع وليس حرب الأفكار. أما إذا كنت تقصد بالقيم قيم اليسار، فأنا أعتقد أن الريح اليوم  تسير ضد هذا اليسار، و أنه يتم التحضير لسحقه وتحويله إلى أحزاب صغيرة تؤثث المشهد السياسي و لا تؤثر فيه. والحجة في ذلك أن هناك اليوم من يبشر بموت الأيديولوجيا و دخولها متحف التاريخ، و أن الاختلاف بين الأحزاب سيكون فقط في طرق التسيير و التدبير، ومدى الحرص على صحة و سلامة الوطن، و أن حجمها  و قوتها لن تقاس مستقبلا إلا بمدى قدرتها على استقطاب الكفاءات ” لخدمة هذا الوطن”. وعلى كل حال فأنا أعتقد أن الصورة لن تتضح بالشكل الكافي إلا في سنة2017،  أي بعد الانتخابات التشريعية التي سيشهدها المغرب في السنة المقبلة. وأنا أحيلكم هنا على المناظرة الفكرية التاريخية التي جمعت بين الأستاذ عبد الله العروي و المرحومين الدكتور محمد جسوس ، والدكتور عزيز بلال، والتي تنبأ فيها سي محمد جسوس رحمه الله بخطورة انقلاب اليسار على اليسار، ووضع يده في يد النظام عندما ييأس من التغيير( ما كان يسميه بخطورة الأفيال المستهجنة على الأفيال المتوحشة). إننا للأسف لا نقرأ وعندما نقرأ لا نفهم وعندما نفهم سرعان ما ننسى.
هناك تحاليل مهمة لأفراد من النخبة المغربية، من مشارب فكرية مختلفة، كتبت أو تم التصريح بها – على الأقل في العشر سنوات الأخيرة – ونسيت بشكل غريب حتى من طرف أصحابها؛ (لكل يوم جديد كلام جديد)، مما يسمح لنا بالقول أن هناك مجتهدين منفردين و ليست هناك بنية مؤسسة للاجتهاد.

 

 س : بصيغة أخرى هل ترون أن التصويت في هذه الانتخابات كان سياسيا صرفا، وأن الأمر لا علاقة له بالصراع القيمي؟

ج : لا أظن أن الجواب يمكنه أن يكون في نفس الدرجة من الوضوح التي اتسم بها السؤال، لأن هناك وضعا مضببا، والضبابية كما تعلمون هي سمة من سمات مراحل الانتقال. أنا أظن أن المغرب يعيش مرحلة ديناميكية متحركة يصعب فيها فرز أوضاع نهائية الآن، لكنني أستطيع مع ذلك المجازفة بالقول ( في غياب أي دراسة ميدانية تدعم أو تفند ما سأذهب إليه) أن التصويت كان متنوعا؛ فيه ما هو سياسي وفيه ما هو قيمي، ولكن أيضا فيه ما يسمى في سوسيولوجيا الانتخابات بالتصويت “القطيعي”، والتصويت “الزبوني”، أو التصويت وفاء أو تجاوبا مع مشترك قيمي معين، بل أستطيع إضافة –حسب ما لمسته – نوعا آخر من التصويت، هو التصويت على شخصية بنكيران الفريدة من طرف أفراد يتمثلونه كنجم تلفزيوني..
وعلى كل حال فنحن لا نستطيع أن ننكر بأن جزءا من المغاربة يتماهون مع التوجه الفكري العام لإخوان بنكيران، ونحن للأسف لا نتوفر بهذا الخصوص – حسب علمي- سوى على أطروحة جامعية واحدة، وعلى استطلاع للرأي نشرته مجلة “تيل كيل” الصادرة بالفرنسية قبل حوالي عشرة شهور تحت عنوان : “أيها المغربي، من أنت؟”، وفيه عدد مهم من الأسئلة المهمة حول القيم التي يؤمن بها المغاربة .
ما أثار انتباهي في هذا الاستطلاع – حسب ما أذكره – أن  61 في المائة  من المستجوبين يرفضون أي إجراء لمنع تعدد الزوجات في المغرب، وأن نفس النسبة كذلك ترفض المساواة في الإرث… هناك إذن هذا النوع من التماهي الذي لا يمكننا أن ننكره أو نستهين به..

س : أفرزت استحقاقات الرابع من شتنبر وضعا سياسيا يؤشر على تعاطي جديد للمواطنين المغاربة مع الانتخابات. كيف نستطيع قراءة هذه المؤشرات؟

ج : في رأيي أن ما أكدته استحقاقات الرابع من شتنبر الماضي هو انشغال المغاربة (بصفة عامة) بعيشهم اليومي أكثر من انشغالهم بتدبير الشأن العام سواء على المستوى المحلي، الجهوي أو الوطني. وقد يجد هذا الاستنتاج تفسيره في كون ثقافتنا المغربية (بمعناها الانثربولوجي) هي في عمقها ثقافة فردية يبحث فيها الفرد عن خلاصه الشخصي وليس عن الخلاص الجماعي. وهنا لا بد من ملاحظة أن الخطاب الديني يزكي فكرة الخلاص الفردي هاته، أي تنافس الأفراد من أجل الفوز بأكبر قدر من متاع الدنيا في الأرض وأكبر قدر من النعيم في الجنة. لقد بني الخطاب الديني تاريخيا واجتماعيا على الميزان الذي توزن به حسنات وسيئات كل فرد، وحجم النعيم الذي سينعم به في الجنة. ولذلك لا أعتبر أن “المد الأصولي” حقق أي نجاح من نوع النجاحات التي تحققها الأحزاب العصرية (بما فيها الأحزاب الدينية) في الدول الديموقراطية الغربية، بل جل ما قام به هو استثمار سياسي لثقافة تاريخية ناجزة في ظل أوضاع جيوستراتيجية معينة. ثقافة لا تتطلب أي جهد أو اجتهاد إلا فيما يتعلق بالدعوة إلى التشبث بها وبتعاليمها، بدعوى أن الدين الإسلامي مستقصد من طرف خصومه وأعدائه الداخليين والخارجيين، بما يتطلبه ذلك من تكاثف أعضاء الجماعة والأخذ بيد ضعفائها (العمل الخيري). وهذا في تقديري سبب من بين الأسباب أو الأسرار العميقة التي تجعل الثقافة المغربية بمعناها الأنثروبولوجي وليس الأدبي تتجاوب في أجزاء منها مع خطاب الأحزاب التي ترفع شعار الدفاع عن الاسلام. ولعل ما يؤكد فرضية التوافق هاته هو التحولات التي عرفها ويعرفها المجتمع المغربي، والتي ترتبط أساسا بتوسع مجتمع السوق وبالعولمة.

س: هناك إذن علاقة بين الدين و توسع مجتمع السوق؟

ج: أول من انتبه إلى العلاقة بين الدين (البروتستانتية ) والنظام الرأسمالي هو عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، عندما أثنى على نزول كهنة المعابد من صوامعهم وانخراطهم في تطوير النظام الرأسمالي، لكن الحالة بالنسبة إلينا تختلف لأن ثقافة السوق لا تهم فقط المعروضات السلعية، ولكن أيضا المعروضات القيمية والعقدية؛ معروضات تهم الاستهلاك بنوعيه الروحي والمادي. إن ما نسميه نحن “مدا أصوليا” ما هو في الحقيقة حسب تعبير الباحث السويسري “باتريك هايني” الذي أصدر قبل حوالي عشر سنوات كتابا مهما بالفرنسية  تحت عنوان: “إسلام السوق”، سوى تزاوج بين بعض ممارسات التدين مع الأسس الفلسفية للسوق، فالأمر إذن يتعلق بما يسمى في الأدبيات السياسية والاقتصادية بتوزيع الثروة لا على أساس اجتماعي (طبقي)، وإنما على أساس عقدي من خلال الانتماء لجماعات أو “أخويات” تستعيض عن انتمائها وولائها للوطن بالانتماء لمجموعات دينية معينة.
لقد اكتشف المغاربة في مظاهر التدين عرضا جديدا ينبني على قيم السوق، ويبشر بإمكانية إعادة توزيع الثروة، وذلك ما لم يحدث مثلا مع “الاتحاد الاشتراكي” الذي انتظروه طويلا وعلقوا عليه آمالا كبيرة جدا لم تتحقق بالشكل الذي كانوا يتصورونه..
إن ما يسميه البعض “صحوة إسلامية” هو أيضا انبثاق لمجتمع الاستعراض والفرجة الذي تتميز به مجتمعات السوق، بما يعنيه ذلك من انبثاق سوق جديدة لعرض مواد ذات حمولة دينية تنافس المعروضات السلعية لـ «الغرب الكافر». هكذا أصبحت لنا فرجتنا الخاصة من خلال التسويق والدعاية لمنتوجات هوياتية موجهة نحو الاستهلاك، وخاصة منها الألبسة الوهابية، الأفغانية، والتركية الخ.. أضف إلى ذلك المجموعات الدينية للإنشاد والمطربين الحلال (سامي يوسف وما شابه) والمقرئين النجوم والدعاة، والكوكبة اللامعة من المفتين الذين بنوا شهرتهم الفرجوية على الفتاوى الغرائبية المتعلقة بالجنس في مختلف أوضاعه وأشكاله بما فيها جواز استمناء المرأة بأنواع معينة من الخضر، ومضاجعة الرجل لزوجته المتوفاة ..
أضف إلى ذلك إحياء الأساليب العتيقة في التدواي بالأعشاب والزيوت والحبة السوداء والعسل والبخور، والمواد التقليدية للتجميل والوصفات الجنسية، والمراهيم العشبية لتكبير الأعضاء الحميمية، علاوة طبعا على “الرقية الشرعية” والاتجار في العطور والأقراص الممغنطة الحاملة لأحاديث شيوخ الوهابية ودعاتها.. وهذه كلها في الحقيقة عبارة عن “مناصب شغل” أتيحت لكل من توكل على الله وسعى إلى ممارستها بدون شواهد تعليمية ولا أي تكوين عصري. نلاحظ ذلك حتى في “الغناء” الذي يتطلب سنوات طويلة من الدراسة في المعاهد الموسيقية. لقد تبسط كل شيء لدرجة أن أي أمي أبجدي لا يعرف القراءة والكتابة يستطيع أن يصبح مرشدا دينيا وداعية ومحدثا..
هذا إذن هو المناخ التقريبي العام الذي مرت فيه استحقاقات الرابع من شتنبر المنصرم، ولذلك أنا أميل إلى القول عن خطأ أو عن صواب إلى أن “هوى” الأستاذ بنكيران وافق “هوى” شرائح معينة من المجتمع المغربي وجدت في إضفاء حزب العدالة والتنمية طابعا هوياتيا على أنشطتها وخلق زبناء وسوق لذلك، فرصة للانتفاع، بل وللاغتناء أحيانا . معنى ذلك أننا عوض أن نميز بين ما يملك المرء وما لا يملك، أصبحنا نميز بين الناس بمظاهرها الخارجية؛ بلباسهم وطول لحاهم ودنانيار التقوى التي تزين جباههم، ولكننا لا نغتاب الناس ونسأل الأغنياء منهم عن السيارات الفاخرة التي يركبونها والفيلات والقصور الفخمة التي يسكنونها. المساواة تكون في المسجد فقط عند الصلاة، أما إذا شاء الأغنياء التصدق بشيء مما أفاء الله عليهم من عنده على الأرامل والأيتام والمحتاجين فهناك الجمعيات الخيرية المؤطرة سياسيا، والتي تشتغل كخزان للأصوات الانتخابية.
إن أهم ميزة يتميز بها “إسلام السوق” هي أنه يسمح بالنجاح الفردي، وبالاغتناء في سياقات ليبرالية رأسمالية لدرجة غض الطرف عن الغش والكذب في المعاملات التجارية بمسوغات دينية : ذات يوم سألت بائعا للشواء (ملتزما) أعرف التدليس الذي يقوم به، عن عدم احترامه لمعايير الصحة والنظافة في الأكلات التي يعدها و يعرضها على زبنائه، فكان جوابه صادما: “يا أخي، نحن لا نبيع سوى لبني جهل..”. وكان أشد ما أثار انتباهي  هي صيغة الجمع التي تحدث بها..

س : كما لو أن هناك اندحارا مريعا للقيم الأخلاقية وقيم المواطنة، بل ولقيم السوق نفسها؟

ج: هناك في رأيي معادلة يجب أن نأخذها بعين الاعتبار، وهي أنه كلما تراجعت قيمة التعليم وقيمة الجهد وقيمة العمل المنتج، كلما ارتفعت “مظاهر” التدين دون التزام وثيق بروح الدين، لأن التعليم حامل أساسي للثقافة وللقيم الإيجابية ( أو على الأقل ذلك ما يبدو عليه)، أي أنه  كلما ضعف منسوب الثقافة لدى شعب ما كلما كانت عودته قوية إلى”القيم الملاذ”، وهو ما يعني الارتماء في أحضان مستعملي الدين والخرافة من أجل السيطرة على القلوب والعقول، وذلك ما هو حاصل في المغرب، بحيث نلاحظ أن صعود المد الأصولي يتم بتواز مع تراجع قيمة التعليم والانحسار الشديد للغات الانفتاح، وشيوع الوساطة (التجارية) بدل قيم الإنتاج.
لمثل هذه الأسباب وغيرها كثير أعتقد أن المغرب يوجد في مفترق كبير للطرق، وأنه سيتم السعي للتضحية ببعض الهويات الحزبية التقليدية قصد إفساح الطريق أمام هويات حزبية جديدة من شأنها في تقدير البعض أن تواجه هذا المد، و”تحافظ على الوطن” وتصفي بالمناسبة حسابها مع ماض يجب في نظرها أن يتلاشى كي يسمح بخلق شيء جديد ، مما يبشر بخلق توازنات جديدة داخل المجتمع..

س: هل يجوز القول تبعا لذلك أننا في زمن دائري تعود فيه الرجعية أشد وأقسى ؟

ج: ربما نعم وربما لا، لكن المهم أن الموازين لم تختل تماما، والأهم من ذلك أن الاستقرار ما زال مستمرا.
لقد كان العنوان البارز للاستحقاقات الجماعية والجهوية الماضية هو “الانتصار الباهر لليمين” و”الفشل الذريع لليسار” و”هيمنة حزب الجرار على البوادي” الخ… وأنا شخصيا أتحفظ على تعابير مثل الانتصار والفشل والهيمنة، لأنها تعابير غير منتجة، ولأنها تتوجه إلى عواطف الناس وليس إلى عقولهم، وهي بالتالي تزرع فيهم أفكارا ومخاوف ونزعات وسلوكيات تحتكم للعاطفة و ليس للعقل، مما يجعل منها طرقا للتحشيد لا للتفكير العقلاني.

س: نسبة 53 ٪ المعلن عنها والممثلة لعدد المصوتين، هل تمثل في نظركم تصالحا مع صناديق الاقتراع أم أنها استمرار للعزوف عن التصويت؟..

هذا الوصف تم استعماله بكثافة دون الانتباه لحمولته الدلالية. العزوف هو فعل إرادي مفكر فيه، والحال أن الأمر يتعلق هنا بقلة اهتمام أو بعدم اهتمام، وهو سلوك يجب أن نبحث عنه وعن أسبابه في العمق. عندما نصف عدم اهتمام المغاربة بالذهاب إلى مكاتب التصويت على أنه عزوف، فنحن نفترض ضمنيا أن هؤلاء المغاربة كانوا يقبلون على هذه المكاتب في محطات سابقة، ثم توقفوا بمعنى عزفوا عن ذلك، وكما نقول بالمعنى الدارج: “طلع ليهم الزعاف”. والحقيقة ربما هي غير ذلك. هناك في تقديري معطيات تاريخية وسياسية تؤكد أن المغاربة لا ينهضون لشيء بحماس وبقوة إلا في القلاقل أو في الحالات القصوى أو الحرجة. أنظر مثلا إلى التعبئة التي قامت بها وزارة التجهيز والنقل على مدى أربع أو خمس سنوات من أجل استبدال رخص السياقة  والبطاقات الرمادية الورقية للسيارات بحامل إلكتروني؛ انتهت المدة القانونية وما زال هناك حوالي ثلاثة ملايين  وسبعمائة ألف سائق لم يتقدموا لتجديد رخص سياقتهم، مما اضطر وزارة النقل إلى تمديد المدة ثلاثة أشهر أخرى…فإذن نحن أمام نفس السلوك، نفس التراخي في الاستجابة، مما يحدو بنا إلى القول أن المسألة ثقافية أكثر منها سياسية..
هذا بالنسبة للناس الذين لم يذهبوا لمكاتب التصويت، أما الذين شاركوا وانتصروا في جزء مهم منهم للحزب الحاكم، فهذا ربما له قراءة أخرى وتفسير آخر، بحيث يمكن أن نفسر “الانتصار” الذي تحدثت عنه في سؤالك لقيم التقليدانية على حساب قيم الحداثة تفسيرا سياسيا نفعيا. أستطيع مثلا أن أتصور بسهولة أن جزءا من المغاربة صوتوا بشكل مؤثر في النتائج العامة للانتخابات على حزب الأستاذ عبد الإله بنكيران بسبب الخوف ( في لا وعيهم الجماعي)  من استنبات تنظيم القاعدة وداعش الدموية في التربة المغربية .  لا أحد منا يستطيع أن يدعي بأنه لم يتأثر- بهذا القدر أو ذاك – بالدعاية الضخمة للأعمال المفرطة في الوحشية للتنظيمات  الاسلاموية المتطرفة. أنا أعرف أفرادا “حداثيين”، عاشوا معي تجربة اليسار على مدى عدة عقود أعطوا أصواتهم لبنكيران لسبب وجيه في نظرهم، وهو أنه “لن يرد خطر المد الأصولي ويوقف امتداداته في منطقتنا وفي وطننا سوى الأصوليين أنفسهم، وبالتالي فهذه الظرفية ليست ظرفية اليسار”. وتضيف هذه التفسيرات أن بنكيران سيستمر في الحكم لخمس سنوات أخرى، لأن في  إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية أن “فزورة” داعش لن تحل قبل خمس سنوات، ستنقل أمريكا بعدها اهتمامها إلى منطقة الباسيفيك، بمعنى أن المغرب ما زال محتاجا لخدمات بنكيران لمدة خمس سنوات أخرى… طبعا يجب أخذ الطموحات الصاعدة للتنظيم الحزبي الجديد في الوصول إلى الحكم بعين الاعتبار لأن قياداته لم تعد شابة، ولم يعد أمامها متسع من الوقت لمزيد من الانتظار… وعلى كل حال فهذه تبقى ربما مجرد تبريرات أو تخمينات لا ترقى لمستوى التحليل العميق، لكنني فضلت أن أسوقها هنا لأنها تمثل عينة ميدانية لبعض التأملات والتحليلات والآراء التي لا نسمع عنها ولا نقرأها في الصحافة.
هذا ما يراه بعض الناس. ما أراه أنا هو أن بنكيران “تحفة سياسية” أبدعت أسلوبا خاصا في التعاطي مع الشأن السياسي ونجحت فيه، لدرجة أنني لا أتصور حزب العدالة والتنمية بدون الأستاذ عبد الإله  بنكيران. أتركونا من شخصية الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد وغيرهما من الزعماء السياسيين السابقين، لأنني على يقين أنه لوعاد سي عبد الرحمان اليوم لممارسة السياسة لانتصبت المدافع والطوربيدات لقصفه.. بل أستطيع القول أنه لو بعث عمر بن الخطاب اليوم من قبره (وهو كان أعدل الحاكمين في زمانه حسب روايات التاريخ) لتمت مناهضته وتم تكفيره. أقول إذن أن الأستاذ بنكيران أظهر براعة كبيرة في التواصل مع عامة الناس، وفي إقناع عدد منهم بأنه في توافق تام مع جلالة الملك ومع الملكية، وأنه وفي لمبدإ «طاعة الحاكم» ومتنكر لـ «دولة الخلافة» ونافض يديه من التجارب الفاشلة “للإخوان . وفي تقدير عدد من الناس أن هذا عنصر طمأنة آخر على استقرار نظام الحكم في المغرب، يضاف إلى “جميل” الإقفال النهائي للاتحاديين لصفحة الصراع مع النظام و”الانتقال السلس للحكم” الذي ساهموا فيه عند تولي الملك محمد السادس للحكم نهاية القرن الماضي .
ليس هناك إذن في رأيي لا فشل لهذا الطرف ولا انتصار للآخر، بل هناك معطيات جديدة وتحولات تتسارع بوثائر عالية، لكن مشكلتها أنه لا تتم دراستها بالشكل الموضوعي الكافي من طرف مثقفين وباحثين لا يناصبون العداء لأي واقع كان، ولا يخدمون – عن وعي أوعن غير وعي – أية أجندة سياسية كيفما كانت، وهم موجودون والحمد لله في بلادنا، لكن تهافت أشباه المثقفين على احتلال الساحة يجعلهم يتراجعون. وهنا أستطيع أن أستشهد بالقول المأثور لجاك بيرك و الذي مفاده أن المجتمع المغربي ليس مجتمعا متخلفا، و إنما مجتمع ناقص التحليل..
كثير من الناس “يتكلمون” (بالمفهوم القدحي الذي أعطاه له الأستاذ عبد الله العروي ذات مناسبة)، ويوزعون الصفات والنعوت والأحكام على الخلق، ويشتبكون في حروب ليست لهم و لا يفقهون فيها، مما يضطر آخرين إلى الانزواء أو الانقطاع تماما عن إبداء الرأي..

س: ما هو دور علم الاجتماع إذن؟ و لماذا لا يلعب علماء الاجتماع دورهم في التحليل والتفكير ؟

ج : أما التحليل والتفكير فهذه مسؤولية جماعية يتحملها كافة المثقفين، وأما الحديث عن علم الاجتماع في المغرب فحديث قد يطول، لكنني أريد أن أؤكد على أن الباحث في علم الاجتماع ليس “فقيها” أو مفتيا له أجوبة جاهزة على كل الأسئلة، و أنا شخصيا أرفض أن يتم التعامل معي على هذا الأساس. ما يميز الباحث في علم الاجتماع أن له مناهج و تقنيات يشتغل بها، وهو لا يستطيع أن يجيب على سؤال ما إلا إذا اشتغل عليه، واستعمل الأدوات المنهجية لتحليل ما يعرض عليه من قضايا ومشاكل، ولذلك يجب التعامل معه في حدود ما هو متاح له علميا فقط. عندما يتحدث الباحث في علم الاجتماع كمفتي فهو يفقد كل أهلية علمية “للترافع” حول أية قضية تعرض عليه. السوسيولوجيا في المغرب مثلها مثل الدراما التلفزيونية؛ هناك سوسيولوجيون جيدون، لكن ليست هناك سوسيولوجيا، مثلما هناك ممثلون جيدون لكن ليست هناك دراما تلفزيونية جيدة. تحضرني الآن عدة أسماء ثقافية جيدة انحسر عطاؤها أو غابت كلية عن الساحة .
التحليل الموضوعي المنتج له شروط لا تتوفر حسب رأيي المتواضع في جل التحاليل التي سمحت لي الظروف بالاطلاع عليها، وهنا ربما تجدر الإشارة إلى نقطة هامة قلما يتم الانتباه إليها ولأهميتها، وهي أن أي تحليل سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو غيره لا يستقيم في غياب معطيات ميدانية وإحصائيات دقيقة وشاملة، وأعتقد أن هذه المعطيات تتوفر لطرف واحد دون غيره هو وزارة الداخلية أو من قد يوازيها من الأجهزة السيادية، وكما يقولون اليوم؛ فمن يملك المعلومة يربح الحرب. هناك أسئلة كثيرة معلقة لا نعرف عنها أية أجوبة من قبيل: ماذا كان دور وسلوك الزوايا والجمعيات الدينية والمرشدات الدينيات اللواتي يشتغلن في إطار وزارة الأوقاف، ومدى تأثير هاته الأطراف مجتمعة في عملية التصويت؟ وهل كانت للحساسيات اللغوية والمجالية والاجتماعية تأثير ما على اتجاهات التصويت؟ وماذا كان اتجاه تصويت رجال المال ورجال الأعمال؟ و لماذا لم يظهر أي تأثير للمعطلين من حاملي الشواهد العليا؟ ولا للموظفين من رجال التعليم وغيرهم، والمعنيين أساسا بمشروع إصلاح أنظمة التقاعد ؟…
كثير من الكتابات تتحدث عن التحولات، ولكن لا أحد يقول لنا ما هي هذه التحولات عدا الإشارة التي نبه إليها وإلى أهميتها – في حينها – الدكتور محمد جسوس رحمه الله، والمتعلقة بانتقال الثقل الديموغرافي من البادية إلى المدينة، مع ما يستتبع ذلك من تحول في العقليات والسلوكات والممارسات، واستطرادا من ذلك أنا هنا سأجازف بالقول أنه من المرجح جدا أن لا يكون السلوك الانتخابي للمهاجر من البادية إلى المدينة، بالنظر لأوضاعه وظروفه الاجتماعية الهشة وعدم استقراره، إلا لحظيا، نفعيا وانتهازيا.. وقد تكون لحظة الانتخابات بالنسبة إليه مجرد لحظة أخرى للتكسب.. هل هذه الفرضية صحيحة؟ لا أعرف، لكن بودي كباحث لو أستطيع أن أعرف..

س: والشباب، ماذا كان وضعهم وسلوكهم في هذه الانتخابات؟

هذا سؤال مهم جدا لكنني لا أملك أية فكرة عنه، وأنا بدوري أسأل عنهم،  وخاصة منهم الشباب المعطلين الذين يتظاهرون باستمرار في شوارع العاصمة ضد الحكومة ورئيسها الأستاذ عبد الإله بنكيران لدرجة التربص له وتعنيفه بشكل غير لائق و غير مقبول… وعلى كل حال فالجواب على هذا السؤال يقتضي الاستناد على دراسة ميدانية موثقة، وليس على مجرد الاجتهاد النظري، لكنني أستطيع تقديم بعض الملاحظات العامة ذات الصلة. الملاحظة الأولى أن جيل الشباب اليوم يعاني من حالة “استغراق” أو استلاب فكري كبرى، بمعنى أنه يتعرض يوميا لنوع مكثف من القصف الأيديولوجي الشديد دون أية قدرة على المقاومة أو الرد، لأنه يخضع لهذا القصف على امتداد اليوم وعلى مدار الساعة بفعل وتحت تأثير وسائل الاتصال الحديثة، فهو يكابد وضعا لا يستطيع منه فكاكا، ويتوهم أن العالم الافتراضي هو أقصى مظاهر الحرية والحداثة، وأنه يستطيع أن يؤثر في واقعه بفضل هذه الوسائل التي يمكنه أن يعبر من خلالها عن رأيه بكل حرية . يتصور الشباب اليوم وهو أمام شاشة حاسوبه أو بين يدي هاتفه الذكي أنه يملك العالم وأنه يعرف كل شيء لأن عالم المعلومات أصبح مفتوحا أمامه بلا حدود أو قيود، أو على الأقل ذلك ما يعتقده و يتوهمه..

س : ما هو رأيك في القول الذي يرى بأن الدولة المغربية دولة تقليدانية تساير العصرنة أكثر من باقي القوى المجتمعية ؟

ج : يعني هذا القول – إذا صح – أن الدولة تتقدم في نظرتها للواقع وتعاطيها معه عن الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني. أهمية هذا الطرح تكمن في كونه يحكم على الأحزاب والنقابات بأنها ظلت “محافظة ” لم تتجدد في نظرتها وأساليب عملها، وأنها تتطور بشكل بطيء يعوق حركتها وتطورها. نعم قد يصح هذا القول إلى حد ما. لاحظوا معي كيف ينظر من يعتبرون أنفسهم يساريين إلى الماضي أو ما يسمونه – وأنا معهم – بالزمن الجميل. انظروا كيف يمجدون الماضي ورجالات الماضي ويتأسفون عليهم، ويعتبرون أن ما يقع اليوم هو عبارة عن أزمة سببها الأول والأساسي هو التخلي عن قيم الماضي  ورموزه، وبروز فئة من “الخونة” و”المفسدين” تنكرت لهذا الماضي وأمجاده. هذا هو ما كان يسميه الدكتور محمد جسوس بخطاب الأزمة  أو “الأزمتولوجيا”، أي أن اليساريين والحداثيين (بصفة عامة) يذهبون إلى المعارك وهم يعلقون على جباههم يافطة الأزمة والفشل بسبب ما يعتبرونه خيانة للمبادئ وتفريطا في الثوابت.
أظن أن هناك كلاما جديا يجب أن يقال وأن نصارح به أنفسنا مهما كان صعبا، ومهما أغضب الناس من حولنا…لأن هناك – مع الأسف الشديد – رداءة وسطحية ومناطق ظل كثيرة في التعاطي مع أوضاعنا السياسية المغربية.

س : من بين القضايا التي أثارتها هذه الانتخابات وكشفت عنها، وسجلها المجلس الوطني لحقوق الإنسان هي مسألة تأطير المواطنين من طرف الأحزاب و ضعف هذا التأطير..

ج : كثيرا ما نقرأ كلاما من قبيل أن الأحزاب لم تعد تؤطر المواطنين، وهذا واقع يصعب تكذيبه، لكن ما يجب الانتباه إليه – في نظري – هو أن المواطن أصبح يتوفر على قنوات جديدة للتأطير تتجاوز إمكانيات الأحزاب الوطنية التقليدية. لم يعد المواطن يحس بحاجته للانخراط في التنظيمات الحزبية و المشاركة في التظاهرات السياسية الخ.. ذلك أن الأخبار السياسية والمعلومات السرية (الاتصال مع القصر و مع القادة في الخارج أو في السجن و مع الأحزاب الشقيقة في الدول الأخرى الخ..) والتحاليل التي كانت تتوفر للزعماء السياسيين فقط، والتي بنوا عليها جزءا من أمجادهم الحزبية، كل هذه الأمور أصبحت متجاوزة اليوم، وأصبحت المعلومات متوفرة ومتاحة للجميع بدون استثناء، بل أصبح مسؤولو هذه الأحزاب أنفسهم يطلعون على الأخبار من خلال وسائل الإعلام الحديثة..
هذا الأمر في الواقع يصدق على حزب مثل الاتحاد الاشتراكي، أما حزب العدالة والتنمية فله طرق أخرى وأسلوب آخر هو طريق و أسلوب “الجماعة” والانتماء للجماعة، بدعوى أن ما يقال داخل الجماعة وحده الذي يجب تصديقه والدفاع عليه في الخارج إزاء الأعداء المتربصين من “الحداثيين” و”اللادينيين” و”أعداء الإسلام”. هذا المنطق “الحربي” هو نفسه الذي كان يصنع قوة وصلابة التنظيمات اليسارية في لحظات سابقة، لكن الأمور اليوم تغيرت.
الغريب أن الأحزاب باختلاف تلاوينها تسمي الأفراد المنتمين إليها مناضلين بالمفهوم التقليدي للمناضل اليساري الذي كان يخاطر بحريته ووظيفته واستقرار أبنائه، بل وبحياته للوقوف في وجه النظام. اليوم الوضع أصبح مختلفا، وأصبح “المناضل” يتواجه مع رفيقه من نفس الحزب على المقعد الانتخابي في الدائرة.
هذه كلها قضايا تكشف إلى أي حد نحن مقصرين في تحليل الواقع وفهمه، وأن كل ما نفعله هو أننا نعيش في وهم معرفته .

س : هل يجوز القول أن هناك قديما يتلاشى هو اليسار الحداثي، وأن جديدا يولد هو اليمين المحافظ، وأن تمة قوى وافدة تقع بينهما؟

ج : طبعا عائلة اليسار ستظل موجودة، لأنها طرف أساسي في المعادلة السياسية، وأن اللعبة الديموقراطية لا تستقيم بدونها . لا يمكن لأي كان أن يمحي التاريخ هكذا بجرة قلم. يجب أن لا يغيب عن بالنا أن هناك مخاضا يعتمل داخل عائلة اليسار بين يسار تقليدي محافظ يتشبث بخطابات ومواقف وأحداث ورموز الماضي، وبين يسار متفاعل يسعى إلى التجديد ويجهد لاستيعاب معطيات الحاضر، لكنه يحتاج إلى فسحة من الوقت كي يستوي وينضج ويعيد البناء..
ولعل ما يؤكد هذه الفرضية أن شروطا موضوعية كانت متوفرة في الماضي لم تعد متوفرة اليوم، أهمها أن عديدا من القادة السياسيين الشباب في العقود الماضية أصبحوا اليوم كهولا، وأن عددا منهم تقاعد أو استفاد من منافع الدولة أو تبرجز ولم يعد النضال يعني له شيئا كثيرا…نحن هنا أمام مرحلة واضحة للفرز الطبيعي ولتداول الأجيال.

س : ألا ترى معي أن هناك رأسمالا بشريا تم تبديده بالنظر للنزيف الحاد الذي عرفه حزب  له ماضي وله أمجاد وتاريخ كالاتحاد الاشتراكي؟

ج : من بدد ماذا؟ أعتقد أن هذا سؤال يخص أصحاب الشأن، وليس لي كمتتبع وكملاحظ أن أجيب عليه، وكل ما أستطيع قوله أن هناك فعلا طاقات بشرية انزوت إلى الركن لأسباب متعددة منها ما يتعلق بتغير في القناعات أو بالتقدم في السن أو الحصول على تقاعد مريح ووضعية اعتبارية في المجتمع، أو بسبب الإحباط ، وليس فقط لأنه تم “إقصاؤها” أو إسقاطها من الذاكرة وعدم تثمينها والمحافظة عليها…وعلى كل حال فهذا سؤال مطروح على النخبة المثقفة سواء داخل اليسار أو داخل فئة المثقفين بصفة عامة.

س: إذا ما صح كلام ابن كيران حول العفاريت والتماسيح التي تعيق عمله، فهل كان في رأيك لهذه الكائنات دور ما في هذه الانتخابات؟

ج : الأستاذ عبد الإله تحدث أكثر من مرة – دون أن يفصح – عمن يسميهم بالعفاريت والتماسيح، وهناك من يتحدث عن “المخزن” و”الدولة العميقة” (علما بأن هذا المصطلح يطلق على العسكر في التجربة التركية ولا يصح إطلاقه بنفس المعنى على المغرب)، وهناك من يتحدث عن اللوبيات والأشخاص النافذين في الدولة أو “التحكميين” الخ… وهذه كلها أوصاف ونعوت لا قيمة لها عند مباشرتنا لأي تحليل منتج، لكن هناك مع ذلك سؤال أعتقد أنه ربما يكون مهما في هذا السياق: أين ذهبت مقولة “المركب الإداري المصالحي” التي أطلقها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي عند توليه الوزارة الأولى؟ وهل هناك تطابق أو تشابه مع مقولة “التماسيح والعفاريت” التي أطلقها رئيس الحكومة الحالي الأستاذ عبد الإله بنكيران؟ ألا تزيد –ربما – عن كونها محاولة لخلق الوهم في أذهان مستمعيه بوجود جيوب مقاومة تمنعه من تحقيق الإنجازات التي يود تحقيقها؟ هل يملك الرجل معطيات و معلومات يتستر عليها؟ أم أن الأمر يتعلق بقوة وسلطة تفوق سلطته وقوته وإمكانياته؟ هل يمكن أن يكون “التماسيح والعفاريت” مجرد مزحة أو فرقعة إعلامية من نسج خيال الأستاذ بنكيران ؟ سؤال آخر : إذا كان الأمر كما يدعيه الرجل: كيف سمحت “العفاريت” بنجاح بنكيران إذا كانوا هم من يعارضونه ويحولون دون ذهابه بعيدا في تطبيق برنامجه ؟ هكذا يتضح أن هناك مناطق ظل كثيرة لا يستقيم الاجتهاد في التحليل بدون تسليط ما يكفي من الأضواء عليها.

 س : ما هو تقييمكم للعملية الانتخابية؟ وهل تعتقدون أن ثمة تقدما أحرزته الأحزاب في تسويق صورتها وخطابها خلال الدعاية لبرامجها الانتخابية ؟

ج : قد لا أستطيع أن أجيبك على هذا السؤال إلا في حدود ضيقة جدا، فأنا زرت ثلاث مدن فقط في فترة الحملة الانتخابية، وهو أمر لم يسمح لي بتكوين ولو فكرة تقريبية عن الكيفية التي جرت بها الحملة الانتخابية بصفة عامة في المغرب، ولذلك فلن أستطيع الحديث (بصفة عامة) سوى عن المدينة التي أعيش فيها –الرباط ، وفيها أستطيع القول بأن الحملة الانتخابية تمت على مستويين : مستوى استعراضي مليء بالأهازيج والضجيج ؛ عبارة عن إعلان عن الحضور لا أقل ولا أكثر، مع بعض الاستثناءات طبعا، ومستوى ميداني- هندسي يتكفل به مجموعة من الحرفيين المتخصصين في ضبط الأصوات وإحصائها والحرص على استمالتها والتفاوض معها أو حولها..
أما البرامج  الانتخابية المكتوبة والتي تم توزيعها على المواطنين، فهي (بصفة عامة و أنا هنا لا أعمم) كانت عبارة عن كتابات إنشائية لم تقنعني شخصيا كمتتبع موضوعي مهتم..
لا أتصور أن هناك أي تقدم أحرزته الأحزاب في تسويق صورتها وخطابها خلال الدعاية لبرامجها الانتخابية. كانت البرامج متشابهة، وكان الجمهور لا مباليا بشكل ملفت، لكنني أستطيع القول بأن هناك أحزابا بنت حملتها على “شيطنة” الآخر، مثلما فعله إخوان بنكيران مع العمدة السابق المفترى عليه الدكتور فتح الله ولعلو، والذي وضعت كل مشاكل الجماعات وكل أنواع التقصير الذي شابها على ظهره… لقد لعبها إخوان بنكيران بذكاء يحسدون عليه، إضافة طبعا إلى ممارسات أخرى قد يطول شرحها و التفصيل فيها.

س : ما أسباب تراجع الأحزاب الحاملة لمبادئ وقيم اليسار والحداثة التي تدعي قربها من قضايا المواطنين ؟

ج : يمكن لهذه الأحزاب أن تحمل قيم اليسار و الحداثة كما تشاء، ولكن هل الناخب الذي يذهب إلى مكاتب التصويت يحمل هذه القيم ؟ أما مسألة القرب أو البعد من قضايا المواطنين فموضوع كبير يحتاج إلى دراسة و إعادة نظر. نعم يجب على أحزاب اليسار أن تعيد النظر في طرق اشتغالها، و أن يتسع صدرها للأفكار المبدعة، المنتجة والخلاقة.
المواطن المغربي يفهم مسألة القرب منه بطرق و صيغ تختلف عما تتصوره الأحزاب، بل إن حزب العدالة والتنمية نفسه لا يستثمر من مسألة القرب هاته سوى جانب العمل الخيري و الدعوي. وعلى كل حال فهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل كبير خارج تأثير و ضغط اللحظة الراهنة .

س : هل تعكس الكتلة الناخبة فعلا حقيقة المشهد السياسي المغربي، و إلى أي حد استطاعت أصوات الناخبين رسم خريطة جديدة ؟

ج : لنبدأ أولا بتوضيح ما نقصده بالكتلة الناخبة ؛ هناك ثلاث فئات داخل هذه الكتلة : هناك المواطنون الذين يحق لهم التصويت لكنهم متنازلون عن هذا الحق، وهم غير مسجلين في اللوائح الانتخابية، وهناك المواطنون المسجلون في اللوائح الانتخابية، ولكنهم لم يتجشموا عناء الذهاب لمكاتب التصويت، و هناك أخيرا فئة المصوتين . وكما هو معروف لدى الجميع فإن الأغلبية ممن لهم الحق في التصويت لم تصوت. هكذا سنلاحظ أن مليون ونصف صوت التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية مثلا، لا تساوي الشيء الكثير أمام22  مليون مغربي ممن يحق لهم التصويت، وذلك ما يسمح لنا بالقول أن المغاربة لم يسلموا رصنهم كله لا لحزب العدالة و التنمية ولا لأي حزب آخر. واسمح لي أن أذكر هنا توصيفا للشعب المغربي ورد في التقرير الأيديولوجي للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي سنة 1975، بأنه شعب مبادئ وحذر، ومعنى هذا الكلام أن الشعب المغربي لا يضع بيضه كله أبدا في سلة واحدة، أي أنه لا يسلم أمره كاملا أبدا لجهة واحدة أو يغلبها كلية على جهات أخرى . نعم يمكن أن يحدث ذلك لبعض الوقت، ولكن ليس لطول الوقت . طبعا هذا التوصيف فيه نفحة من النظرية الانقسامية كما تم اعتمادها وتبنيها من طرف السوسيولوجيا الانجلوساكسونية في تحليل الأوضاع المغربية، ولكن لا أعرف شخصيا دراسة تفندها .

س : هل يمكن اعتبار أن ما أفرزته الانتخابات على المستوى الجغرافي بين القرية والمدينة هو حقيقة مفادها أن المشهد السياسي يتجه نحو القطبية بفوز العدالة والتنمية في المدن و المراكز الحضرية وسيطرة الأصالة والمعاصرة على البوادي ؟

ج : أنتم تدركون أن الدين السياسي أو المؤدلج ظاهرة حضرية مدينية بامتياز، لأن هناك شروطا تساعد على بروزه وتطوره، وبالتالي فهو يجد زبناءه في المدينة أكثر مما يجدهم في البوادي، أما سكان البوادي فهم يحتفظون بممارساتهم الروحية والتلقائية البسيطة للدين دون تعقيد، ولذلك فبقدر ما اشتغل “المد الأصولي” في المدينة بقدر ما حصد.. أما ما يتعلق بحزب الأصالة و المعاصرة فأنا أصدق بأنه اشتغل على الموضوع طويلا بتفكير وروية، وخطط للأمر و نجح فيه، وأعتقد أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد لأن طموح حزب الأصالة والمعاصرة هو الامتداد القوي داخل المدن قصد التصدي للمد الأصولي . وفي اعتقادي أنه سيكون من السابق لأوانه الحديث عن أية قطبية من أي نوع في ظل هذه المعطيات و الظروف؛ ما زالت هناك أشواط أخرى يجب على الجميع أن يلعبها.

 

عمر بنعياش: أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس