ـ 1 ـ
نقرأ على قبر أندريه بريتون هذه الشاهدة:
«أبحث عن ذهب الوقت».
«ذهب الوقت»؟ هو ما لا يفسد، ما لا يتغيّر. ما يبقى هو هو،
في ما وراء الفساد، والزمن، والتغيّرات.
تعال، إذاً أيها الشاعر إلينا، إلى «ذهبٍ» آخر، لا يملكه إلاّ شعبٌ واحد، هو نحن العرب.


ـ 2 ـ
أن يكون تاريخُنا السياسيّ حركةً كبيرة من «المغازي» بتعبير الواقدي، أمرٌ. لكن تحويل هذه الحركة إلى ينبوع سياسيّ ثقافيّ اجتماعيّ، من أجل «الحنين» و «العودة» و «التكرار» أمرٌ آخر.
التغيّر يقتضي القطيعة. هل نريد أن نتغيّر، حقّاً؟
تلك هي المسألة؟
في هذا الصّدَد يقول ألبير كامو: «فكرُ الإنسان هو أوّلاً حنينُه».
ولستُ ممّن يقولون هذا القول.
الفكر، بالنّسبة إليّ، هو دائماً ابتكار: ابتكارٌ للمستقبل، انطلاقاً من الحاضر مرتبطاً بالماضي.

ـ 3 ـ
أُلغيَت العبوديّة، نظريّاً، منذ فترة طويلة في العالم. لكنّ هذا العالم، ونحن العرب جزءٌ منه، لا يزال يمارسها، عمليّاً، في مختلف الميادين، بشكلٍ أو آخر، قليلاً أو كثيراً.
أُلغِيَت كذلك، نظريّاً، سيطرةُ الرجل على المرأة، لا بالمعنى الذّكوريّ وحده، بل بالمعنى الاجتماعيّ والأخلاقيّ والإنسانيّ أيضاً. لكنّ العالم، ونحن العرب جزءٌ منه، لا يزال يمارس هذه السيطرة بشكل أو آخر، قليلاً أو كثيراً.

ـ 4 ـ
الإنسان، على المستوى الكونيّ، وفي مختلف مراحله التاريخيّة، يتّجه باستمرار، على الأقلّ نظريّاً، نحو مزيدٍ من الحريّة والعدالة والحياة الكريمة. نحو بناء المجتمع الذي يتساوى فيه جميع أفراده، حقوقاً وواجبات.
نظريّاً بُني هذا المجتمع. لكن عمليّاً، أفراد هذا المجتمع متساوون في الواجبات، لكنهم غير متساوين في الحقوق.
هذه ظاهرة كونيّة.
أحداث «الربيع العربيّ» عندنا نحن العرب تتيح لنا، في
«عواملها» و «نتائجها»، الأسئلة التالية:
1 – دائماً، نبدو نحن العرب، في زمن «الراحة»، أصدقاء، أو وحدويين، قوميين، «أمّة واحدة»، «وطناً واحداً»،
لماذا، إذاً، نبدو في زمن «الشدّة» أعداءً، متفرّقين، منقسمين، متحاربين- «أُمماً» كثيرة، و «أوطاناً» عديدة؟
2 – لماذا لا تتيح الظروف التاريخية، ظهور اتّجاهات عربيّة تدعو إلى تحقيق انتقالات أساسيّة، في اتّجاه التغيُّر والتقدّم، بدلاً من ظهور تلك التي تشدّ العرب جميعاً إلى تكرار الماضي وتقاليده في كلّ شيء، وظهور الأفكار والآراء التي تتَّسِق معها، سياسيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً؟ وهي أفكارٌ وآراءُ «مُنحازةٌ» أو
«نصيرةٌ» – كأنّها تنويعٌ بلغةٍ «حديثة» على معتقدات
«قديمة».
3 – لماذا تنحصر أو «تقتصر» المناقشات و «المطالب» على تغيير «صاحب السلطة» وحده، من دون أيّ طرحٍ لأيّ مشروعٍ يتناول تغيير المؤسّسات والقوانين والأنظمة القائمة على أسُسٍ تقليدية رجعيةٍ تُعرقِل أو تُعوِّق أو تمنع تقدُّم المجتمع نحو الأفضل والأجمل والأكثر عدالةً وحريةً واحتراماً للإنسان وحقوقه؟ وهكذا يبدو الصّراع الحاضر لا مجرّد جزءٍ من صراعٍ قديم، بل يبدو كأنّه استمرارٌ وإحياءٌ وتجسيدٌ لمختلف أنواع التخلُّف.
4 – «الانحياز» وفقاً لمنطق الأحداث في هذا «الربيع العربي» يعني: لا خلاص إلا بهذا الطّرف أو ذاك. إن كنتَ ضدّ هذا فأنت إلى «النّار»، وإن كنتَ معه فأنت إلى «الجنّة».
إذا كان المفكِّر يريد للمجتمع خلاصاً اجتماعيّاً إنسانيّاً وشاملاً، لا مجرد خلاص حزبيّ، فلا يمكن أن يكون «منحازاً» أو «نصيراً». المفكّر الحقيقيّ الحرّ «مناضل» وليس «مُنْحازاً». «المُنحاز» يؤخَذ بالسلطة وحدها. المفكِّر «المنحاز» الذي يحصر همّه في مجرّد تغيير السلطة يعمل أخيراً ضدّ الفكر، وضدّ حيويّة الفكر واستقلاله، وضدّ حريّات الإنسان وحقوقه.

ـ 5 ـ
ربّما لا يريد بعضُهم أن يقرأ لأنّه لا يريدُ أن يعرف.
ربّما لا يريد بعضُهم أن يعرفَ لأنّه لا يريدُ أن يعيشَ في خوفٍ دائم.
المعرفةُ مخيفةٌ، حقّاً.

ـ 6 ـ
يقول الفيلسوف اليوناني ديمقريطس:
«في الواقع، لا نعرفُ شيئاً،
ذلك أنّ الحقيقةَ تكمن في هاويةٍ عميقة».


ـ 7 ـ
بروموثيوس؟ إنّه السرّ الكامن وراءَ العلم والتقنية.
جابر بن حيّان ينحدر منه.
في رسائله (رسائل جابر بن حيّان) رسالة خاصّة بخلق الإنسان آليّاً، أو اصطناعيّاً.
وفي هذه الرسائل ما يشير إلى استخدام تقنياتٍ خاصّة لمعرفة الطّبيعة وأسرارها، من أجل السيطرة عليها واستغلالها.
البروموثيوسيّة هي في أساس الحداثة الأوروبيّة، وبخاصّة في جوانبها التقنيّة.
الوجه المُظلِم في التقنية هو أنّها حوّلت الطبيعة إلى ساحاتٍ للحروب، وإلى مناجم ومصانع ومعامل للأسلحة ولثقافة التّدمير والإبادة. اليوم يحتاج الإنسان إلى أن يستأنف اكتشاف شعريّة الطّبيعة.
كان الفيلسوف الرواقيّ يقول : «الكون قصيدة».
وكان فيلون الإسكندريّ يقول: «أعمالُ الطبيعةِ قصائدُ كتبها الخالق».
نعم، يمرّ الزّمن كأنّه إيقاعٌ أو إنشاد.
نعم، الطبيعةُ ليست آلةً، وإنّما هي شعر. والكون ليس مجرَّدَ ذرةٍ، وإنّما هو قصيدة.
والتحيّة هنا لريلكه الذي كان يقول: «النشيد وجودٌ».

ـ 8 ـ
يقولُ هيراقليطس ما معناه:
«تحبُّ الطبيعةُ أن تخبّئ أسرارها».
ويقول:
« الزّمنُ طفلٌ يلعبُ النّردَ».


ـ 9 ـ
قال ذلك «البطلُ»:
«لم أقطع اليوم أيّ وريدٍ في عنق المكان.
الزّمنُ غاضبٌ،
وها هي حبالُه تلتفُّ حول عنقي.
يبدو لي في هذه اللحظة، وهو يتقدّم نحوي،
كأنّه حقّاً حمارٌ وحشيٌّ
في هيئة غزالٍ عاشق».

ـ 10 ـ

على الدّرجة الأخيرة من سلّم المسافة بين قلب الرّجل وقلب المرأة،
قلبِ المواطن وقلب الوطن،
وقف الحبُّ يترصَّد وينتحب.
كانت أفواجٌ من طيور السّفر والتّعب تُحاصر الشرفاتِ والنّوافذ.

ـ 11 ـ
نورسٌ مالحٌ
يحمل البحرَ على جناحَيه، فيما كان غرابٌ جائعٌ يلتهمُ نُثارَ
الأشلاء التي تتساقطُ من مطبخ السّماء.

ـ 12 ـ
فجرٌ عربيٌّ كاذب.
كيف يخرج الضّوءُ من جثةِ طفلٍ – ذبيحاً، أو ذابحاً؟

ـ 13 ـ
عَرَبٌ كثيرون يقومون من بين الأموات.
عربٌ كثيرون يغضبون ويحتجّون.


ـ 14 ـ
أرّخَ للمقبرة العربيّة الحديثة، قائلاً:
«كانت ميداناً للرّقص».

ـ 15 ـ
عندما قاس ضغطَهُ،
كان يعرفُ أنّ قلبَه في طريقه إلى التّوقّف،
غير أنّه أراد أن يتأكّد من طول هذه الطّريق.

ـ 16 ـ
لم يُصْغِ إلى وجْهه في صراعه مع العالم،
ووضع قناعاً.
ها هو القناع، اليوم، آخِذٌ في التِهام أفكاره،
كأنّه يتهيّأ لكي يلتهمَ وجهَه.

ـ 17 ـ
كان مالارميه يقول:
«العالم أساسيّاً مصنوعٌ لكي يصبح كتاباً جميلاً».
لو أنّه حيٌّ، اليوم، لكان يقول على الأرجح وهو يتمرأى في العالم، خصوصاً في جزئه العربيّ، مدفوعاً لا بفتنة الجمال بل بفتنة الموت:
«العالم مصنوعٌ لكي يُصبحَ مقبرة».

ـ 18 ـ
«الموتُ كذبٌ»، يقول سري أوروبندو.
«الموتُ نوعٌ من القتل»، يقول المتنبّي.
ـ 19 ـ
إن كانت هناك حياةٌ متواصِلة، فهي الفنّ وفي الفنّ.


ـ 20 ـ
لماذا يتكاثر أولئك الذين لا يريدون أن يحيا إلاّ ما يجب أن يموت؟

ـ 21 ـ
العروبة؟ آهِ، آملُ بعد هذا الشقاء الطّويل أن يكون قد بقي
فيها من القوّة ما يتيح لها أن تولدَ من جديد.

ـ 22 ـ
يبدو أنّنا، نحن هذا الجيل، جيلي، لم نكن في حياتنا
أكثرَ من ظلٍّ
وأنّنا لم نكن في هذا الظلِّ أكثرَ من حُلم.


ـ 23 ـ
لا أمَلُّ من الاحتفاء بالرّيح،
لماذا، إذاً، أضع حاجزاً قويّاً بيني وبين الذّاكرة؟
كلاّ، ليس الصمتُ هو ما يجيءُ
بعد أن تهدأ الرّيح.
الرّيح هي التي تجيء.
________
*المصدر1: الحياة.
* المصدر2:ثقافات
بقلم علي أحمد سعيد إسبر المعروف باسم ” أدونيس”

التاريخ : 2015/10/1